محاضرة سماحة السيد الحكيم في عوائل وأسر الشهداء في حسينية الزهراء قم المقدسة
وذلك بتأريخ 20 /صفر / 1423 هـ ق. الموافق 3 / 5 / 2002 م.


درس من صبر السيدة زينب (عليها السلام)


بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

والصلاة والسلام عليك يا مولاي يا أبا عبد الله، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك عليك مني سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم، السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

والسّلام على سيدتنا ومولاتنا عقيلة بني هاشم زينب الكبرى الممتحنة الصابرة.

والصلاة والسّلام على سيدنا ومولانا بقية الله في أرضه الحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

والسلام على شهداء الإسلام في كل مكان، منذ الصدر الأول للإسلام وحتى شهداء هذا العصر.

والسلام على بناتي وأخواتي وعزيزاتي وعوائل وأُسر الشهداء والمضحين ورحمة الله وبركاته.

في البداية أتقدم بالتعازي الحارة لكل الأخوات العزيزات بمناسبة هذه الأيام الشريفة، أيام ذكرى أربعينية سيدنا ومولانا الإمام الحسين (عليه السلام)، هذه الذكرى التي تأخذ عقيلة بني هاشم زينب الكبرى العنوان الرئيسي فيها، فهو تكريم وتمجيد لحرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عندما كانت عودتها لكربلاء لأجل زيارة الإمام الحسين (عليه السلام).

كما أشكر في الوقت نفسه الأخوات القائمات على هذه الحسينية المباركة، وهذه الهيئة الشريفة المسماة بهيئة الزهراء (عليها السلام) على إتاحتهم لي هذه الفرصة وعقدهم لهذا الاجتماع، وتمكيننا من لقاء أخواتنا العزيزات في مثل هذا اليوم وفي هذه الذكرى. وبهذه المناسبة أُحاول أن أُشير إلى بعض النقاط التي آمل من الله سبحانه وتعالى أن تنفعنا.

في مثل هذا اللقاء، قد لا أكون بحاجة إلى طرح بعض هذه النقاط، ولاسيما بسبب هذا الارتفاع من مستوى الوعي والمعرفة والفهم في هذا الوسط الشريف - الوسط النسوي - وخصوصاً الوسط الذي ينتمي إلى الشهداء والمضحين ومسيرتهم.

انتماؤنا - أيتها العزيزات - لهذا الوسط - وسط الشهداء - أمر نفتخر به ونعتز به بالرغم من المحنة التي واجهناها في هذا الانتماء، ولا حاجة للإشارة لهذه المحنة وتفاصيل هذه المحنة أمامكم، فهذه العقيلة زينب (عليها السلام) في ما واجهته في مثل هذه الأيام التي مضت عليها، ورأيتم محنتها في سيدها ومولاها وأخيها الإمام الحسين (عليه السلام) وسائر أخواتها، وكذلك محنتها في أولادها، وفي بني عمومتها، وفي أصحاب سيدها ومولاها الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو قائد المسيرة ورائدها.

هذه المحنة التي لخصتها زينب (عليها السلام) وأصبحت محورا لها، هي محنة عوائل جميع شهدائنا وأُسر مضحينا، فعندما تنظر هذه الأسر وعوائل الشهداء إلى محنتها تجد في محنتها محنة الإمام الحسين (عليه السلام)، النموذج الكامل والواضح في هذا المجال وفي هذه القضية؛ ولذلك أنا لا أحتاج أن أشرح تفاصيل هذه المحنة.

هذه المحنة بالرغم من آلامها وضغوطها الروحية والنفسية والمعنوية تمثل في الوقت نفسه شرفاً وكرامةً وعزةً للإنسان في انتسابه إلى هؤلاء الشهداء، كالشرف الذي تراه زينب (عليها السلام) في انتسابها إلى الإمام الحسين (عليه السلام)، وكالشرف الذي تراه العلوية الفاضلة العالمة آمنة الصدر (رضوان الله عليها) بنت الهدى في انتسابها إلى الإمام الشهيد الصدر (رضوان الله عليه).

فهذا شرف عظيم أن يكون الإنسان منتسباً لهذه العوائل الشريفة، ولهؤلاء الشهداء الذين تقدموا في هذه المسيرة من حيث المحنة والشرف.

وهذه المحنة تفرض على هذه الأُسر الشريفة مسؤوليات كبيرة جداً، كالمسؤولية التي فرضتها المحنة والشرف على العقيلة زينب (عليها السلام) مسؤولية الاحتفاظ بالروح المعنوية. وأُلخص هذه المسؤولية والاحتفاظ بالروح المعنوية العالية التي كان يشاهد فيها الشهداء في مواقفهم وفي عزتهم وفي كرامتهم.

أنتم تعرفون أن الإمام الحسين (عليه السلام) كان يمكن أن تنفتح أمامه أبواب الدنيا بكل ما فيها من شهوات ولذات وزخرف، إذ كان على استعداد من ذلك، إلا أنه أبى إلا أن يضحي في جانب العزة والكرامة والإباء في شخصيته، إذ كان يمكن أن تنفتح أمامه كل هذه الأبواب، ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) من أجل الاحتفاظ بهذا الجانب، جانب العزة والكرامة كان على استعداد أن يضحي بنفسه وأولاده وأهل بيته وأصحابه من أجل الاحتفاظ بهذا الجانب المعنوي، وقد صرح بذلك في يوم عاشوراء سواء في تفسيره للموقف العام تجاه النهضة والثورة عندما قال: «ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة» أو حينما ارتجز وهو يدخل في المعركة والقتال مع جيش عبيد الله بن زياد عندما قال: «الموت أولى من ركوب العار، والعار أولى من دخول النار» هنا الموت أولى من ركوب العار، يعبر عنه بجانب العزة والكرامة في حركة الإمام الحسين (عليه السلام).

فهذا الجانب المعنوي، مسؤولية عظيمة تتحملها أُسر الشهداء، بأنه كيف يمكن أن نحافظ على هذه العزة والكرامة، ولذلك ترون العقيلة زينب (عليها السلام) عندما واجهت ذلك الموقف العجيب المروع الذي يهز الجبال، فضلاً أن يهز الإنسان والنساء منهم اللّاتي يتفاعلن مع الجانب العاطفي، عندما واجهت موقف الشماتة في مجلس عبيد الله بن زياد فيخاطبها ويقول لها: أرأيت كيف صنع الله بكم، حيث أصبحت أجسادكم مقطعة على صحراء كربلاء، وتدوسها الخيل بلا دفن وبلا كفن وبلا رعاية. فقد كان يتصور أن هذا هو مظهر الذل عندما يُدخل النساء ويقول هذا الكلام أمام زعماء العرب في ذلك الوقت الذين كانوا يتمركزون في الكوفة، وأمام رؤساء القبائل وأمام قادة الجيوش في ذلك المجلس الكبير.

لاحظوا العزة والكرامة التي تمثلت في العقيلة زينب (عليها السلام) عندما تقول «ما رأيت إلا جميلا».

إذن كل هذه الآلام وكل هذه المحن وكل هذا المشهد المفزع والمفجع والذي يهز الجبال فضلاً من أن يهز ضمائر الناس، لكن مع ذلك ترى (عليها السلام) أن هذا هو جميل صنعه الله سبحانه وتعالى بهذه الأُسرة، وبهذه العائلة وبأهل البيت (عليهم السلام) وكان عزهم وكرامتهم أن يموتوا بمثل هذه الميتة، ميتة في سبيل الله سبحانه وتعالى، ولا يكونوا أذلاء وعبيد للطغاة والمستبدين. فالمحافظة على هذا الجانب المعنوي من المسؤوليات العظيمة التي نتحملها نحن وعوائل الشهداء.

وأنا أفتخر بأن أنسب نفسي إلى هذه الأسر الشريفة أسر الشهداء، نحن كما تعرفون أحيينا وأنتم وكل عوائل وأُسر العراق العلمية الشريفة، الأُسر العشائرية من أبناء المدن وخيرة أبناء العراق من المثقفين والرساليين كلهم أحيوا بمثل هذه الإصابات.

نحن عندما ننتسب إلى هذه العوائل لابد لنا أن نحافظ على هذا الجانب المعنوي بالدرجة العالية من المحافظة. فهذه مسؤولية عظيمة نتحملها أمام الله سبحانه وتعالى، وأمام هؤلاء الشهداء.

ومن المسؤوليات المهمة في هذا المجال هي المحافظة على أرواح الشهداء ودمائهم؛ بمعنى المحافظة على طريق هؤلاء الشهداء ومسيرتهم، أنا لا أكتمكم وأتحدث عن نفسي بل من باب أن أُبين الحقيقة والواقع، كان خروجي من العراق من أجل هذا وإلا كانت أمامي فرص بأن أبقى في العراق كما بقي من بقي وأغني نفسي بطريقة ما وأبقى في العراق، ولكن كان أحد الأمور الأساسية بل والأمر الأساسي والأهم والأكبر في الخروج هو المحافظة على هذا الخط على طريق الشهداء، فعندما رأيت شهادة الشهيد الصدر (رضوان الله عليه)، وشهادة النخبة الصالحة والكواكب التي تقدمت لهذه المسيرة من كوكبة الفقيد الكبير آية الله السيد قاسم شبر (رضوان الله عليه)، وأصحابه الواحد وثمانين الذين استشهدوا في ليلة الخامس عشر من شعبان من خيرة أبناء الشعب العراقي، وغيرهم من كواكب الشهداء.

ثم توج ذلك بشهادة الشهيد الصدر وأُخته العلوية بنت الهدى (رضوان الله عليهما)، ونحن نعيش هذه الأيام أيضاً ذكرى شهادتهم، فكان أحد الأمور بل الأمر الأهم والأكبر والأعظم هو قضية مواصلة هذا الطريق والمحافظة على هذا الطريق الذي استشهد فيه هؤلاء الشهداء والأخذ بثأرهم، هذه المسألة من المسائل المهمة التي يجب أن يتحملها عوائل الشهداء ويتحملها المؤمنون والمجاهدون والصالحون في ساحتنا وبالخصوص عوائل شهدائنا.

نحن لا نؤمن بالفكر الجاهلي بأخذ الثأر بمعنى الانتقام بالأشخاص، وإنما نؤمن بالفكر الإسلامي الذي يأخذ الثار لله سبحانه وتعالى، ونعتقد أن كل شخص استشهد في سبيل الله ومن أجل الله ومن أجل الإسلام فهو شهيد، ويؤخذ له الثار؛ لأن هذا الثار هو ثار للمبادئ وللقيم وللحق، ولذلك أصبح الإمام الحسين (عليه السلام) عنوان ثار الله،والخطاب معه بأنه ثار الله وأن الوتر له هو وتر موتور؛ لأنه وتر المؤمنين جميعا، لابد أن نعرف هذه المعاني ونأخذها كأساس في حركتنا.

هذه نصيحة أنصح بها نفسي وأُثبت بها نفسي، وأنصح بها هذه الأُسر الشريفة من عوائل الشهداء التي أفتخر بالانتساب إليها، وأفتخر أيضا بالحضور بينها وبالحديث إليها مضافا إلى ذلك أيتها العزيزات هناك مجموعة من الأمور بودّي أن أُشير إليها:

الأمر الأول: أننا في هذا الوقت وفي هذا الزمان بعد أن مررنا بمرحلة طويلة إلى حد ما من العمل والتضحية والجهاد، وأصبحت القضية العراقية الآن من القضايا الرئيسية التي يتحدث عنها العالم، نحتاج إلى أن نقوم بعمل واسع في الوسط النسوي العراقي. ففي العام الماضي تحدثت عن هذا الموضوع إلى حد ما، لكن على مستوى قضية الثقافة والوعي السياسي، لكن الآن نحتاج إلى هذا الوسط النسوي الذي يمثل نصف القدرة والإمكانات في الأمة.

صحيح إن النساء قد يكون من واجباتهن أو مسؤولياتهن أمور محدودة في داخل إطار البيت والمنزل وما يحيط في المنزل، وليست المسؤولية على النساء بالدرجة التي هي على الرجال بالتصدي للقضايا العامة، ولكن مجتمعنا في هذا العصر وفي هذا الزمان تداخلت فيه الأمور وأصبح للمرأة موقع في هذا المجتمع وفتح أمامها الكثير من الأبواب.

ومن ثم المسؤوليات تترتب على قدر هذه المساحة وعلى هذا العزم فعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، لأنه عندما يكون للمرأة فرص تفتح أمامها أبوابا واسعة وكبيرة من خلال ما نشاهده في حركتها، لابد أن يكون هناك تعادل وتوازن بين المسؤوليات التي تتحملها المرأة، وبين هذه الفرص وهذه الأبواب المفتوحة أمامها.

ولذلك أنا أدعوا إخواننا جميعا رجالاً ونساءً وأخواتنا بصورة خاصة، أدعوهن إلى الاهتمام بوجود تنظيم واسع في وسط النساء على الطريقة التي نشاهدها الآن لدى إخواننا في الجمهورية الإسلامية، حيث أعطوا هذا المجال وهذه الحقيقة أهمية خاصة، وهي هوية التنظيمات البسيجية التعبوية في الوسط النسوي كما يعبرون، وأصبح للمرأة دور في كل الفعاليات والنشاطات التي تقوم بها الجمهورية الإسلامية.

نحن نحتاج إلى أن نبدأ بعمل منظم في هذا المجال، وأنا أعتقد أنها الخطوة الكبيرة في وضعنا العراقي، وإن كانت هي صغيرة إذا أردنا أن نحسبها في نفسها وحدودها لكن هي كبيرة في الوضع العراقي، من إدخال بعض الأخوات في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية كعضوات يمثّلن هذا البعد، أرجو أن لا تنظروا إلى هذا الموضوع من منظار العدد، أو تنظروا إلى هذا الموضوع من منظار الأخوات العزيزات اللاتي يساهمن كعضوات في المجلس، مع كل احترام وتقديري لهذه الأخوات، بأن لا ينظر للموضوع من هذه الزاوية أعني زاوية العدد أو الأشخاص، وإنما ينظر للموضوع من زاوية المضمون والمحتوى.

نريد أن نفتح في هذه الخطوة الأبواب أمام هذا الوسط المؤثر والمهم، من أجل أن يقوم بدوره الطبيعي في ساحتنا الإسلامية، ومن أجل خدمة هذه الساحة، ومن أجل خدمة المجتمع والوصول إلى الأهداف المطلوبة، لذلك أنا أعتبر هذه القضية من القضايا المهمة التي ينبغي أن نمارسها بصورة صحيحة.

الأمر الثاني: هو مخاطبة المرأة العراقية في الداخل وفي بلاد الغربة، لا أقول في بلاد الهجرة، بل أقول بلاد الغربة لأن بلاد الهجرة هي: البلاد التي يخرج الإنسان منها من أجل الله وفي سبيل الله، ويواصل هذا الطريق من أجل الله وفي سبيل الله، بأن يكون التغريب والابتعاد عن الأهل والوطن لأسباب ترتبط بعمله في سبيل الله.

أمّا أن يغترب الإنسان عن بلاده ويكون بعيداً لأسباب أخرى، من أجل أن يدير حياته المعيشية مثلاً، فقد يكون هذا العمل في نفسه صحيح وجائز ومنفصل عن الملابسات التي يمكن أن تقترن به لكن هذه ليست هجرة.

هذه الأوساط النسوية في الداخل والتي تعيش ظروفا صعبة، ومنقطعة عن الثقافة الإسلامية وعن المعرفة الإسلامية وعن الوعي الإسلامي؛ بسبب الحصار الذي يفرضه النظام على المجتمع في الداخل، فالنظام يمنع الكتاب الإسلامي ويمنع فرص التوعية، والشعب يناضل ويقاتل من أجل ذلك. والنظام الآن يقوم بعملية المحاصرة الشاملة للمراجع و المبلغين والخطباء الذين يرتقون المنابر والمؤلفين، وهكذا لا توجد مجلات ولا صحف ولا مؤسسات ولا مكتبات عامة ولا ولا.. إلى غير ذلك مّما كان موجودا في العراق، لأن النظام منع هذه الأمور في الداخل.

فهذه المرأة المحاصرة في الداخل ثقافيا وسياسيا ومعرفتياً، وكذلك المرأة الموجودة الآن من نسائنا في بلاد الغربة، اللائي يتعرضن أيضا إلى مشكلات واسعة وكبيرة من الناحية الثقافية والأخلاقية والسلوكية والروحية والمعنوية، بحاجة إلى هذا الوسط النسوي الواعي الموجود في هذه المراكز الدينية في الجمهورية الإسلامية.

فعلى المراكز الدينية أن تعدَّ خطة وعمل نسوي تخاطب به المرأة في الداخل من أجل أن نربط هذه المرأة بمسيرة الثورة والجهاد، وبمسيرة التغيير نحو الصلاح في الأرض والإصلاح، وهذا هو العنوان الذي وضعه الإمام الحسين (عليه السلام) بقوله: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمة جدي».

فلابدّ أن يكون لدينا خطاب للمرأة في الداخل في قضية الإصلاح، ويكون لدينا خطاب أيضاً للمرأة التي تتعرض إلى مثل هذه المشكلات في الخارج.

إذن نحن نتحمل وكذلك الرجال يتحملون مسؤوليات من هذا الخطاب، ولكن المرأة كما تعرفون لديها فرصة لا تتهيأ للرجال؛ ولذلك أنا أشجع وأحث وأطلب من جميع أخواتنا العزيزات اللاّتي يتمكن من القيام بزيارات للخارج، واللاّتي لديهن مستوى من الثقافة وقدرة على ممارسة هذا الدور، أن يقمن بذلك على شكل زيارات. وكذلك أطلب من جميع الأخوات اللاتّي لا يتمكن من القيام بزيارات، ولكن يتمكن من المراسلة ومن إعداد البرامج والمناهج التي يمكن من خلالها الخطاب، عليهن أن يقمن بمثل هذا الدور.

والآن الأبواب مفتوحة من قبيل شبكة الاتصالات الإلكترونية - الإنترنيت والفاكس - ومن قبيل الكتب والنشرات وإرسال الأشرطة الصوتية - الكاسيتات - إلى غير ذلك من الوسائل التي هي الآن مفتوحة أمامنا من أجل تهيئة هذا الخطاب ومن أجل أن يكون لدينا تيار واسع سواء في داخل العراق أو في خارجه، من أجل خدمة الإسلام والقضية الإسلامية وقضية أهل البيت (عليهم السلام).

وفي نفسه الوقت أشكر كل الأخوات اللاّتي يمارسن هذا الدور، لكن أطلب أن يكون هناك توسع في هذا المجال؛ لأننا بحاجة كبيرة إلى هذا الجهد.

الأمر الثالث: قضية الاهتمام بالوسط الشبابي للنساء الفتيات، فنحن كما تعرفون قد مضى علينا أكثر من عقدين من الزمن في الجهورية الإسلامية، والبعض من أخواتنا مضى عليهن عقد من الزمن أو أكثر في الجمهورية الإسلامية، وفي هذين العقدين من الزمن ولد جيل جديد، أو الذي كان صغيراً أصبح الآن كبيراً، وهذا الجيل الجديد لاشك أنه جيل مثقف وواعي ويحمل طاقات كبيرة، فلابدّ من الاهتمام بهذا الجيل والتوجه إليه بصورة دقيقة ومبرمجة، من أجل الاحتفاظ به ومن أجل متابعته لهذه المسيرة.

ونحن نواجه في هذا الجيل الجديد عدة مشاكل أساسية وأُنبه الأمهات والأخوات بالنسبة إليها:

المشكلة الأولى: اللغة، نحن - كجيل سابق - لا زلنا نعرف اللغة العربية ونتخاطب بها بمختلف أشكالها، سواء اللغة العامية أو اللغة العربية الفصيحة، أمّا الجيل الجديد الذي نشأ في المداس التي تدرس باللغة الفارسية، بدأ يبتعد عن اللغة العربية بالتدريج، حيث أصبحت اللغة السهلة المفهومة لديه بصورة واضحة ويتفاعل معها هي اللغة الفارسية.

فهذه المشكلة من المشاكل المهمة، ومن الضروري للأمهات أن يعالجن هذه المشكلة، ويعلمن الطفل الذي يعيش معهن في البيت، والاهتمام به من أجل إبقاء معرفته باللغة العربية، حتى يمكن التخاطب معه والحديث معه.

المشكلة الثانية: العادات والتقاليد التي يتلقاها من البيئة التي يعيش فيها، لا سيما أننا والشعب الإيراني المسلم تربطنا أمور كثيرة جدا، سواء في التأريخ أو المذهب أو العقيدة أو قضايا أُخرى، لكن مع ذلك فكل شعب له عادات وتقاليد تحكمه يختلف فيها عن الشعوب الأخرى.

وهذه العادات والتقاليد تعتبر حواجز أحيانا أمام تطوير الوضع والأوساط، فلابدّ أن ننظر إلى هذه المشكلة بنظرة دقيقة جدا ونحاول أن نعالجها، وفي نفس الوقت هناك أمور كثيرة موجودة في الجمهورية الإسلامية يمكن أن ننتفع بها ونهتم بها ونستفيد منها ونركز عليها. فالاهتمام بهذا الوسط الشاب هو الذي يمثل بالنسبة لنا الأمل في المستقبل من ناحية والطاقات المتفجرة من ناحية أخرى.

أنا أعتبر أن الاهتمام بهذا الجيل والمحافظة على روحة وأخلاقة وأدبه من أهمّ المسؤوليات التي تتحملها مثل هذه المؤسسات ومثل هذه اللجان وهذه الاجتماعات.

المشكلة الثالثة: أن هذا الجيل لا يعرف الآن شيئا عمّا جرى في العراق، بخلافنا نحن حيث عشنا في العراق وعرفنا المحنة والمصائب ولا زلنا نتابع في ظروف سننا وعمرنا وعلاقاتنا.

أمّا هذا الجيل الجديد - باعتبار اهتمامه بالدراسة والمدرسة، ولم يفتح عينه على العراق وما جرى في العراق - فالكثير منه لا يعرف حتى تأريخ العراق ولا يعرف المدن الموجودة في العراق ولا يعرف شيء عنه من هذا القبيل.

فالاهتمام بالمحافظة على هذا الجيل والتوجه له بصورة أساسية ورئيسية شيء مهم جدا؛ وذلك بإيجاد المشجعات لحضور الفتيات الشابات في مثل هذه الاجتماعات، وإقامة حلقات القرآن الكريم والدورات الثقافية الخاصة ودورات المسابقات وغير ذلك من الوسائل التي يمكن أن تستخدم في هذا المجال.

وهناك قضية من القضايا المهمّة جدا، والتي يجب أن نضعها أمامنا في برنامجنا الخاص وهي أن الرعاية التي قامت بها العقيلة زينب (عليها السلام) للأطفال الصغار، كان لها دور عظيم في مستقبل قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، وكذلك سكينة (عليها السلام) تحملت مسؤولية كبيرة جدا، وكانت فتاة صغيرة في ذلك الوقت، وهكذا فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) كان لها دور عظيم في مستقبل حركة ثورة الإمام الحسين (عليه السلام).

فهذه الفتيات الصغيرات كن في معركة كربلاء، لكن الاهتمام والرعاية لهذه الفتيات كان له دور في إدامة هذه الثورة وإدامة هذه النهضة، فأنا أُوكد على هذا الجانب وأطلب من الأخوات الاهتمام بهذا الموضوع.

الأمر الرابع: قضية الثقافة السياسية والتوعية السياسية والثقافية الأخلاقية فنحن نحتاجها في ثقافتنا إلى هذه الأركان الثلاثة.

ففي السابق كانت القضية السياسية محصورة في عدد معين من الناس، حيث الناس لا يعرفون السياسة إلا من خلال رجال ونخبة من الناس المحدودين، أمّا الآن القضية السياسية أصبحت قضية يومية, تقولها الإذاعة، ويقولها التلفزيون، وتتحدث عنها الفضائيات والصحافة والكتاب والخطباء، وتتحدث عنها المظاهر في الشارع إلى غير ذلك مّما نراه في مختلف أنحاء العالم.

وهذه القضية ليست خاصة بنا، وإنما هي في كل العالم أينما تذهبون، فعندما تنظرون إلى المشهد الفلسطيني الآن، تجدونه بخلاف ما كنتم تنظرون إليه سابقا، فالقضية الفلسطينية في تأريخها كانت محصورة في مجموعة من الرجال، من قبيل الشيخ محمد أمين وأمثاله - لا حاجة الآن إلى ذكر الأسماء لأنه يأخذ وقتا طويلا - أمّا العامة من الفلسطينيين لم يكونوا معنيين بالقضية الفلسطينية، ولذلك عندما وقعت القضية الفلسطينية في سنة ثمانية وأربعين وقيام الكيان الصهيوني، وجدتم الهجرة الواسعة للشعب الفلسطيني، فهناك الملايين من الناس هربوا إلى خارج فلسطين، فالناس عندها واجهوا القتل والتدمير وهربوا لم يكونوا يعرفون شيئا من السياسية.

أمّا الآن فالقمع الذي يمارسه الصهاينة في فلسطين، هو أضعاف مضاعفة من القمع الذي مارسه الصهاينة في السنة الثامنة والأربعين، لكن لا نلاحظ هناك هجرة من فلسطين إلى الخارج، لماذا؟

وذلك لأن قضية الوعي أصبحت في الشارع الفلسطيني عامة، حيث الطفل الصغير يدخل في القضية السياسية، ويمارس دوره في هذه القضية السياسية. والعالم كله بهذا الشكل.

أمّا في العراق فتلاحظون أن الحركة السياسية المخنوقة والمحاصرة والمحدودة غير ما كانت عليه في السابق، فمثلاً عندما تذهبون إلى العتبات المقدسة كمظهر من مظاهر التعبير عن الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) والتمسك بخطهم، تجد أن هناك طبقة واسعة جدا من الشباب والفتيات يشاركون في هذه المظاهر، وهذا ما لم نره في العهود السابقة، مع أنه لم يكن هناك حصار، فلم نرى مثل هذه المظاهر.

وهكذا صلوات الجماعة في العراق، عندما تكتظ بالمصلين من الشباب والفتيات أكثر من نسبة ثمانين بالمائة، وكما نراه أيضا في حج بيت الله الحرام، وهكذا الكثير من المظاهر الموجودة الآن في عالمنا الإسلامي والعربي. فالقضية السياسية نراها قد أصبحت قضية عامّة وشاملة لكل الأوساط الاجتماعية،وليست قضية مقصورة.

إذن، القضية السياسية نحتاجها في ساحتنا العراقية في المهجر، وعلى جميع الأوساط القائمة في هذا المهجر، ونحتاج إلى هذا الوعي الثقافي السياسي والثقافة السياسية؛ حتى نفهم ما هي المبادئ الحقة التي جاء بها الإسلام، حيث في القضايا السياسية قضايا الإسلام الحقة، وهذا معنى الثقافة السياسية الإسلامية.

وهكذا الوعي السياسي فما يجري في ساحتنا الإسلامية والعالمية والعربية من حركات سياسية، لابدّ أن نفهمها ونعيها، ولا أقصد من هذا أن يتخلى الإنسان عن كل أعماله ويصبح سياسيا، بل لابدّ أن تكون لدينا قدر من المعرفة والوعي في القضايا السياسية.

وكذلك القضية الأخلاقية فهي تعتبر من القضايا المهمة، لأن الغرب عندما فشل في مواجهة المسلمين سياسياً، وفشل في مواجهة المسلمين ثقافياً، بل فشل في مواجهة المسلمين حتى على مستوى الصراع الحار القتالي. فعندما دخل بلاد المسلمين واحتلها، بقي المسلمون يقاتلون الغربيين ويلحقون بهم الخسائر الفادحة، والآن الغربيون يخافون من تكرار ذلك خوفا من الخسائر الفادحة التي يمكن أن تلحق بهم. فبعدما واجهوا هذا الفشل حاولوا الدخول إلى بلاد المسلمين من خلال معركة جديدة وهي المعركة الأخلاقية، حيث حاول أن يفسد الأخلاق بين المسلمين وأن يفسد المجتمعات الإسلامية وأن يفسد ضمائر المسلمين وهكذا.

فقضية القتال والحرب الثقافية الأخلاقية هي القضية الأُولى التي نواجه بها الغربيون الذين يخشون أن يدخلوا معنا في المعارك الأخرى، حيث فتحوا معركة واسعة وكبيرة بما لديهم من وسائل مختلفة ويوجهون هجمة كبيرة جداً على بلاد المسلمين.

فنحن نحتاج إلى درجة عالية من الثقافة الأخلاقية لنواجه بها هذه الهجمة الغربية، لذلك أنا أوصي الأخوات العزيزات والهيئات والأُسر الشريفة التي تتحمل مسؤولية كبيرة في ساحتنا العراقية أن تهتم بهذا الجانب اهتماما بالغاً، أي تهتم بالقضية الأخلاقية والثقافية السياسية، وكذلك تهتم بقضية الوعي السياسي ومعرفة ما يجري في ساحتنا السياسية من مؤامرات، وأسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق لذلك.

وأعتقد أن هذه المنابر وهذه الاجتماعات في إطار الشعائر الحسينية هي أفضل طريق للوصول إلى هذه الأهداف، فعندما نضع أمامنا خطط وبرامج وأهداف وعناوين، نجد أن أفضل طريق نستفيد منه الوصول إلى هذه الأهداف هو طريق إحياء هذه الشعائر الحسينية.

فإن أهل البيت (عليهم السلام) عندما أسسوا هذه الشعائر وهذه المجالس والمواكب والزيارات ومظاهر الحزن، كانوا يريدون من ذلك إحياء أمرهم، وإحياء أمرهم هو إحياء هذه المفاهيم وهذه القضايا، وأفضل طريق هو الإصرار والتمسك بهذه الشعائر وإقامتها والاستفادة من مضمونها.

وبهذا الصدد أنا أشير إلى قدوة لنا في هذا المجال وهو الإمام الحكيم (رضوان الله عليه) الإمام الحكيم كان أحد المراجع العظام في تأريخنا الإسلامي كله، ولعله أعظم مرجع في تأريخنا المعاصر في خصوصياته، وهذا لا أقوله باعتبار انتسابي له بالولادة، وإنما أنقل هذا الكلام عن مراجعنا العظام الذين التقيت بهم طيلة المدة السابقة، فهم الذين يتحدثون عن الإمام الحكيم في قضية الشعائر الحسينية، حيث كان حسينيا وملتزماً ومدافعاً عنها إلى آخر نفس من حياته.

وإضافة إلى أنه كان يقيم هذه الشعائر قام في نفس الوقت بعمل عظيم جدا، وهو تحويل هذه الشعائر الحسينية إلى منهج وإلى طاقة كبيرة في خدمة الإسلام ومضمونه ومحتواه، وفي عصر الإمام الحكيم وجدنا كيف تحولت المواكب الحسينية التي كان يستغلها الشيوعيون والقوميون وما يسمون أنفسهم بالوطنيين - يعني الحركات العلمانية التي كانت تستغل الشعائر الحسينية في هتافاتها عن قيمهم ومبادئهم وسياستهم - تمكن في منهجه أن يحول هذه الشعائر إلى شعائر تهتف باسم الإسلام وباسم أهل البيت (عليهم السلام)، وتهتم بحقوق المسلمين وبحقوق جماعة أهل البيت(عليهم السلام) وحقوق الشعب العراقي بصورة عامة.

ونحن عندما نقيم هذه الشعائر نحاول أن نعطيها هذا المضمون الثقافي والأخلاقي والعقائدي والسياسي؛ لأننا نريد بذلك أن نحي أمر أهل البيت (عليهم السلام)، ونعطي هذه الشعائر مضمونها الحقيقي.

أيتها الأخوات، إن المضمون الحقيقي للشعائر الحسينية هو ذلك المضمون الذي ورثناه عن أئمتنا(عليهم السلام) ثم ورثناه عن مراجعنا وعلمائنا، كالشيخ الطوسي الذي هو عنوان الحوزات العلمية، ومؤسس حوزة النجف الأشرف بعظمتها، والذي يُعبّر عنه بشيخ الطائفة. فإذا أردنا أن نرجع إلى تأريخه نجد أن أحد الأعمال المهمة التي قام بها الشيخ الطوسي هي إحياؤه للشعائر الحسينية في بغداد، حيث أعطاها مضمونها الثقافي والسياسي، الأمر الذي أدى بالنواصب أن يهجموا عليه ويحرقوا منبره في بغداد، ويضطر بعد ذلك إلى أن يهاجر إلى النجف الأشرف بسبب هذا التوجه في تطوير الشعائر الحسينية وإحيائها.

لذلك أنا أعتقد أنه من الضروري جدا أن نستمر بعملية إحياء هذه الشعائر، وتنظيم هذه المجالس، وإعطائها المضمون الثقافي الذي يكون فيه إحياء لأمر أهل البيت (عليهم السلام).

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يحفظكم ويسددكم ويبارك لكم في أعمالكم، وينفعنا وينفعكم بهذه الأعمال عنده سبحانه وتعالى، نحن عندما نتحدث عن المنفعة، نتحدث عن تلك المنفعة التي تنفعنا عند الله سبحانه وتعالى.

وأوصيكن أيتها العزيزات، وأوصي نفسي وأوصي جميع من يسمع كلامي هذا بالإخلاص لله في العمل، وبتقوى الله سبحانه وتعالى، فإن نجاتنا في الإخلاص في العمل، وهو الذي يكون به رضا الله سبحانه وتعالى، وكذلك التقوى هي خير زادٍ نقبل به على الله سبحانه وتعالى.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعا من المخلصين المتقين، والحمد لله رب العالمين.

إلى أرواح شهدائنا الأبرار، ولاسيما شهداء هذه الأُسر الشريفة التي نلتقي بها ونجتمع بها، وإلى أرواح أسلافنا الصالحين وإلى أرواح مراجعنا العظام وإلى روح إمام الأمة والشهيد الصدر، رحم الله من يقرأ الفاتحة قبلها الصلاة على محمد وأل محمد.

مع الشكر الجزيل للأخوات على إتاحتهم لي هذه الفرصة، وتهيئتهم لهذا الاجتماع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية