محاور الحديث | الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) والتمهيد لغيبة الإمام المهدي | دور الإمام الحسن العسكري في تهيئة الوضع الثقافي في أوساط الشيعة | الإمام المهدي عجل الله فرجه والثأر لجميع المظلومين | المحور العقائدي | الولاء السياسي | الطاعة والنصيحة لأئمة المسلمين | الظروف السياسية في هذه الأيام  
 
 
 

محاضرة ألقاها سماحة السيد الحكيم (قدس سرّه) في مكتبه بمدينه قم المقدسة
وذلك بتاريخ 10 / 3 / 1423 هـ ق الموافق 22 / 5 / 2002 م


الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
والتمهيد لغيبة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)


بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية أبارك للسادة الأفاضل هذا اليوم الشريف، وهو أول يوم لإمامة سيدنا ومولانا إمام العصر (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، كما أقدم التعازي بمناسبة شهادة سيدنا ومولانا أبي محمد الثاني الحسن العسكري (عليه السلام) وأسأل الله تعالى أن يجعلنا من أوليائهم ومن المتمسكين بعروتهم والسائرين على منهجهم.

كما أنتهز هذه الفرصة، أول لقاء بالإخوة الأعزاء في هذا المجلس الشريف بعد فترةِ انقطاع ٍٍ في موسم شهري محرم وصفر، وأتقدم للإخوة الأعزاء بالشكر والتقدير والامتنان على جميع ما قاموا به، وكذلك لإخواننا العراقيين بصورة عامة لإحيائهم موسم محرم وصفر، حيث كان الإحياء في هذه السنة على درجة عالية من النشاط والتفاعل، وفي مختلف الأماكن التي يسكنها الإخوة العراقيون، سواء في الجمهورية الإسلامية أم في خارجها، ولاسيما في بلاد الغربة، حيث إحياء العراقيين هذا الموسم الشريف بما يعبر عن ولائهم وارتباطهم بأهل البيت (عليهم السلام).

كما جاءت الأخبار من داخل العراق تتحدث عن اهتمام بالغ من قبل العراقيين بإحياء هذا الموسم، وإن كان قد تعرض بعض زوار الإمام الحسين إلى عمليات قمع واسعة من قبل النظام وكذلك بعض المجالس الحسينية، فقد أشارت بعض الأخبار إلى أن هناك مجموعة من المؤمنين قد تعرضوا للقتل بمنطقة الهندية، وهم في طريقهم لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) بمناسبة الأربعين.

كما أن بعض المجالس الحسينية قد تعرضت لمداهمات وعدوان من قبل النظام، ولكن مع ذلك أحيى العراقيون هذا الموسم الشريف إحياءً يعبر عن ولائهم وارتباطهم بأهل البيت (عليهم السلام) وأخص بالذكر ما قام به إخواننا العراقيون في الجمهورية الإسلامية بمناسبة يوم الأربعين من إحيائهم لهذه المناسبة، وكذلك إحيائهم لانتفاضة صفر، والتنظيم الجيد الذي شهدناه في هذا العام والذي كان متطوراً عما كنا نشهده في الأعوام السابقة، حيث كان الوضع في هذه السنة يمثل تقدماً كبيراً في وضع العراقيين وتنظيمهم وتعبيرهم عن هذا الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) فجزاهم الله خير الجزاء وشكر الله مساعيهم أفضل الشكر.


محاور الحديث

محور المناسبة في هذا المجلس الشريف وكعادتنا نتناول ثلاثة محاور من الحديث:


المحور الأول:

هو محور المناسبة، حيث تمر علينا هذه الأيام مناسبتان، مناسبة شهادة أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) وكذلك مناسبة بداية إمامة إمامنا وسيدنا الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، وهي مناسبة تستحق الوقوف طويلاً عندها، ولكن باعتبار ضيق الوقت أُحاول أن أُشير إلى بعض الخصوصيات فيما يتعلق بهاتين المناسبتين.

لقد كانت مدة إمامة الإمام العسكري (عليه السلام) أقصر من باقي أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث كانت مدتها خمس سنوات، ولقد شاء الله تعالى أن يكون والد الإمام المهدي - الذي هو أطول أهل البيت إمامة - أقصر أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إمامة.

وقد تحمل الإمام العسكري (عليه السلام) في هذه المدة القصيرة الحصار، حيث كان محاصراً في سامراء، وهو شبيه إلى حد كبير بحالة السجن التي يتعرض لها الإنسان، كما كان يعيش حالة القلق والخوف بالرغم من الوعد الإلهي بالمحافظة على هذه الذرية وهذا الإمام الموعود، ولكن إحساسه (عليه السلام) بمسؤولية المحافظة على ولده كان يجعله يعيش حالة القلق الشديد، لأن العباسيين كانوا يعرفون أن ولد الإمام العسكري (عليه السلام) سوف يكون هو الإمام الذي يقوم بالأمر، باعتبار أنه آخر أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن فكرة العقيدة لإمامته والالتزام بها كانت من الأفكار الشائعة والمنتشرة في أوساط الجهاز العباسي الحاكم، فعندئذ يمكن أن نعرف أن العباسيين كانوا يتوقعون أن انتهاء حكمهم على يد هذا المولود الجديد، ولذلك وضعوا الإمام الحسن العسكري (عليهم السلام) وبقية نسائه تحت الرقابة الشديدة، من أجل معرفة مصير هذا المولود الذي سوف يولد في بيت الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وكان أشد الأمور قسوة على الإمام (عليه السلام) أن توضع العيادات تحت الرقابة الشديدة.

ولذلك كانت قضية المحافظة على هذا المولود وحمايته من العيون التي دسها العباسيون لمراقبة حالة بيت الإمام (عليه السلام) مهمة معقدة جداً قام بها الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وأنا لا أُريد أن أشرح كل الخصوصيات، ولكن يمكن للإنسان أن يتصور هذه الحالة عندما تكون خالة الإمام (عليه السلام) وعامة النساء بهذه الدرجة العالية من الرقابة.


الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) والتمهيد لغيبة الإمام المهدي

والمهمة الثانية التي كان يتحملها (عليه السلام) - وهي مهمة معقدة - هي التمهيد لغيبة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) حيث إنه (عليه السلام) كان يعرف أن هذا المولود سوف يكون غائباً عن الأنظار، بسبب الظروف السياسية والاجتماعية التي يشخصها في ذلك الوقت، ومن ثم فلابد أن تمهَّد الأمور لهذه الغيبة، لئلا تكون هناك نكسة في مسيرة أهل البيت (عليهم السلام) وفي مسيرة أشياعهم، وتكون سبباً لانحراف أو ضلال قسم من أتباع أهل البيت (عليهم السلام).

وهنا نلاحظ أن هناك مجموعة من العناصر التي كانت معروفة في أوساط أهل البيت (عليهم السلام) بأنها عناصر وجيهة وذات صبغة علمية ولها موقع في جماعة أهل البيت (عليهم السلام) نلاحظ أنها تعرضت للانحراف في زمن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وجاء الذم الشديد لها في زمنه (عليه السلام)، وذلك من قبيل الشلمغاني الذي كان أحد وجوه الشيعة والشخصيات البارزة، والذي كان يمثل بداية الانحراف في أوساط شيعة أهل البيت (عليهم السلام).

لقد واجه الإمام العسكري (عليه السلام) مجموعة من هؤلاء العناصر - ولا توجد فرصة لكي أذكر أسماءهم - وكانت لهم وجاهة في الوسط الشيعي، وكانوا يتّسمون بالعلم والمعرفة من ناحية، ولكن كانت فيهم بذرة الانحراف، وكان الإمام العسكري (عليه السلام) يخاف على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) بعده، باعتبار غيبة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) من ناحية، ووجود هذه العناصر من ناحية أخرى.

ولذا كان عليه أن يحاصر هذه العناصر من الناحية المعنوية، ويكشف خصوصياتهم ويوضح القضايا لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) في الوقت الذي كان محاصراً فيه، ولا يتمكن أن يوضح كل الأمور، وهذه عملية معقدة جداً قام بها الإمام العسكري (عليه السلام) وأتقنها، وتمكن أن يحافظ على الخط الأصيل لأهل البيت (عليهم السلام)، بحيث نجد في هذا العصر أن هذا الخط هو خط واحد في الاعتقاد بالإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، ولا يوجد هناك أي خلاف فيما يتعلق بهذه النقطة.

والحديث عن هذا الموضوع كثير وشواهده كثيرة، وأحد شواهده هو الكتب التي كتبت في موضوع الغيبة من قبل علمائنا الأعلام، كالنعماني والشيخ الطوسي، ومن يقرأ هذه الكتب يرى الشبهات التي كانت تثار حول موضوع الغيبة، ويفهم من ذلك كيف تمكن الإمام العسكري (عليه السلام) أن يحفظ هذا الخط الأصيل بما بذله من جهود كبيرة.


دور الإمام الحسن العسكري في تهيئة الوضع الثقافي في أوساط الشيعة

والجانب الثالث المهم هو تهيئة الوضع الثقافي والعلمي في أوساط شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، بحيث يكونون قادرين على أن يتحملوا المسؤولية عند غيبة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، ولذلك لم يكن غريباً أن نجد أعلاماً بارزين - لا نكاد نجد لهم نظيراً في المرحلة السابقة أو اللاحقة - كالشيخ الكليني (قدّس سرّه)، الذي لازال كتابه الكافي يمثل قضية مركزية رئيسة حتى عصرنا الحاضر من حيث خصوصياته، فشخصيته (قدّس سرّه) كانت إحدى الشخصيات البارزة في فترة الغيبة الصغرى للإمام المهدي.

وكذلك شخصية ابن بابويه الذي يعتبر من أعلام شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد تمكن أن يحافظ إلى حد كبير على هذا الخط الأصيل.

والنتاج الذي نشاهدها في هذه المرحلة والذي كان يتميز بمثل هذه الشخصيات البارزة كان أحد الأعمال التي قام بها الإمام العسكري (عليه السلام)، وإن كانت تلك الفترة الزمنية ـ باعتبار ظروفها السياسية الخاصة ـ قد اختفت فيها الكثير من المعالم والخصوصيات، ولكن يمكن أن نفسر هذا الموضوع من خلال وجود مثل هذه الشخصيات التي أشرت إليه، حيث نجد المدح والثناء الكبير لشخصية الشيخ الكليني، ولكن لا نجد الصلة التي تربطه بأسلافه، وبالمحيط الذي كان يعيشه (قدّس سرّه). وعلى ما يبدو أن هذا المحيط كان غريبا، فمن هم أساتذته؟ ومن هم طلابه؟ وما هو الوسط الذي يحيط به؟ فلا توجد معلومات واضحة وبينة حول هذا الموضوع، إلا معلومات قليلة جداً وباهتة في مداليلها.

فهذه الشخصية الكبيرة التي لا زال لها هذا التأثير في كل تأريخنا - حيث مر على وجودها اثنا عشر قرناً تقريبا ولا زالت لامعة وبارزة - عندما ننظر إلى محيطها فلا نجد فيها أشياء كثيرة، وهذا يعني أن تلك المراحل من المراحل التي لم تسمح الفرصة بإبداء كل معالمه، كما هو الحال في مرحلة الإمام الصادق (عليه السلام) حيث كانت الأمور فيها واضحة، وكانت شخصياتها واضحة، كزرارة وأبان. فمن يقرأ شخصية الكليني يجد الكثير من الغموض فيما يحيط به، وإن كان لا يوجد غموض في شخصيته.


الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) والثأر لجميع المظلومين

والآن ننتقل إلى المناسبة الثانية، وهي مناسبة التاسع من ربيع، والتي تمثل بداية لإمامة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، وهذه المناسبة فيها مجموعة من الأبعاد:

وأحد الأبعاد التي يعرفها الناس بصورة عامة، هي بُعد الفرحة والسرور، والتي تنسب إلى فاطمة الزهراء (عليها السلام)، حيث يعبر عن هذا اليوم بيوم فرحة الزهراء (عليها السلام)، وهذه الخصوصية قد يتمادى فيها بعض الناس حيث يذهب يميناً وشمالاً.

ولقد دلت النصوص الصحيحة والمتواترة على أن أحد الأمور التي يقوم بها الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) هو الثأر لجميع المظلومين في تاريخ الرسالة الإلهية، وأبرز مظلوم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) هو فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ولذلك أصبحت الزهراء (عليها السلام) عنواناً لهذا اليوم الشريف، باعتبار هذه الخصوصية في حركة الإمام المهدي.

كما أنه (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) يحقق جميع أهداف الأنبياء (عليهم السلام) في إقامة العدل والقسط بين الناس، وهذا هو الهدف الكبير لجميع الأنبياء على ما ذكر في القرآن الكريم: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ}(1)، فإقامة القسط بين الناس هو أمر يستهدفه جميع الأنبياء، والإمام المهدي يحقق هذا الأمر بصورة واضحة وكاملة.

ومن ثم فهدف النبي (صلى الله عليه وآله) وسيدة نساء العالمين (عليها السلام) وهدف أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هو هذا الهدف الكبير، الذي يحققه الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، فلا بد أن تحقق الفرحة لدى كل هؤلاء.

وهذه الفرصة مقرونة بالأسى والألم والحزن، حيث نجد أن الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) لا يحقق هذا الهدف إلا بعد أن يتحمل كل هذه المحن والآلام التي تمر على الأمة الإسلامية منذ ولادته وحتى اليوم، وإلى أن يأذن الله تعالى له بالظهور، فالإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) أكثر أهل البيت (عليهم السلام) بل يمكن أن نقول: أكثر الأنبياء والمرسلين والصالحين الذين عرفهم التاريخ، تحمل في حياته الدنيوية من المحن والآلام مالم يتحمله أي إنسان.

إذن ففرحة إقامة هذا العدل مقرونة بهذا الحزن، أسأل الله تعالى أن يجعلنا من أنصاره الحقيقيين في هذه المسيرة.


المحور العقائدي
أبعاد الولاية

المحور الثاني:

هو المحور العقائدي، حيث انتهينا في حديثنا عن موضوع الولاية إلى الجانب التنفيذي، وقلنا إن الولاية تارة يراد منها الإمامة، وقد تناولناها بالبحث، وأخرى يراد منها جانب الحكم وإدارة شؤون الناس، وقلنا إن هذه الولاية - أي الحكم - لها أبعاد ثلاثة.

البعد الأول: هو البعد التشريعي، وقد ذكرت في أبحاث سابقة ما هو المراد من البعد التشريعي الولائي؟ وما هي مفردات الأبعاد ذات الطبيعة الولائية، أي ذات الطبيعة التي ترتبط بالحكم لا بالتشريع، بمعنى الشريعة الإلهية الثابتة التي ينزلها الله تعالى على رسله وعلى خاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله)؟

البعد الثاني: هو الجانب التنفيذي.

البعد الثالث: هو القضاء.

وقد انتهينا في الحديث إلى الجانب التنفيذي، وتوجد فيه مجموعة من المفردات، وهي:


الولاء السياسي

المفردة الأولى: الولاء السياسي، وقد تحدثنا عنه في آخر حديث لنا قبل شهر محرم الحرام وقلنا إن الولاء السياسي من الواجبات السياسية التي يجب على كل مؤمن أن يلتزم به، وهذا الولاء له أبعاد ثلاثة:

البعد الأول: هو بُعد المودة والحب، وهذا من الواجبات المفروضة على المؤمنين تجاه أوليائهم، وعلى رأسهم أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

البعد الثاني: هو قضية العقد والالتزام، ومنه قضية البيعة، وقضية الغدير تعبر عن هذا الجانب في وقته، أي أن الخصوصية الموجودة في يوم الغدير، والتي تختلف عن الأيام الأخرى، حيث أعلن النبي (صلى الله عليه وآله) الوصاية والخلافة لعلي (عليه السلام)، ولم يكن هذا الإعلان في يوم الغدير فحسب، وإنما كان يوم الغدير هو أحد الأيام التي أعلن فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذلك، وإلا فإنه (صلى الله عليه وآله) قد أعلن هذا الأمر في مناسبات عديدة، ولكن لوجود الخصوصية التي اختص بها يوم الغدير دون بقية الأيام وهي خصوصية البيعة، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أخذ البيعة من المسلمين لعلي (عليه السلام)، ولذلك كان يوم الغدير يوم الميثاق.

وهذه خصوصية أخرى للولاء السياسي عندما نقول: {إِنّمَا وَلِيّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالّذِينَ آمَنُوا}(2)، فالمراد منه أن فيه قضية المودة والعهد والميثاق، الذي لابد أن يلتزم به الإنسان.

البعد الثالث: هو قضية النصر والإسناد والحماية لمن يواليه، وهذه قضية مأخوذة في جوهر الولاية.


الطاعة والنصيحة لأئمة المسلمين

المفردة الثانية في الجانب التنفيذي: هي قضية الطاعة والنصيحة لأئمة المسلمين، وهذه المفردة لها علاقة بالولاية، فإحدى مستلزمات الولاية وشؤونها هي إطاعة الرعية للإمام المنصوب لإدارة شؤونهم، قال تعالى: {أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ}(3).

فهذا النص القرآني يشير إلى موضوع الطاعة، وهناك نصوص عديدة في القرآن الكريم تشير إلى هذا الموضوع، كما توجد هناك نصوص صحيحة في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) تؤكد على قضية الطاعة. وهذه من القضايا الواضحة.

ولكن هناك شيء آخر ورد في نصوص أهل البيت (عليهم السلام) - ومنها النصوص النبوية - حيث أشارت إلى أمر آخر لابد أن يلتزم به الناس تجاه الإمام وهو (النصيحة لأئمة المسلمين)، ويراد منه ما يقابل الغش، بمعنى أن يخلص الإنسان في عمله الاجتماعي تجاه الإمام الذي يتولى هذا الأمر. وهذا من الواجبات الشرعية التي أُلزم بها المسلمون تجاه أئمتهم - كما ورد ذلك في النص عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) - وذلك لأهمية هذا الواجب، فقد ذكرت النصوص الصحيحة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب المسلمين في حجة الوداع، وذكر مجموعة من الأمور التي لا بد للمسلمين أن يلتزموا بها، وأحدها هو قضية النصيحة لأئمة المسلمين.

وقد ذكر الكليني في الكافي رواية صحيحة السند: عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد - وهو يرويها بسندين كليهما معتبر - عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خطب الناس في مسجد الخيف، فقال: (نظر الله عبداً سمع مقالتي فوعاه، وحفظها وبلغها من لم يسمعها». فهذه القضية جعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) على عاتق المسلمين، فلابد أن يبلغ بعضهم بعضاً هذه الأمور، ولم يخاطب أولئك الذين سمعوها فقط، وإنما أراد من المسلمين أن يبلغوها لكل الأجيال، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. أي أن المسلمين مسؤولون أمام الله تعالى أن يبلغوا هذه المقالة، حتى لو لم يكونوا من أهل الفقه والمعرفة، فعلى الجميع أن يبلغوا هذه المقالة، ولكن ما هي هذه المقالة؟

قال: ثلاث لا يغلّ عليهن قلب امرئ مسلم، والغل هنا يراد منه الخيانة كما تشير لذلك النصوص اللغوية والقرآنية، أي أن المسلم لا يخون واحداً من هذه الأمور، فإذا خان أحدها فليس بمسلم، فقد يكون ظاهره وشكله مسلما، ولكن قلبه ومحتواه لا يكون مسلما، وهذه الأمور هي: إخلاص العمل لله تعالى، والنصيحة لأئمة المسلمين، وهو ما يتسامح به الناس كثيراً.

بل لا بد أن يلزم منهج المسلمين، فلا يقول المسلم: إنه لدي الخيار، والله تعالى أباح لي أن أصنع ما أشاء، فإذا كانت جماعة المسلمين على أمر، وكان هذا الأمر قد ترك الخيار فيه للإنسان، فلا بد أن يلتزم به ويسير عليه.

طبعاً يوجد هنا كلام، وهو ما معنى جماعة المسلمين؟ فقد أشارت الروايات إلى أن المقصود من جماعة المسلمين هم جماعة الحق، الذين هم على الهدى، فعندئذ لا يجوز للإنسان أن يخرج عن هذه الجماعة.

إذن فموضع الشاهد هو أن النصيحة لأئمة المسلمين هي من الواجبات التي لابد أن يلتزم بها الإنسان تجاههم، ولا يكتفي بالطاعة لهم.

وهنا يضيف النبي (صلى الله عليه وآله) في هذه المقالة خصوصية أخرى، وهي أن ينصح المسلمون لأئمتهم في أعمالهم، فلا يكتفى منهم بالطاعة، بل لابد من النصيحة لإمام المسلمين. وهناك تكملة لهذه الرواية، وهي: «فإن دعوته محيطة من ورائهم، المسلمون إخوة تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم».

وهذه من الأمور التي بلّغها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فالمسلمون إذا واجهوا عدواً فعليهم أن يكونوا جميعاً يداً واحدة على ذلك العدو، فلا يمكن للمسلم أن يقول إن الآخرين هم الذين يواجهون هذا العدو، وإنما يجب أن يكونوا يداً واحدة على من سواهم.

ونحن الآن نواجه هذه الحالة في قضية فلسطين، ولذلك فمسؤولية بعضهم في هذا الأمر هو بلاغ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهذا النص الصريح، والمضمون المروي حتى في كتب جمهور المسلمين.


المحور الثالث
الظروف السياسية في هذه الأيام

المحور الثالث:

هو محور الظروف السياسية العامة التي نعيشها في مثل هذه الأيام، وهي ذات أبعاد كثيرة، ولكن سأُشير إلى عدة نقاط بصورة مختصرة:

النقطة الأُولى: وهي ما ترتبط بالشعار الذي طرحناه في خطاب يوم الأربعين - في العشرين من صفر - وهو شعار (أوقفوا الاضطهاد والدمار في العراق).

فكما يعرف الإخوة الأعزاء، نحن في هذه المرحلة نواجه ظروفاً حساسة في العراق، وهناك أخطار يواجهها العراق من خلال الضربة الأمريكية، أو من خلال ما يمكن أن تحدث من تحولات في داخل العراق. ومن ثم فقد تكون هذه الأخطار أعظم من خطر بقاء نظام صدام، ولذلك نلاحظ أن بعض المواقف الإقليمية، وحتى بعض المواقف الدولية تتردد في قضية إسقاط النظام وتغييره، تخوفاً من تبعات الأخطار التي تترتب على إسقاطه.

فهناك حديث سياسي واسع في المنطقة، وبعض السياسيين عندما يتحدث عن هذا الموضوع يصل إلى هذه النتيجة وهي أن يبقى النظام على ما فيه من مشكلات ومحن للشعب العراقي، وهذا أهون من أخطار أخرى قد يتعرض لها الشعب العراقي إذا سقط النظام في مثل هذه الظروف التي يعيشها العالم الإسلامي، وهي ظروف محاولة الهيمنة الأمريكية على العالم، وتفردها في السيطرة عليه.

وظروف إسرائيل، حيث تقوم بهذه العمليات القمعية الواسعة للشعب الفلسطيني، وتهديد الدول العربية المحيطة بفلسطين، إلى غير ذلك مما يترقبه العالم من تطورات وأحداث. ومن ثم فقد تكون أضرار هذه الأحداث أخطر من بقاء النظام، وهذا الحديث يدور في الأوساط السياسية وقد شرحت بعض أبعاده، ولكني أُريد أن أُبينه الآن بصورة واضحة. فحتى في تحليلنا للأوضاع القائمة في المنطقة والعراق لا نتجاهل مثل هذه الأخطار التي يمكن أن تلحق بالعراق وبالمنطقة، ولكن في الوقت نفسه عندما تتحدث عن موضوع إسقاط النظام فلا ننظر إلى هذه القضية من زاوية مصالحنا الخاصة، أو من زاوية مصلحة الشعب العراقي بصورة خاصة، وإن كان من حقنا كسياسيين أن ننظر إلى هذه القضية من زاوية مصلحة الشعب العراقي، كما أن الآخرين عندما يتحدثون عن قضاياهم فإنهم يتحدثون عن مصلحتهم الخاصة.

فنحن قد يكون من حقنا أن نتحدث عما يرتبط بمصلحة الشعب العراقي، لأن هذه القضية هي القضية الأُولى التي تعنينا، ولكن مع ذلك نقول بصورة واضحة ونشهد الله تعالى على ما نقول، ولا نقول ذلك رياء أو مناورة سياسية، أو دجلاً وغش، وإنما نعتقد به بيننا وبين الله تعالى: وهو أن سقوط هذا النظام وذهابه يمثل أعظم مصلحة للشعب العراقي وللمنطقة كله، وحتى لفلسطين نفسها. هذا هو تقديرنا، وأن ما يرتكبه هذا النظام من أعمال وحشية في داخل العراق، وما يهدد به من أوضاع خطيرة في المنطقة كلها يعتبر خطراً كبيراً جداً على الشعب العراقي وعلى المنطقة. وإحدى معالم هذا الخطر هي قضية الاضطهاد والدمار في العراق.

فالعراق بلد عظيم جدا، وله موقع في بلاد المسلمين من الناحية الإستراتيجية، ولا يمكن لأحد أن ينكر هذا التاريخ العظيم لهذا الشعب، والعراق الآن يتعرض لعمليات اضطهاد وتدمير أضعاف ما يتعرض له الشعب الفلسطيني على يد الصهيونية العالمية.

نحن نعتقد أن الشعب الفلسطيني يتعرض الآن إلى اضطهاد، ولكن عندما ننظر لما يجري في العراق نجد أن ما يتعرض له العراقيون من عمليات قتل واضطهاد هو أضعاف مضاعفة عما يتعرض له أبناء الشعب الفلسطيني. وهذه قضية لا بد أن نعرفها، ويجب أن يتحمل مسؤوليتها العراقيون؛ من أجل أن تصبح واضحة للعالم.

نحن لا نريد أن نتغاضى عن الأخطار الأخرى من أجل مصالحنا عندما نتحدث عن إسقاط النظام، وإنما نريد مصلحة الشعب العراقي من ناحية، ومصلحة المنطقة من ناحية أخرى، لأن بقاء هذا النظام هو أعظم خطر يهدد العراق والمنطقة.

فأحد الأسباب الرئيسة لهذا التمزق الموجود الآن في الوضع العربي والإسلامي هو هذا النظام، وكذلك مسيرة ما يسمى بالسلام، والتي هي في الحقيقة عملية استسلام أدت إلى هذه النتائج في فلسطين، من مؤتمر مدريد إلى اتفاقية أوسلو إلى اتفاقيات الذل والهوان التي يراد الآن إجراؤها في الساحة الفلسطينية، فكل هذه القضايا يقف وراءها النظام الحاكم في بغداد.

وكذلك الأوضاع السياسية والاجتماعية التي أوجدها في المنطقة، سواء في حربه مع الجمهورية الإسلامية أم في غزوه للكويت. فكل المبررات الموجودة الآن بيد قوى الاستكبار العالمي وبيد الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل في المنطقة، قدمها النظام العراقي مجاناً لها من أجل أن تتدخل في المنطقة. فالنظام العراقي له هذا التاريخ وهذا الوضع، وهذا الأمر نحتاج أن نشرحه بصورة واضحة من أجل أن يتبين الخطر العظيم المتمثل بهذا النظام.

النقطة الثانية: هي قضية القرار (1409) الذي صدر في الأمم المتحدة، والذي يتناول تنظيم عملية البيع والشراء في أموال النفط العراقي لمصلحة الشعب العراقي. وهذا القرار طُرح في الأمم المتحدة قبل أكثر من سنة، ولكنه واجه مقاومة شديدة من قبل روسيا وبعض دول المنطقة المجاورة للعراق، وكذلك من قبل الصين، وكان هناك تردد من قبل فرنسا، أما الآن فقد صدر هذا القرار بالإجماع، فما هو السبب في عملية التأخير؟

عندما نفحص بصورة دقيقة نجد أن الشعار الذي كان يُرفع، سواء من قبل النظام أم من قبل الدول الأخرى التي كانت تواجه هذا القرار، هو أن هذا القرار يضر بالشعب العراقي ويؤذيه، ويجب أن تراعى مصلحة الشعب العراقي إلى غير ذلك من الأمور التي كانت تطرح، فما هي الفلسفة في هذا الموضوع؟

إذا أردنا أن نفحص نجد أنها قضية مصالح، فقد تمكنت بريطانيا - التي طرحت هذا القرار - وكذا الولايات المتحدة التي كانت تقف إلى جانبه، أن تقنع هذه الدول التي كانت تخالف، وذلك عن طريق تأمين مصالحها الخاصة دون أن يكون هناك حديث عن مصلحة الشعب العراقي، فعندما تؤمن مصالحهم الخاصة فعندئذ وافقوا بالإجماع على هذا القرار، وإلا فلم يتغير من جوهر القرار شيء، وإنما الذي تغير وعود وعهود قدمت لهذه الدول بأن لا يكون في هذا القرار أي إضرار بمصالحهم الخاصة، وهي مصالح التجارة المحرمة الممنوعة بحسب قوانينهم.

انظروا لهذا العالم الذي يتحدث بشعارات حقوق الإنسان والدفاع عن الشعوب، كيف يتغير بسبب العهود، وتكون النتيجة بهذا الشكل؟

لقد وافق هذا النظام في البداية على هذا القرار، وقد أعلن الآن موافقته بصورة رسمية خوفاً من الضربة الأمريكية، لأن صداماً رفض في البداية، ولكن تحدث بعد ذلك طه الجزراوي بصورة واضحة وقال: إن هذا القرار ضرره على الشعب العراقي أسوأ بكثير من مذكرة التفاهم التي وقعها مع الأمم المتحدة - مذكرة النفط في مقابل الغذاء - بحيث إن النظام العراقي يدافع عن تلك المذكرة ويرى أن هذا هو أسوأ، وهذا من المفارقات السياسية العجيبة.

فهذا القرار يسمح للنظام أن يشتري ما يشاء من السلع ذات القضايا الخدمية والمدنية والصحية والتعليمية وبدون قيود، أي أنه يرفع الحصار عن كل هذه القضايا، ومع ذلك نجد طه الجزراوي يتحدث عن هذا القرار وبدون حياء وبكل وقاحة، ويعتبره أكثر ضرراً من مذكرة التفاهم التي كانت تفرض رقابة على كل سلعة تشترى مهما كانت صغيرة، فلماذا؟

ذلك لأنه يرى أن مصلحة النظام على خلاف هذا القرار، فما هي مصلحته التي أُحبطت بهذا القرار؟

لقد كانت عند النظام ورقة يتاجر به، وهي ورقة مأساة الشعب العراقي، وأن الشعب فيه مرضى يموتون من الجوع، وإلى غير ذلك مما كان يتاجر به، وأما الآن فقد سحبت هذه الورقة من يده، فأي قدر يريد أن يشتريه من الأدوية والأغذية والأجهزة مسموح به بلا قيد وشرط، لقد سحبت هذه الورقة من يده فأصبح هذا القرار أسوأ قرار يواجهه العراق.

والعالم كله ينظر إلى هذه الأمور وكأنها طبيعية، فعندما يكون هناك قرار من الأمم المتحدة لمصلحة الشعب العراقي، فالنظام يرى فيه ضرر، لأنه لا يمكنه أن يتاجر بهذه القضية. وهذه نقطة مهمة يجب أن ننتبه لها.

النقطة الثالثة: هي أن النظام العراقي يوظف الآن كل الإمكانات والأموال التي يحصل عليها بطرق محرمة دوليا من أجل أن يؤجج الأوضاع في المنطقة. فالنظام العراقي يرى أن تبقى قضية فلسطين مشتعلة، والدمار في فلسطين يجب أن يستمر، فلماذا؟

ذلك لأنه يرى أن الخط الدفاعي عنه هو فلسطين، فهو يوظف قضية فلسطين الآن بهذه الصورة فيؤسس جيش القدس، لكي يعيد فيه تاريخ الجيش الشعبي المشؤوم، حيث يقوم جيش القدس بعمليات قمع واسعة في داخل العراق، وكان المفروض أن يقاتل جيش القدس الصهاينة في القدس، إلا أنه الآن يقاتل المظلومين والمحرومين والمشردين من أبناء الشعب العراقي، ويقاتل زوار الإمام الحسين (عليه السلام).

فالنظام يرى أن بقاء المنطقة على أبواب بركان من نار هو خط دفاعي، فما دامت المنطقة مشغولة بنفسها، وفيها أوضاع غير مستقرة فلا يمكن أن توجه الضربة الأمريكية له.

وقد قلت قبل خمسة أشهر إنه ما دامت هذه القضية باقية، فإنهم يسعون إلى إنهائها كي يتوجهون إلى توجيه الضربة للعراق، والنظام قد وصل إلى هذا التحليل، ولذلك فهو يصب الزيت على النار، من أجل أن تبقى القضية مؤججة، وكذلك يستخدم قضية فلسطين في داخل العراق من أجل أن يقمع الشعب العراقي. وهذه القضية لا بد أن نأخذها بنظر الاعتبار ونفهمها في ظروفها الفعلية.

وفي مقابل ذلك نلاحظ أن هناك مباراة ومنافسة سريعة بين الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الحليفة لها في المنطقة، وبين الكيان الصهيوني لحل القضية الفلسطينية، من أجل أن يصلوا لغاياتهم في ضرب العراق، فالولايات المتحدة الأمريكية تحاول أن تجد حلاً وسطا، فمن ناحية يقمعون الانتفاضة، ومن ناحية أخرى يسيطرون على الاندفاع الموجود لدى حكومة شارون في عملية قمع غير محدودة وغير منطقية في العالم، فالعالم لا يتحمل هذه العمليات القمعية التي تجري في فلسطين.

ومن ناحية أخرى فشارون يطلب قليلاً من الوقت لكي يتمكن من إبادة الشعب الفلسطيني، من خلال عمليات التدمير والإبادة المطلقة وعلى الطريقة الصدامية، لأن هذا القمع لا نظير له، حيث القتل الجماعي، والمسح الكامل لكل إمكانات وقدرات المقاومة بما تسمح له ظروفه، لأن شارون ليست يده مطلقة كصدام في العراق، وإنما توجد هناك رقابة عامة ويوجد إعلام ووسائل كثيرة جدا، وهذه الوسائل لم تقيد صدام، وأما شارون فتوجد عنده بعض القيود، ولكنه الآن يحاول أن يقمع القضية الفلسطينية بعملية إبادة مطلقة.

ولذلك توجد الآن حالة من الاختلاف بين الموقف الأمريكي وبين الموقف الشاروني، فأمريكا تتبنى أُسلوباً فيه شيء من التوازن، كإعطاء بعض الأمور للفلسطينين، مثل دولة فلسطينية منزوعة السلاح تكتفي بالاسم والشكل دون أن يكون لها مضمون حقيقي، وأما شارون فلم يقبل بهذا الأمر حتى الآن.

فكما أن صداماً لا يقبل أن يكون لشيعة العراق حتى هذه الأمور الشكلية البسيطة، كزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) والمشي على الأقدام، فكذلك شارون لا يقبل أن يبقى شيء للفلسطينين وحتى هذا الشيء الصوري الذي تدعو له الولايات المتحدة الأمريكية.

هذه المباراة تجري الآن بصورة سريعة جدا والحديث في هذا الموضوع يحرق القلب، والقادة العرب يجتمعون في بيروت ويتحدثون في مؤتمر يعتبرونه من المؤتمرات الناجحة، وهو تراجع مطلق عن كل متبنياتهم، واستعداد مطلق لكل التطبيع، والعالم الإسلامي يعيش هذه الظروف.

المبادرة تجري على هذا الشعب المسكين المشرد المضطهد، بحيث لا يسمح لهؤلاء المشردين أن يرجعوا إلى بلادهم، فالنتيجة المخجلة التي ظهرت في مؤتمر بيروت هي أنهم قالوا نحن نشترط أن لا نعطي الفلسطينين السكنى في بلادنا.

فانظروا إنهم يأخذون معادلة من ذلك الجانب، فليس من حق الفلسطيني أن يرجع إلى بلده، وإنما الشرط أن لا يسكنوا في بلادهم، أما أين يسكنون؟ فلا أحد يدري؟

وهذا يحملنا مسؤولية، فالمسلمون يد على من سواهم، وإذا لم يع المسلمون وجودهم وحقيقتهم وارتباطهم بدينهم، ويكونوا يداً واحدة على من سواهم، فسوف يجدون مثل هذا العالم الذي يكون مستعداً لأن يرتكب كل الجرائم من أجل تحقيق مصالحه.

وهذه الدعوى ليست للمسلمين فحسب، وإنما هي للعراقيين، فأنتم أيها الإخوة العراقيون، عليكم أن تكونوا على وعي لهذه المؤامرات، وتكونوا على حذر، وتكونوا يداً واحدة وجماعة واحدة.

عوا حقيقة مصالحكم وقيمكم ومبادئكم، وتمسكوا بها وكونوا مع الله تعالى، فيكون الله معكم، وسينصركم في كل الأحوال، ولا تضعوا عيونكم على هذه الجهة أو تلك، وإنما انظروا إلى أنفسكم، وكونوا يداً واحدة، وهذه مسألة نخاطب بها الجميع، أسأل الله تعالى أن يعيننا ويهدينا إلى الحق.

____________

1- سورة الحديد آية 25.

2- سورة المائدة آية 55.

3- سورة النساء آية 59.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية