المحور الثالث
الظروف السياسية في هذه الأيام
المحور الثالث:
هو محور الظروف السياسية العامة التي نعيشها في مثل هذه الأيام، وهي ذات أبعاد كثيرة، ولكن سأُشير إلى عدة نقاط بصورة مختصرة:
النقطة الأُولى: وهي ما ترتبط بالشعار الذي طرحناه في خطاب يوم الأربعين - في العشرين من صفر - وهو شعار (أوقفوا الاضطهاد والدمار في العراق).
فكما يعرف الإخوة الأعزاء، نحن في هذه المرحلة نواجه ظروفاً حساسة في العراق، وهناك أخطار يواجهها العراق من خلال الضربة الأمريكية، أو من خلال ما يمكن أن تحدث من تحولات في داخل العراق. ومن ثم فقد تكون هذه الأخطار أعظم من خطر بقاء نظام صدام، ولذلك نلاحظ أن بعض المواقف الإقليمية، وحتى بعض المواقف الدولية تتردد في قضية إسقاط النظام وتغييره، تخوفاً من تبعات الأخطار التي تترتب على إسقاطه.
فهناك حديث سياسي واسع في المنطقة، وبعض السياسيين عندما يتحدث عن هذا الموضوع يصل إلى هذه النتيجة وهي أن يبقى النظام على ما فيه من مشكلات ومحن للشعب العراقي، وهذا أهون من أخطار أخرى قد يتعرض لها الشعب العراقي إذا سقط النظام في مثل هذه الظروف التي يعيشها العالم الإسلامي، وهي ظروف محاولة الهيمنة الأمريكية على العالم، وتفردها في السيطرة عليه.
وظروف إسرائيل، حيث تقوم بهذه العمليات القمعية الواسعة للشعب الفلسطيني، وتهديد الدول العربية المحيطة بفلسطين، إلى غير ذلك مما يترقبه العالم من تطورات وأحداث. ومن ثم فقد تكون أضرار هذه الأحداث أخطر من بقاء النظام، وهذا الحديث يدور في الأوساط السياسية وقد شرحت بعض أبعاده، ولكني أُريد أن أُبينه الآن بصورة واضحة. فحتى في تحليلنا للأوضاع القائمة في المنطقة والعراق لا نتجاهل مثل هذه الأخطار التي يمكن أن تلحق بالعراق وبالمنطقة، ولكن في الوقت نفسه عندما تتحدث عن موضوع إسقاط النظام فلا ننظر إلى هذه القضية من زاوية مصالحنا الخاصة، أو من زاوية مصلحة الشعب العراقي بصورة خاصة، وإن كان من حقنا كسياسيين أن ننظر إلى هذه القضية من زاوية مصلحة الشعب العراقي، كما أن الآخرين عندما يتحدثون عن قضاياهم فإنهم يتحدثون عن مصلحتهم الخاصة.
فنحن قد يكون من حقنا أن نتحدث عما يرتبط بمصلحة الشعب العراقي، لأن هذه القضية هي القضية الأُولى التي تعنينا، ولكن مع ذلك نقول بصورة واضحة ونشهد الله تعالى على ما نقول، ولا نقول ذلك رياء أو مناورة سياسية، أو دجلاً وغش، وإنما نعتقد به بيننا وبين الله تعالى: وهو أن سقوط هذا النظام وذهابه يمثل أعظم مصلحة للشعب العراقي وللمنطقة كله، وحتى لفلسطين نفسها. هذا هو تقديرنا، وأن ما يرتكبه هذا النظام من أعمال وحشية في داخل العراق، وما يهدد به من أوضاع خطيرة في المنطقة كلها يعتبر خطراً كبيراً جداً على الشعب العراقي وعلى المنطقة. وإحدى معالم هذا الخطر هي قضية الاضطهاد والدمار في العراق.
فالعراق بلد عظيم جدا، وله موقع في بلاد المسلمين من الناحية الإستراتيجية، ولا يمكن لأحد أن ينكر هذا التاريخ العظيم لهذا الشعب، والعراق الآن يتعرض لعمليات اضطهاد وتدمير أضعاف ما يتعرض له الشعب الفلسطيني على يد الصهيونية العالمية.
نحن نعتقد أن الشعب الفلسطيني يتعرض الآن إلى اضطهاد، ولكن عندما ننظر لما يجري في العراق نجد أن ما يتعرض له العراقيون من عمليات قتل واضطهاد هو أضعاف مضاعفة عما يتعرض له أبناء الشعب الفلسطيني. وهذه قضية لا بد أن نعرفها، ويجب أن يتحمل مسؤوليتها العراقيون؛ من أجل أن تصبح واضحة للعالم.
نحن لا نريد أن نتغاضى عن الأخطار الأخرى من أجل مصالحنا عندما نتحدث عن إسقاط النظام، وإنما نريد مصلحة الشعب العراقي من ناحية، ومصلحة المنطقة من ناحية أخرى، لأن بقاء هذا النظام هو أعظم خطر يهدد العراق والمنطقة.
فأحد الأسباب الرئيسة لهذا التمزق الموجود الآن في الوضع العربي والإسلامي هو هذا النظام، وكذلك مسيرة ما يسمى بالسلام، والتي هي في الحقيقة عملية استسلام أدت إلى هذه النتائج في فلسطين، من مؤتمر مدريد إلى اتفاقية أوسلو إلى اتفاقيات الذل والهوان التي يراد الآن إجراؤها في الساحة الفلسطينية، فكل هذه القضايا يقف وراءها النظام الحاكم في بغداد.
وكذلك الأوضاع السياسية والاجتماعية التي أوجدها في المنطقة، سواء في حربه مع الجمهورية الإسلامية أم في غزوه للكويت. فكل المبررات الموجودة الآن بيد قوى الاستكبار العالمي وبيد الولايات المتحدة الأمريكية للتدخل في المنطقة، قدمها النظام العراقي مجاناً لها من أجل أن تتدخل في المنطقة. فالنظام العراقي له هذا التاريخ وهذا الوضع، وهذا الأمر نحتاج أن نشرحه بصورة واضحة من أجل أن يتبين الخطر العظيم المتمثل بهذا النظام.
النقطة الثانية: هي قضية القرار (1409) الذي صدر في الأمم المتحدة، والذي يتناول تنظيم عملية البيع والشراء في أموال النفط العراقي لمصلحة الشعب العراقي. وهذا القرار طُرح في الأمم المتحدة قبل أكثر من سنة، ولكنه واجه مقاومة شديدة من قبل روسيا وبعض دول المنطقة المجاورة للعراق، وكذلك من قبل الصين، وكان هناك تردد من قبل فرنسا، أما الآن فقد صدر هذا القرار بالإجماع، فما هو السبب في عملية التأخير؟
عندما نفحص بصورة دقيقة نجد أن الشعار الذي كان يُرفع، سواء من قبل النظام أم من قبل الدول الأخرى التي كانت تواجه هذا القرار، هو أن هذا القرار يضر بالشعب العراقي ويؤذيه، ويجب أن تراعى مصلحة الشعب العراقي إلى غير ذلك من الأمور التي كانت تطرح، فما هي الفلسفة في هذا الموضوع؟
إذا أردنا أن نفحص نجد أنها قضية مصالح، فقد تمكنت بريطانيا - التي طرحت هذا القرار - وكذا الولايات المتحدة التي كانت تقف إلى جانبه، أن تقنع هذه الدول التي كانت تخالف، وذلك عن طريق تأمين مصالحها الخاصة دون أن يكون هناك حديث عن مصلحة الشعب العراقي، فعندما تؤمن مصالحهم الخاصة فعندئذ وافقوا بالإجماع على هذا القرار، وإلا فلم يتغير من جوهر القرار شيء، وإنما الذي تغير وعود وعهود قدمت لهذه الدول بأن لا يكون في هذا القرار أي إضرار بمصالحهم الخاصة، وهي مصالح التجارة المحرمة الممنوعة بحسب قوانينهم.
انظروا لهذا العالم الذي يتحدث بشعارات حقوق الإنسان والدفاع عن الشعوب، كيف يتغير بسبب العهود، وتكون النتيجة بهذا الشكل؟
لقد وافق هذا النظام في البداية على هذا القرار، وقد أعلن الآن موافقته بصورة رسمية خوفاً من الضربة الأمريكية، لأن صداماً رفض في البداية، ولكن تحدث بعد ذلك طه الجزراوي بصورة واضحة وقال: إن هذا القرار ضرره على الشعب العراقي أسوأ بكثير من مذكرة التفاهم التي وقعها مع الأمم المتحدة - مذكرة النفط في مقابل الغذاء - بحيث إن النظام العراقي يدافع عن تلك المذكرة ويرى أن هذا هو أسوأ، وهذا من المفارقات السياسية العجيبة.
فهذا القرار يسمح للنظام أن يشتري ما يشاء من السلع ذات القضايا الخدمية والمدنية والصحية والتعليمية وبدون قيود، أي أنه يرفع الحصار عن كل هذه القضايا، ومع ذلك نجد طه الجزراوي يتحدث عن هذا القرار وبدون حياء وبكل وقاحة، ويعتبره أكثر ضرراً من مذكرة التفاهم التي كانت تفرض رقابة على كل سلعة تشترى مهما كانت صغيرة، فلماذا؟
ذلك لأنه يرى أن مصلحة النظام على خلاف هذا القرار، فما هي مصلحته التي أُحبطت بهذا القرار؟
لقد كانت عند النظام ورقة يتاجر به، وهي ورقة مأساة الشعب العراقي، وأن الشعب فيه مرضى يموتون من الجوع، وإلى غير ذلك مما كان يتاجر به، وأما الآن فقد سحبت هذه الورقة من يده، فأي قدر يريد أن يشتريه من الأدوية والأغذية والأجهزة مسموح به بلا قيد وشرط، لقد سحبت هذه الورقة من يده فأصبح هذا القرار أسوأ قرار يواجهه العراق.
والعالم كله ينظر إلى هذه الأمور وكأنها طبيعية، فعندما يكون هناك قرار من الأمم المتحدة لمصلحة الشعب العراقي، فالنظام يرى فيه ضرر، لأنه لا يمكنه أن يتاجر بهذه القضية. وهذه نقطة مهمة يجب أن ننتبه لها.
النقطة الثالثة: هي أن النظام العراقي يوظف الآن كل الإمكانات والأموال التي يحصل عليها بطرق محرمة دوليا من أجل أن يؤجج الأوضاع في المنطقة. فالنظام العراقي يرى أن تبقى قضية فلسطين مشتعلة، والدمار في فلسطين يجب أن يستمر، فلماذا؟
ذلك لأنه يرى أن الخط الدفاعي عنه هو فلسطين، فهو يوظف قضية فلسطين الآن بهذه الصورة فيؤسس جيش القدس، لكي يعيد فيه تاريخ الجيش الشعبي المشؤوم، حيث يقوم جيش القدس بعمليات قمع واسعة في داخل العراق، وكان المفروض أن يقاتل جيش القدس الصهاينة في القدس، إلا أنه الآن يقاتل المظلومين والمحرومين والمشردين من أبناء الشعب العراقي، ويقاتل زوار الإمام الحسين (عليه السلام).
فالنظام يرى أن بقاء المنطقة على أبواب بركان من نار هو خط دفاعي، فما دامت المنطقة مشغولة بنفسها، وفيها أوضاع غير مستقرة فلا يمكن أن توجه الضربة الأمريكية له.
وقد قلت قبل خمسة أشهر إنه ما دامت هذه القضية باقية، فإنهم يسعون إلى إنهائها كي يتوجهون إلى توجيه الضربة للعراق، والنظام قد وصل إلى هذا التحليل، ولذلك فهو يصب الزيت على النار، من أجل أن تبقى القضية مؤججة، وكذلك يستخدم قضية فلسطين في داخل العراق من أجل أن يقمع الشعب العراقي. وهذه القضية لا بد أن نأخذها بنظر الاعتبار ونفهمها في ظروفها الفعلية.
وفي مقابل ذلك نلاحظ أن هناك مباراة ومنافسة سريعة بين الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الحليفة لها في المنطقة، وبين الكيان الصهيوني لحل القضية الفلسطينية، من أجل أن يصلوا لغاياتهم في ضرب العراق، فالولايات المتحدة الأمريكية تحاول أن تجد حلاً وسطا، فمن ناحية يقمعون الانتفاضة، ومن ناحية أخرى يسيطرون على الاندفاع الموجود لدى حكومة شارون في عملية قمع غير محدودة وغير منطقية في العالم، فالعالم لا يتحمل هذه العمليات القمعية التي تجري في فلسطين.
ومن ناحية أخرى فشارون يطلب قليلاً من الوقت لكي يتمكن من إبادة الشعب الفلسطيني، من خلال عمليات التدمير والإبادة المطلقة وعلى الطريقة الصدامية، لأن هذا القمع لا نظير له، حيث القتل الجماعي، والمسح الكامل لكل إمكانات وقدرات المقاومة بما تسمح له ظروفه، لأن شارون ليست يده مطلقة كصدام في العراق، وإنما توجد هناك رقابة عامة ويوجد إعلام ووسائل كثيرة جدا، وهذه الوسائل لم تقيد صدام، وأما شارون فتوجد عنده بعض القيود، ولكنه الآن يحاول أن يقمع القضية الفلسطينية بعملية إبادة مطلقة.
ولذلك توجد الآن حالة من الاختلاف بين الموقف الأمريكي وبين الموقف الشاروني، فأمريكا تتبنى أُسلوباً فيه شيء من التوازن، كإعطاء بعض الأمور للفلسطينين، مثل دولة فلسطينية منزوعة السلاح تكتفي بالاسم والشكل دون أن يكون لها مضمون حقيقي، وأما شارون فلم يقبل بهذا الأمر حتى الآن.
فكما أن صداماً لا يقبل أن يكون لشيعة العراق حتى هذه الأمور الشكلية البسيطة، كزيارة الإمام الحسين (عليه السلام) والمشي على الأقدام، فكذلك شارون لا يقبل أن يبقى شيء للفلسطينين وحتى هذا الشيء الصوري الذي تدعو له الولايات المتحدة الأمريكية.
هذه المباراة تجري الآن بصورة سريعة جدا والحديث في هذا الموضوع يحرق القلب، والقادة العرب يجتمعون في بيروت ويتحدثون في مؤتمر يعتبرونه من المؤتمرات الناجحة، وهو تراجع مطلق عن كل متبنياتهم، واستعداد مطلق لكل التطبيع، والعالم الإسلامي يعيش هذه الظروف.
المبادرة تجري على هذا الشعب المسكين المشرد المضطهد، بحيث لا يسمح لهؤلاء المشردين أن يرجعوا إلى بلادهم، فالنتيجة المخجلة التي ظهرت في مؤتمر بيروت هي أنهم قالوا نحن نشترط أن لا نعطي الفلسطينين السكنى في بلادنا.
فانظروا إنهم يأخذون معادلة من ذلك الجانب، فليس من حق الفلسطيني أن يرجع إلى بلده، وإنما الشرط أن لا يسكنوا في بلادهم، أما أين يسكنون؟ فلا أحد يدري؟
وهذا يحملنا مسؤولية، فالمسلمون يد على من سواهم، وإذا لم يع المسلمون وجودهم وحقيقتهم وارتباطهم بدينهم، ويكونوا يداً واحدة على من سواهم، فسوف يجدون مثل هذا العالم الذي يكون مستعداً لأن يرتكب كل الجرائم من أجل تحقيق مصالحه.
وهذه الدعوى ليست للمسلمين فحسب، وإنما هي للعراقيين، فأنتم أيها الإخوة العراقيون، عليكم أن تكونوا على وعي لهذه المؤامرات، وتكونوا على حذر، وتكونوا يداً واحدة وجماعة واحدة.
عوا حقيقة مصالحكم وقيمكم ومبادئكم، وتمسكوا بها وكونوا مع الله تعالى، فيكون الله معكم، وسينصركم في كل الأحوال، ولا تضعوا عيونكم على هذه الجهة أو تلك، وإنما انظروا إلى أنفسكم، وكونوا يداً واحدة، وهذه مسألة نخاطب بها الجميع، أسأل الله تعالى أن يعيننا ويهدينا إلى الحق.
____________
1- سورة الحديد آية 25.