الفرقة النصيرية والواقفية
وأذكر لكم هنا مثالاً واحداً من عصر الإمام الهادي(عليه السلام)، حيث يوجد هناك تشابه بين عصر الإمام الجواد والإمام الهادي والإمام العسكري(عليهم السلام)، فهم كانوا يمثلون فترة واحدة وظرفاً واحداً، وكذلك كانت الفترات فيما بينهم قصيرة; لأنّ أكثر الأئمة توفوا في عنفوان شبابهم، العصر الذي نعبر عنه بـ (عصر التمهيد للغيبة الكبرى).
والمثال هو: إنّ شخصاً كان يُدعى: أحمد بن محمد بن أبي النصير ـ على ما أتذكر ـ كان من أصحاب الإمام الهادي(عليه السلام)، واستغل ظروف الحصار التي واجهها الإمام الهادي(عليه السلام) في سامراء، وهي كالظروف التي واجهها الإمام الجواد(عليه السلام)، فقد استدعى الإمام الهادي(عليه السلام) من المدينة وجيء به إلى سامراء ليكون قريباً من جهاز السلطة وتفرض عليه رقابة.. فالمؤامرة كانت بهذا الشكل وفيها تشويه للجانب المعنوي لهم، ويجعلونهم قريباً منهم ليراقبوا تحركاتهم.
في ضمن هذه الظروف، ذهب هذا الشخص وادعى بأنَّه باب الإمام الهادي(عليه السلام)، وأنّ ما يقوله الإمام الهادي(عليه السلام) لأصحابه ـ بشكل عام ـ هو الظاهر، وأما الصحيح الأصيل من المذهب فهو ما يقوله ابن أبي النصير! ثم ادعى أنه باب الإمام الحسن العسكري(عليه السلام)، ومن ثم باب الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، فتأسست فرقة موجودة لحد الآن ـ وهي الفرقة النصيرية ـ في سوريا، ويعبرون عنهم بـ (العلويين). وهؤلاء يؤمنون بالأئمة الاثنى عشر كلهم، ولكن بهذا الشكل المنحرف.
وهناك ظواهر كثيرة واجهها الأئمة(عليهم السلام) بهذا الشكل، أي: ضمن قواعدهم وتحركهم، وكانت تستغل هذه الظروف.
فالإمام الجواد(عليه السلام) واجه هذه المرحلة بشكل أساسي.
وهذه المرحلة بدأت بعد الإمام الكاظم(عليه السلام) في (فرقة الواقفة) التي واجهها الإمام الرضا(عليه السلام). والواقفة: هم الذين وقفوا على الإمام الكاظم(عليه السلام)، وقالوا: هذا هو الشخص الذي سوف يظهر، وهو الإمام القائم، فنحن لا نعتقد بإمام آخر. ثم بدأ هذا التحرك...
والإمام الجواد (عليه السلام) واجه حالة انتشار واسعة لهذه الظاهرة; باعتبار سعة القاعدة لأهل البيت(عليهم السلام)، فكان يتحمل مسؤوليات كبيرة في مواجهة هذه الظاهرة.
ومن ذلك يمكن أن نفهم بأن المسؤوليات لهذا الإمام العظيم كانت مسؤوليات كبيرة، وهو في مثل هذه الظروف الحساسة; إذ كان لا بد له من حفظ مذهب أهل البيت(عليهم السلام) حتى نرثه إلى يومنا هذا...
والهدف الأساسي: هو عبارة عن التأكيد على انحراف السلطة وضرورة تسلمها من قبل الإنسان العادل الصالح. وذلك ما يجسده الإمام تجسيداً كاملا... فكان(عليه السلام)يؤكد هذا الهدف ويسير في هذا المنحى.
وفي هذه الأيام نعيش ذكرى الإمام الجواد(عليه السلام)، وكل حياة الأئمة(عليهم السلام) دروس وعبر، ومن أفضل هذه الدروس والعبر في حياة الإمام الجواد(عليه السلام): هي أنه في هذا العمر كان يتحمل مثل هذه المسؤوليات العظيمة، حتى ورثنا هذا الخط. وهذه المسؤوليات كان يتحملها كي يكون هؤلاء الأتباع لأهل البيت(عليهم السلام).
ونحن يجب أن نعرف حق الأئمة(عليهم السلام) علينا، فلولا جهادهم وتحملهم لهذه المسؤوليات وعناءهم وآلامهم، لما كنّا الآن على الهدى وعلى الطريق المستقيم، بل يمكن أن نكون ـ على أقل تقدير ـ فرقة من الفرق المنحرفة، ان لم نكن بعيدين عن الإسلام ومفاهيمه بشكل مطلق، كما حصل هذا بالنسبة إلى بعض الناس.
فعلي(عليه السلام) وأهل البيت(عليهم السلام) لم تكن خدمتهم لشيعتهم فقط، وإنَّما كانت أحد الأدوار الرئيسية التي يشترك فيها كل أهل البيت(عليهم السلام) هي حفظ الإسلام، حتى الإسلام السني منه، فهذا المقدار عند المذاهب والطوائف الأُخرى كان لأهل البيت(عليهم السلام) دور كبير في حفظه... وهناك قدر كبير يجمعنا مع أهل السنة وبقية الطوائف، وهو: وحدانية الله ورسالة النبي والاعتقاد بالقرآن والكعبه، وكذلك الفروع كالزكاة والصوم وغيرها.. كل ذلك يتفق عليه المسلمون وهو المقدار الذي حفظ في أوساط المسلمين جميعاً... فلولا دور أهل البيت(عليهم السلام) لتبدل الإسلام إلى شيء آخر كما تبدلت اليهودية والمسيحية إلى غير ما جاء به موسى وعيسى(عليهما السلام).
فللأئمة(عليهم السلام) فضل على المسلمين جميعاً، ولهم فضل بشكل خاص علينا، نحن أتباع أهل البيت(عليهم السلام).
وهذا الحق أقل ما يقال فيه: هو ما ذكره القرآن الكريم: {قل لا أسالكم عليه أجراً إلاّ المودة في القربى}(2).فعلى بعض التفاسير في هذه الآية الكريمة: إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان يقول للمشركين: أنا لا أريد منكم أجراً، وإنّما أُريد منكم أن تودوا أقربائي، بأن تلتزموهم وتتبعوهم.
ولا يقصد من المودة في القربى، مجرد مودة أهل البيت(عليهم السلام) ومحبتهم بالقلب، كما لا يقصد بذل الأموال لهم. وإنَّما المقصود: هو المودة التي تعبر عن موقف سياسي، أي: أن نكون مرتبطين بهم، متبعين لهم. فحقهم علينا أن نكون متبعين لهم، مرتبطين بهم ارتباطا حقيقياً.
كان بودي أيضاً أن أتحدث قليلاً عن شهيد من شهداء الإسلام، كان له دور كبير في القضية الإسلامية العراقية: وهو الشهيد أبو بلال، فأذكر مضمون شهادته ومداليلها وأثرها، ولكن الوقت قد انتهى، وكنا تحدثنا فيه عن إمام أبو بلال.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا على طريق الحق المستقيم، وأن يؤكد الصلة بيننا وبين أهل البيت(عليهم السلام)، وأن يعرف بيننا وبينهم في عرصات يوم القيامة، وأن يرينا وجه جدهم رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ويرزقنا شفاعتم. كما أسأله تعالى أن يجعلنا من خدام خطهم. وأن يمن علينا بطول عمر إمام الأُمَّة ويبقيه علماً للمسلمين. وأن يحفظ علماء المسلمين في شرق الأرض وغربها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.