ظاهرة الإمام الجواد(عليه السلام) وفكرة الإمام المهدي(عَجَّلََ الله فَرَجَهُ) | محنة الإمام الجواد(عليه السلام) | امتحان الإمام الجواد(عليه السلام) بموقفه الاجتماعي | امتحان الإمام الجواد(عليه السلام) بانحراف أحد أولاده | امتحان الإمام الجواد(عليه السلام) بحسد أدعياء العلم | موالاة أهل البيت(عليهم السلام) | الولاية | السلطة التنفيذية ومفردتي الطاعة والنصيحة لأئمة المسلمين | الطاعة لأئمة المسلمين | النصيحة لأئمة المسلمين  
 
 
 

الإمام الجواد (عليه السلام)


بسم الله الرحمن الرحيم

في البداية أتقدم بالتعازي الحارة لجميع الإخوة الأعزاء بمناسبة هذا اليوم الذي قضى فيه إمامنا وسيدنا الإمام الجواد(عليه السلام) شهيداً بالسم في زمن المعتصم العباسي على ما ورد في بعض النصوص. وأساله تعالى أن يجعلنا من أتباع أهل البيت(عليهم السلام)، والسائرين على منهاجهم، وأن يرزقنا الشهادة في سبيل الله.

كما أُبارك للإخوة الأعزاء والسادة الأفاضل هذه الليلة الشريفة في شهر ذي الحجة الحرام، حيث كانت فيها ولادة شيخ الأنبياء إبراهيم(عليه السلام) على ماورد في بعض النصوص التاريخية، وكان فيها أيضاً زواج سيدتنا الزهراء(عليها السلام) من سيدنا ومولانا علي(عليه السلام). مضافاً إلى فضل هذا اليوم، وهو الأول من العشرة الأوائل من ذي الحجة الحرام حيث تنتهي هذه الأيام بعيد الأضحى الشريف، والذي هو أعظم أعياد المسلمين. وهذه الأيام هي أيام شريفة لا بد أن تستغل بالعبادة والمناجاة والدعاء. أسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لذلك.

والحديث في هذه الليلة الشريفة أحاول أن أضعه في محاور ثلاثة، وهي:

الأول: محور المناسبة، وهي مناسبة شهادة الإمام الجواد(عليه السلام).

الثاني: محور الولاية، وهو الجانب العقائدي في حديثنا.

الثالث: نتناول بعض الأحداث السياسية العامة التي يعيشها عالمنا الإسلامي أو عراقنا الجريح.


ظاهرة الإمام الجواد(عليه السلام)
وفكرة الإمام المهدي(عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)

أما فيما يتعلق بالمحور الأول، فالحديث فيه واسع، وقد تناولت جانباً منه في السنين السابقة، وأود في هذه الليلة أن أُشير إلى بعض الأبعاد.

لقد كانت ولادة الإمام الجواد(عليه السلام) سنة (195هـ)، وكانت وفاته سنة (220 هـ)، ومن ثم فيكون عمره الشريف (25) سنة وشهرين، حيث كانت ولادته ـ كما في بعض النصوص المؤكدة ـ في شهر رمضان المبارك، ووفاته في اليوم العاشر من رجب.ومن ثم فالإمام الجواد(عليه السلام) هو أصغر أئمة أهل البيت(عليهم السلام) سناً. كما أن تصديه للإمامة كان في سن هي أصغر سني الأئمة(عليهم السلام)، باستثناء الإمام المهدي(عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) حيث كان تصديه للإمامة في سن أصغر من الإمام الجواد(عليه السلام).

ولذلك يمكن أن نقول: إن ظاهرة الإمام الجواد(عليه السلام) في تاريخ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) تعتبر تمهيداً لقبول فكرة الإمام المهدي(عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، حيث شاهد جماعة أهل البيت(عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) بصورة خاصة والمسلمون بصورة عامة، إماماً يتصدى للإمامة في أعلى مواقع التصدي، وهو لا يزال صغير السن.

لقد كان تصديه للإمامة في بغداد التي كانت عاصمة الدولة الإسلامية في ذلك الوقت، والتي كانت أعظم دولة في العالم كله.

إذن فهو(عليه السلام) يتصدى للإمامة في أهم بلد وأهم مدينة يعرفها العالم، حيث فيها العلماء والفقهاء والخبراء في مختلف القضايا ذات العلاقة بحياة الناس.

وكان الإمام(عليه السلام) يتصدى للإمامة بصورة ظاهرة في موقع الخلافة، باعتبار أنه كان ابن ولي العهد للمأمون، ثم صار بعد ذلك صهر المأمون. فهو(عليه السلام) إنسان يتصدى للإمامة في هذا الموقع الاجتماعي البارز.

ومع أن عمره كان صغيراً إلاّ أنه تمكن ان يحفظ للإمامة عزتها وكرامتها وقدرتها.وهذا الأمر مهد الطريق لقبول فكرة الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) قبولاً واقعياً، وهي وإن كانت أصل الفكرة مطروحة في كل الرسالات الإلهية، كما إنها مطروحة في الرسالة الإسلامية بصورة واضحة، ولكن فكرة أن يكون الإمام (عليه السلام) بهذا السن المحدود مهد لها الإمام الجواد(عليه السلام) بشخصيته وسلوكه العام الذي عرفه المسلمون.

ولذلك وصف الإمام الجواد (عليه السلام) بأنَّه شبيه عيسى (عليه السلام)، وقد ورد هذا التشبيه في مجموعة من الروايات باعتبار هذه الخصوصية، وهي: إنّ عيسى (عليه السلام) تصدى للنبوة في سن الطفولة ـ كما يشير القرآن الكريم إلى ذلك(1) ـ وظهرت على يده المعاجز الكثيرة ـ من أجل تأكيد هذه الحقيقة في شخصيته، وهي طفولته من ناحية، وولادته من غير أب من ناحية أُخرى ـ حيث كان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، إلى غير ذلك مما ورد في وصفه في القرآن الكريم...

وعندما يراجع الإنسان تاريخ الإمام الجواد(عليه السلام) ويقارنه بتاريخ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) يلاحظ هذه الظاهرة، وهي: ان الإمام الجواد(عليه السلام) بالرغم من قصر مدته وصغر سنه إلاّ أنه ظهرت على يده المعاجز الكثيرة، على ما ورد في النصوص، وقد تكون هذه المعاجز مما ظهر على يد بقية أئمة أهل البيت(عليهم السلام). ولعل هذا الأمر باعتبار ارتباطه بهذه الخصوصية، أي: أُريد للإمام الجواد(عليه السلام)ـ سواء في سن تصديه للإمامة أم في مدة تصديه للإمامة ـ أن يبرز هذا الجانب الغيبي بصورة واضحة في ذلك العصر الذي وصل فيه العلم إلى أوج قدرته.

لاحظوا في عالم اليوم، عندما يصبح العلم هو الشيء القوي البارز المسيطر على الأوضاع الاجتماعية من ناحية، وتصبح المادة هي البارزة والمسيطرة على الأوضاع الاجتماعية من ناحية ثانية، نجد أن الغيب يتضاءل دوره في حياة الناس، باعتبار وجود هذه الهيبة والقدرة للعلم من ناحية، وللقدرة المادية من ناحية أُخرى.

وقد جاء الإمام الجواد(عليه السلام) في أوج قدرة الدولة الإسلامية وإمكانياتها المادية الهائلة، حيث كانت هذه الدولة تمثل في ذلك الوقت القدرة في العلم والمعرفة في مختلف الأبعاد والجوانب، وهنا يكون للغيب دور كبير جدّاً، باعتبار أنّ الإمام الجواد(عليه السلام) جاء من أجل أن يعطي القضية الغيبية زخماً عظيماً، ويمهد لظهور الإمام المهدي(عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، ولذلك فالقناعة الكبيرة التي وجدت بين المسلمين في قضية الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) إنَّما كانت قناعة عامة في أوساط المسلمين ـ وليست قناعة خاصة بجماعة أهل البيت(عليهم السلام) ـ إلاّ من شذ منهم في موقفه من قضية الإمام الحجة(عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).


محنة الإمام الجواد(عليه السلام)

وهناك بعد آخر في قضية الإمام الجواد(عليه السلام)، وهو بعد محنته.

وباعتبار أننا في ظروف المحنة فيحسن بنا أن نتعرض إلى قدوتنا في هذا الامتحان وهم أئمتنا(عليهم السلام)...

لقد كان الإمام الجواد(عليه السلام) ممتحناً، وعلى ما يبدو أنّ امتحانه (عليه السلام) كان في عدة جوانب:


امتحان الإمام الجواد(عليه السلام) بموقفه الاجتماعي

الجانب الأول:

امتحانه(عليه السلام) بموقفه الاجتماعي. ولعله أشد هذه الجوانب، وهو من الأُمور التي لا يعرفها الإنسان إلاّ عندما يبتلى بها.

بعض الناس يتصور أنّ الإمام الجواد(عليه السلام) ولد في موقع العزة والكرامة الدنيوية، حيث كان أبوه ولي عهد هذه الدولة وصفتها، ومن ناحية الموقع الأُخروي فالإمام الرضا(عليه السلام) كان له موقع خاص عند المسلمين من الناحية المعنوية والروحية مع قطع النظر في اعتقادنا بإمامته هذا الموقع الخاص، فالمسلمون كانوا ينظرون للإمام الرضا(عليه السلام) ولموقعه المعنوي الخاص، هذا الموقع الذي فرض على المأمون أن يأتي بالإمام الرضا(عليه السلام) ويجعله ولياً للعهد. إذن فهو قد جمع الدنيا والآخرة. فهذا الشاب الصغير تصدى للإمامة وعمره سبع سنين، ووجد في مثل هذا الوضع الاجتماعي.

وبعد سنتين من وفاة الإمام الرضا(عليه السلام) يأتي المأمونـ وهو رئيس الدولة وخليفة الزمان ـ فيعرض عليه الزواج من ابنته، ويلقى هذا الزواج احتجاجاً واسعاً جدّاً من قبل العباسيين، باعتبار أنهم كانوا يرون بأنّ هذا الزواج تمهيد لكي يكون الإمام الجواد هو الخليفة بعد المأمون، لأنّ العباسيين كانوا يرون أن المأمون يميل إلى الهاشميين، ومع قطع النظر عن تفسير هذه القضية، ولكن الرؤية العامة كانت هكذا.

فزوجه المأ مون ابنته وهو في عمر تسع سنوات، أي: بعد سنتين من شهادة الإمام الرضا(عليه السلام).

ولم يكن الإمام الجواد (عليه السلام) في وصفه الاجتماعي العام في وضع الزواج، ففي عمر تسع سنوات لا يتزوج الإنسان عادة، وزوجته أيضاً صغيرة السن، ولكن المأمون زوجها باعتباره أنه وليها.

فالإمام الجواد(عليه السلام) كان له هذا الوضع، وعاش في وسط هذه العزة والكرامة الدنيوية من ناحية، والمعنوية من ناحية أُخرى.

وهذا الأمر فرض عليه نوعاً من الامتحان والابتلاء، بحيث يذكر المؤرخون: إنّ الإمام الجواد(عليه السلام) كان يتمنى الموت، ويرى أن فرجه بالموت، من خلال هذا الامتحان والابتلاء.

وأما ما هي أبعاد هذا الامتحان؟ فالحديث فيها واسع، ولا يعرفه إلاّ أهله الذين ابتلوا بمثل هذا النوع من الابتلاءات. فالإنسان الذي يرى الدنيا لهواً ولعباً، فيبتلى بها وتفرض عليه بحيث يكون سلوكه العام سلوكاً دنيوياً والناس ينظرون إليه وكأنه من أهل الدنيا، فهذا من أعظم الابتلاءات ويبدو من بعض النصوص التاريخية: إنّ الإمامين الرضا والجواد(عليهما السلام) كانا يتعرضان إلى انتقاد واسع من قبل الناس في هذا التصدي، لأنّ الإنسان في هذا الموقع يلبس لباساً خاصاً، ويجلس مجلسا خاصا، ويتعامل بطريقة خاصة، وهذه الطريقة كانت تثير الكثير من الناس.

وهناك رواية طويلة يسأل السائل فيها الإمام الجواد(عليه السلام)، ويقول له: جعلني الله فداك ما تقول في المسك(2)؟

فقال(عليه السلام): إنّ أبي أمر أن يعمل له مسك في فأرة(3)، فكتب إليه الفضل يخبره أن الناس يعيبون ذلك عليه(4)، فكتب(عليه السلام): يا فضل: أما علمت أن يوسف كان يلبس ديباجاً مزروراً بالذهب، ويجلس على كراسي الذهب، فلم ينتقص ذلك من حكمته شيئاً، وكذلك سليمان. ثم أمر أن يعمل له غالية بأربعة آلاف درهم.

وهذه القصة على إيجازها تشير إلى هذا الجانب، وأن موقعه كان يفرض عليه أن يتعامل بطريقة معينة في الحياة، بحيث تتناسب مع هذا الموقع.. ولكن هذا كان يثير الضغائن عليه بصورة كبيرة جدّاً.


امتحان الإمام الجواد(عليه السلام) بانحراف أحد أولاده

وفي جانب ـ على ما يبدو من النصوص ـ نجد أنّ الإمام الجواد(عليه السلام) ابتلي بانحراف أحد أولاده. فالإمام(عليه السلام) لم يترك إلاّ ولدين وبنتين أو ثلاث بنات، على كلام في التاريخ، والولد الأول: هو إمامنا وسيدنا أبو الحسن الثالث علي الهادي(عليه السلام)، والولد الثاني: هو موسى، وكان منحرفاً في سلوكه الاجتماعي العام، وكان ـ على ما تذكر النصوص ـ يشرب الخمر ويتعاطى أُموراً من هذا القبيل، كما يتعاطاها أهل الدنيا.

وهناك قصة تقول: إنّ المتوكل العباسي حاول أن يستغل هذا الإنسان من أجل أن يهتك بالإمام الهادي(عليه السلام)، حيث ان الناس يعرفون أن موسى هو ابن الإمام الهادي(عليه السلام)، ويأتون به ويجلس مجالسهم، ويشرب ويصنع ما يصنع، ثم يقال: إنّ ابن الرضا يصنع كذا..! فالقضية تشمل الإمام الهادي(عليه السلام)، وهذه القضية تذكر في الإمام الجواد، ولعل ذكرها في تاريخه باعتبار الخصوصية، فالإمام الجواد(عليه السلام) كان يرى أن هذا الموقع الاجتماعي العام يؤدي إلى انحراف ولده، وقد أُصيب ولده بهذا النحراف بسبب هذا الموقع; لأنّ موقع الإمام الجواد(عليه السلام) ـ كما ذكرت ـ موقع خاص، وإن كان يتمكن أن يحفظ نفسه ويداري أولاده ويحافظ عليهم، ولكن قد يقع هذا الولد في انحراف.

وقد أشار القرآن الكريم إلى وجود مثل هذه الانحرافات في تاريخ الصالحين من عباد الله كنوح(عليه السلام). وتوجد هذه الانحرافات في أولاد أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، وهم أطهر الناس وأفضلهم، وهذه المسألة ابتلي بها الإمام الجواد(عليه السلام)، وهكذا الإمام الهادي(عليه السلام)، فأحد أولاده هو جعفر (المعروف بالكذاب)، مع أنه ابن الإمام وأخو الإمام!!

فمثل هذه الانحرافات كان يتعرض لها أولاد أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بسبب الظروف الاجتماعية التي كانت تفرض عليهم. وهذه محنة عظيمة.

فإنسان مثل الإمام الجواد(عليه السلام) يرى أنّ هناك ظرفاً اجتماعياً يفرض عليه، ويؤدي إلى انحراف بعض أولاده، فهذه محنة عظيمة جدّاً يمتحن بها، كما امتحن بها بعض الأنبياء.


امتحان الإمام الجواد(عليه السلام) بحسد أدعياء العلم

الجانب الثاني:

امتحانه(عليه السلام) بحسد أدعياء العلم. فقد كان في ذلك الوقت الكثير من العلماء، وكان بعض هؤلاء ليس عالماً بالمعنى الحقيقي للعلم، بل هو من أدعياء العلم، وكان يرى نفسه أفضل من الإمام الجواد(عليه السلام)، ومن ثم فعندما رأوا علم الإمام الجواد(عليه السلام) وفضله وقرته تنامى الحسد عندهم، وأدى بهم إلى أن يتامروا عليه(عليه السلام)، فكانت شهادته بسبب هذا التآمر، كما تذكر بعض النصوص.

وهناك نص يذكره المؤرخون، ويذكر العياشي صاحب التفسير المعروف عن زرقان صاحب أبي دؤار يقول زرقان: رجع أبو دؤار ذات يوم من عند المعتصم وهو مغتم. فقلت له: لماذا أنت مغتم؟فقال: وددت اليوم أني قد مت منذ عشرين سنة.

قال: قلت له: ولم ذاك؟

قال: لما كان من هذا الأسود أبي جعفر محمد بن علي بن موسى (عليهم السلام) (5) اليوم، بين يدي أمير المؤمنين.قال: قلت له: وكيف كان ذلك؟

قال: إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة، وسأل الخليفة تطهيره بإقامة الحد عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه، وقد أحضر محمد بن علي (عليهما السلام)، فسألنا عن القطع في أي موضع يجب أن يقطع؟

قال: فقلت: من الكرسوع.

قال: وما الحجة في ذلك؟

قال: قلت: لأن اليد هي الأصابع والكف إلى الكرسوع، لقول الله في التيمم: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم}(6)، واتفق معي على ذلك قوم.

وقال آخرون: بل يجب القطع من المرفق.

قال: وما الدليل على ذلك؟

قالوا: لأن الله لما قال: {وأيديكم إلى المرافق}(7)، في الغسل، دلّ ذلك على أن حد اليد هو المرفق.

قال: فالتفت إلى محمد بن علي (عليهما السلام) (8) فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟

فقال: قد تكلم القوم فيه يا أمير المؤمنين.

قال: دعني مما تكلموابه، أي شيء عندك؟

قال: اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين.

قال: أقسمت عليك باللّه لما أخبرت بما عندك فيه.

فقال: أما إذا أقسمت عليّ باللّه، إني أقول أنهم أخطئوا فيه السنة فإن القطع يجب أن يكون من مفصل أصول الأصابع فيترك الكف.

قال: وما الحجة في ذلك؟

قال: قول رسول الله(صلى الله عليه وآله) السجود على سبعة أعضاء: الوجه واليدين والركبتين والرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، وقال الله تبارك وتعالى {وأن المساجد لله} يعني به هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها {فلا تدعو مع الله أحداً}(9) وما كان لله لم يقطع.

قال: فأعجب المعتصم ذلك، وأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكف.

قال ابن أبي دؤاد: قامت قيامتي وتمنيت أني لم أك حياً(10).

قال زرقان: قال أبو دؤاد: صرت إلى المعتصم بعد ثالثة(11)، فقلت: إن نصيحة أمير المؤمنين عليّ واجبة وأنا أُكلمه بما أعلم أني أدخل به النار!

قال: وما هو؟

قلت: إذا جمع أمير المؤمنين في مجلسه فقهاء رعيته وعلماءهم لأمر واقع من أُمور الدين فسألهم عن الحكم فيه،فأخبروه بما عندهم من الحكم في ذلك، وقد حضر مجلسه أهل بيته وقواده ووزراؤه وكتابه، وقد تسامع الناس بذلك من وراء بابه(12)، ثم يترك أقاويلهم كلهم لقول رجل يقول شطر هذه الأُمَّة بإمامته(13)، ويدعون أنه أولى منه بمقامه، ثم يحكم بحكمه دون حكم الفقهاء.

قال: فتغير لونه وانتبه لما نبهته له، وقال: جزاك الله عن نصيحتك خيراً.

قال: فأمر اليوم الرابع فلاناً من كتاب وزرائه بأن يدعوه إلى منزله، فدعاه فأبى أن يجيبه، وقال: قد علمت أني لا أحضر مجالسكم.

فقال: إني إنَّما أدعوك إلى الطعام، وأحب أن تطأ ثيابي وتدخل منزلي فأتبرك بذلك، فقد أحب فلان بن فلان من وزراء الخليفة لقاءك.

فصار إليه، فلما أطعم منها أحس بالسم، فدعا بدابته، فسأله ربّ المنزل أن يقيم قال: خروجي من دارك خير لك، فلم يزل يومه ذلك وليله في خلفه(14)، حتى قبض (عليه السلام).وهذه القصة تعبر عن هذا النوع من الامتحان الذي امتحن به الإمام الجواد(عليه السلام)، في جانب من الامتحان.


موالاة أهل البيت(عليهم السلام)

ومن أجل أن نعبر عن ولائنا للإمام الجواد(عليه السلام) أذكر هذه القصة، والتي أبكتني كثيراً:

هنا يسأل هذا السائل الذي سأل الإمام الجواد(عليه السلام) عن المسك(15): ما لمواليكم في موالاتكم؟

فقال: إنّ أبا عبد الله(عليه السلام)(16) كان عنده غلام يمسك بغلته إذا دخل المسجد. فبينا هو جالس ومعه البغلة، إذ أقبلت رفقة من خراسان(17)، فقال له رجل منهم: هل لك يا غلام أن تسأله أن يجعلني مكانك، وأكون له مملوكاً، وأجعل مالي كله لك، فإني كثير المال. فقال: أسأله ذلك، فدخل على أبي عبد الله، فقال: جعلت فداك تعرف خدمتي وطول صحبتي، فإن ساق الله لي خيراً تمنعنيه؟

قال: أعطيك من عندي وأمنعك من غيري، فحكى له قول الرجل، فقال(عليه السلام): إن زهدت في خدمتنا ورغب الرجل فينا قبلناه وأرسلناك.

فلما ولى عنه، دعاه فقال: أنصحك لطول الصحبة، ولك الخيار. إذا كان يوم القيامة، كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) متعلقا بنور الله، وكان أمير المؤمنين(عليه السلام) متعلقاً برسول الله، وكان الأئمة متعلقين بأمير المؤمنين، وكان شيعتنا متعلقين بنا حتى يدخلون مدخلنا، ويردون موردنا.

فقال الغلام: بل أُقيم في خدمتك وأُؤثر الآخرة على الدنيا.

فخرج الغلام إلى الرجل فقال له الرجل: خرجت إلي بغير الوجه الذي دخلت به، فحكى له قول الإمام(عليه السلام)، ثم أدخله على أبي عبد الله(عليه السلام) فقبل ولاءه، وأمر للغلام بألف دينار، ثم قام إليه فودعه وسأله أن يدعوا له ففعل.

هذا هو ولاء أهل البيت(عليهم السلام) وعلاقتنا بهم، وهم(عليهم السلام) قد ارضوا عن الدنيا، فقد ذكر الشيخ عباسي القمي(قدّس سرّه) في مفاتيح الجنان: إنّ الإمام الجواد(عليه السلام) كان دائم المحنة، وهو لا يذكر تفاصيلها، وكان كلما رجع إلى المسجد يوم الجمعة رفع يديه إلى السماء وهو مغبراً فقال: إن كان فرجي في موتي فعجل وفاتي الساعة.

وكان(عليه السلام) دائم الكآبة، وكان يقول: الفرج بعد المأمون بثلاثين شهراً. وهكذا وقع الفرج عندما كانت شهادته بعد ثلاثين شهراً من وفاة المأمون العباسي.

نسأل الله أن يجعلنا من أتباع أهل البيت(عليهم السلام) ومن السائرين على منوالهم.


الولاية

وأما بالنسبة للمحور الثاني، وهو حديثنا في محور الولاية، فهو حديث واسع، وقد انتهينا فيه إلى بيان السلطات الثلاث للحكم الإسلامي، حيث إنّ الولاية في أحد معانيها: عبارة عن الحكم الإسلامي، ومن ثم فإذا أردنا أن نفصل الحكم الإسلامي ونشرحه، فنقول: إنه عبارة عن هذه السلطات الثلاث: السلطة التشريعية ـ التي تحدثنا عنها في الأسبوع الماضي ـ ثم التنفيذية ثم القضائية.


السلطة التنفيذية ومفردتي الطاعة والنصيحة لأئمة المسلمين

وفي السلطة التنفيذية توجد مجموعة من المفردات الأساسية، التي لا بد أن نتناولها من أجل ان نوضح هذا الجانب في الولاية، وهو ما أعبر عنه بجانب السلطة التنفيذية.

ومن جملة هذه المفردات: الطاعة والنصيحة لأئمة المسلمين.

وموضوع الطاعة من الموضوعات التي تعرض لها القرآن الكريم في آيات عديدة، ولعل أكثر الأُمور التي أكد عليها القران الكريم فيما يتعلق بموضوع الولاية، هي موضوع طاعة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأولي الأمر(18)، وكذلك موضوع النصيحة، حيث تبدو هناك إشارات في القرآن الكريم إلى موضوع النصيحة، وهناك تأكيد من قبل النبي(صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت(عليهم السلام) على موضوع النصيحة لأئمة المسلمين(19).


الطاعة لأئمة المسلمين

والمقصود من الطاعة واضح، وهو: أن يلتزم الإنسان المؤمن الذي يعيش في الدولة الإسلامية بأوامر الولي والحاكم الذي يحكم هذه الدولة.

والولي هو النبي(صلى الله عليه وآله)، ويأتي بعده الأئمة(عليهم السلام)، ويأتي بعدهم ولاة الأمر وهم الفقهاء، كما ذكرت ذلك بصورة مفصلة في كتابي(الحكم الإسلامي المعاصر بين النظرية والتطبيق)، فالفقيه يكون هو الولي، وهذا ما يعرف بولاية الفقيه.

وهذا الموضوع ـ أي: ولاية الفقهاء ـ من الموضوعات التي نتناولها عندما نستدل على الولاية، ولكني أُشير إليه إشارة فأقول: إنّ هذا الموضوع بسبب مفهومه العام يعتبر من الموضوعات التي أجمع عليها المسلمون وليس من الموضوعات الخاصة بالرأي الفقهي لجماعة أهل البيت(عليهم السلام)، فإخواننا السنة يرون أنّ الولي يجب أن يكون متصفاً بالعلم. وقد ذكرت ذلك في حديثي عن هذا الجانب باعتبار أن الحاكم الإسلامي مقيد في إطاره بالحكم الإلهي، ولا يجوز له الخروج عن هذا الإطار، كما ذكرنا ذلك في بحث السلطة التشريعية.

إذن فالولي لا بد أن يكون عالماً بذلك الحكم، حتى يصدر أوامره وقوانينه وتشريعاته في إطار ذلك الحكم الإلهي; لأنه إذا لم يكن عالماً بذلك الحكم الإلهي فقد يخرج في أوامره وتشريعاته عن ذلك الحكم. وهذا المبدأ يلتزم به جميع المسلمين، غاية الأمر أن هناك بعض التفاصيل خارجة عن هذا المبدأ، وناشئة من مواقف استثنائية وعناوين ثانوية، كما يعبر عنها الفقهاء.

فأهل السنة ـ بصورة عامة ـ يرون أن الحاكم الإسلامي تارة يتم بصورة طبيعية ومن خلال انتخاب الناس له، ومن ثم فلا بد أن يكون هذا الحاكم متصفاً بالعلم، وأُخرى يكون مفروضاً بالقهر، كما إذا تصدى إنسان وسيطر على المجتمع الإسلامي بالقوة، ففي مثل هذه الحالة يرون أنه لا بد من التسليم له حتى لو لم يكن عالماً أو عادلاً.

وهذه الحالة استثنائية يفرضها الباحثون في هذا الموضوع، ويقولون: إذا سيطر هذا الإنسان بالقوة على المجتمع الإسلامي، وكان يقيم الأحكام الإسلامية بصورة عامة، حتى وإن كان فاجراً وغير عالم، فمثل هذا الإنسان يسلم له الأمر، لأنّ الخروج عليه قد يؤدي إلى أضرار كبيرة،من خلال النزاع والقتال وإراقة الدماء.

وأما بالنسبة إلى فقهائنا من جماعة أهل البيت(عليهم السلام) فهم يرون: أنّ الحاكم لا بد ان يكون فقيهاً عالماً مجتهداً، ولكن ما هو مقدار صلاحيته؟ وما هي سعتها؟

بعضهم يرى أن له صلاحيات واسعة بحيث يمكنه أن يتدخل حتى في الأُمور الشخصية للناس، والبعض الآخر يرى هذه الصلاحيات بمقدار ما يرتبط بحفظ النظام العام والأمن والاستقرار للمجتمع، وأما بقية الأُمور فليست من صلاحيته.

فأصل المسألة يجمعون عليها، وهي: أنه لا بد أن يكون الحاكم فقيهاً، ولكنهم قد يختلفون في الجزئيات.

وهناك أمر آخر قد يختلفون فيه، وهو: ما هو الدليل على كون الحاكم متصفاً بهذه الصفة، فهل هو العقل أو الإجماع أو النصوص القرآنية أو الروايات؟

وهذا الاختلاف ليس خاصاً بولاية الفقيه، وإنَّما يجري في الكثير من المسائل الشرعية التي يتفق عليها الفقهاء ولكنهم قد يختلفون في الدليل الدال عليها.

فبعض الفقهاء قد يستندون إلى رواية ما، ويقول البعض الآخر: إنّ الاستدلال بها غير تام، وإنَّما لا بد من الاستناد إلى رواية أُخرى. وبعضهم قد يستند إلى آية ما، ويقول البعض الآخر: إنّ الاستدلال بها غير تام. وهكذا بالنسبة إلى أصل البراءة مثلاً، فهناك بحث مفصل في علم الأصول في أصل البراءة، حيث نجد أن الفقهاء يجمعون عليه، وهذا الإجماع ليس بين فقهاء الشيعة فقط وإنَّما بين فقهاء أهل السنة أيضاً. فالكل يجمعون عليه ولكنهم يختلفون في الدليل عليه، فهل هو الآيات الكريمة أو النصوص الشرعية التي وردت عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أو أنه أصل عقلي، لأنّ العقل هو الذي يحكم به، وهذه النصوص تؤكد هذا الأصل العقلي؟!

إذن فولاية الفقيه مما لا شك في أصلها، ولكن يبقى الخلاف في صلاحيات هذا الفقيه، وأول أمر يذكر هو الطاعة، فنحن نعرف أن الفقيه لا بد أن يطاع، ولكن ما هي حدود وصلاحيات هذه الطاعة؟ فقد ذكرت سابقاً أن صلاحيات النبي(صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) هي أوسع من صلاحيات الفقيه، ثم إنه يوجد كلام في حدود صلاحيات هذا الفقيه.

هذا بالنسبة للأمر الأول: وهو الطاعة للنبي (صلى الله عليه وآله) وللأئمة (عليهم السلام) ولأولي الأمر.


النصيحة لأئمة المسلمين

وأما النصيحة فهي من الأُمور التي لا يتم الحديث عنها عادة، فالناس يفهمون أن يستنصح الولي المسلمون {وشاورهم في الأمر}(20)، فالولي لا بد أن يستشير.

وأما النصيحة التي وردت في النصوص الشريفة، فلا يراد منها تقديم المشورة والنصح للولي، وإنَّما يراد منها أن يقوم الإنسان بعمل تجاه الولي وينصح في هذا العمل، بمعنى أن يقوم به مخلصاً لله تعالى، ومؤدياً له بصورة متقنة بحيث ينصح في عمله، عندما يقع ذلك في طريق تأييد هذا الولي وإسناده.

وهذه القضية من القضايا المهمة التي نصت عليها النصوص الشريفة، وأولاها رسول الله(صلى الله عليه وآله) أهمية خاصة. وقد ورد هذا الموضوع في عدة روايات، منها الصحيح ومنها المعتبر، ورواها جميع المسلمين، ومنها هذا النص الذي ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداعـ وبعضهم يقول: في حجة من حججهـ حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):

«ثلاث لا يغل عليها قلب امرىء مسلم(21): إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم».

وموضوع اللزوم لجماعتهم من الموضوعات المهمة، التي لا يوجد فيها حديث كثير وأنه ما هو معنى هذا اللزوم؟ وما هي جماعة المسلمين؟ كما سوف أُشير إليه في الرواية الثانية.

وفيما يتعلق بموضوع الطاعة هناك رواية معتبرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال فيها: «ما نظر الله عز وجل إلى ولي له يجهد نفسه بالطاعة لإمامه والنصيحة إلاّ كان معنا في الرفيق الأعلى». وهناك قصة أقرأها عليكم، وهي طريفة، فيها الكثير من المعاني الأخلاقية والعقائدية والتأريخية.

يقول محمد بن الحسن: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمد الصادق. قال: فذهبت معه إليه فوجدناه قد ركب دابته، فقال له سفيان(22): يا أبا عبد الله: حدثنا بحديث خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الخيف.

قال: دعني حتى أذهب في حاجتي، فإني قد ركبت، فإذا جئت أحدثك.

فقال: أسألك بقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما حدثتني.

قال: فنزل له، فقال له سفيان: مر بدواة وقرطاس حتى أثبته. فدعا به، ثم قال: اكتب:

بسم الله الرحمن الرحيم: نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم تبلغه. يا أيها الناس، ليبلغ الشاهد الغائب، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب امرىء مؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم. المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم.

قال: وهذه الأُمور التي ذكرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خطبته، كتبها سفيان، ثم عرضها عليه بعد ذلك. وركب أبو عبد الله (عليه السلام)، وجئت أنا وسفيان، فلما كنا في بعض الطريق فقال لي: كما أنت حتى أنظر في هذا الحديث.

فقلت: والله قد ألزم أبو عبد الله (عليه السلام) رقبتك شيئاً لا يذهب منك أبداً.

فقال: وأي شيء ذلك؟

فقلت: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرىء مسلم، فأما إخلاص العمل لله فقدعرفناه، وأما النصيحة لأئمة المسلمين، من هؤلاء الأئمة الذين يجب علينا نصيحتهم؟ فهل هم معاوية بن أبي سفيان ويزيد ومروان بن الحكم، وكل هؤلاء لا تجوز شهادته، ولا تجوز الصلاة خلفه(23).وأما قوله (صلى الله عليه وآله): واللزوم لجماعتهم، فمن هذه الجماعة التي لابد أن تلتزم بها، ولا يمكن أن ننفك عنها؟مرجىء يقول: من لم يصل ولم يصم ولم يغتسل من جنابة وهدم الكعبة ونكح أمه فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل(24)؟

أو قدري يقول: لا ما شاء الله عز وجل ويكون ما شاء إبليس(25)؟

أو حروري(26) يتبرأ من علي بن أبي طالب، ويشهد عليه بالكفر؟

أو جهمي(27) يقول: إنَّما هي معرفة الله وحده وليس في الإيمان شيء غيرها(28).قال: ويحك وأي شيء يقولون(29)؟

فقلت: يقولون: إنّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) هو الإمام الذي يجب علينا نصيحته(30)، ولزوم جماعتهم أهل بيته.

قال: فأخذ الكتاب فخرقه، ثم قال: لاتخبر بها أحداً.

وهذه المسألة من المسائل المهمة جدّاً في فهم الحركة الاجتماعية، وأنه يجب أن نفهم أن النصيحة لأئمة المسلمين واجب من الواجبات.

والنصيحة: هي أن يقوم الإنسان بعمله مخلصاً متقناً محكماً في خدمة الإمامة والمسيرة من ناحية.

واللزوم للجماعة: هو اللزوم لجماعة الحق، حيث وردت روايات صحيحة السند تؤكد ذلك، ويسأل الإمام فيها من هي الجماعة؟ فيقول: هي جماعة الحق، ثم يذكر آيات للاستدلال على هذه الحقيقة.

إذن فالجماعة التي يجب التزامها، وتكون نافذة في موقعها ورأيها وعملها، ولايجوز الافتراق عنها، إنَّما هي هذه الجماعة التي تمثل الحق في حركتها ورأيها.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن التزم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وجماعتهم، وحشرنا معهم. وأساله تعالى لنا ولكم ولجميع إخواننا المؤمنين هذا المصير والمنهج. كما أساله تعالى أن يوفقنا في مثل هذه الأيام الشريفة للمزيد من العبادة والتهجد والدعاء والاخلاص والعمل، وأن يحقق للمسلمين في كل مواقهم، وإلى أرواح شهدائنا الأبرار ومراجعنا العظام الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد.

____________

1- في قوله تعالى {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً. قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً} مريم: 29 ـ 30.

2- المسك: هو حالة متعارفة في بعض البلاد وخصوصاً المناطق الخليجية، حيث تكون هناك مجمرة يوضع فيها الطيب، ثم تعرض هذه المجمره على الحاضرين. وهذا رسم من رسوم المجالس التي كانت موجودة في ذلك الوقت، وخصوصاً مجالس الأعياد والشخصيات والأشراف.

3- الفأرة: هي هذه المجمرة التي يوضع فيها المسك.

4- إنّ هذا الأمر لا يتناسب مع إنسان كالإمام الرضا(عليه السلام) في زهده وإعراضه عن الدنيا وعن هذه المراسيم والظواهر والزخارف.

5- عبّر بـ (الأسود) ; لأن الإمام الجواد(عليه السلام) كان لونه حنطي، أي: فيه شيء من السمرة، لأن أُمّه كانت (نوبية) أي: سوداء، على ما يذكر التاريخ.

6- النساء: 43، والمائدة: 6.

7- المائدة: 6.

8- وكان شاباً وعمره اثنان وعشرون عاماً.

9- الجن: 18.

10- قال هذا بدل أن يأخذ العلم ويستفيد منه!

11- أي: بعد ثلاثة أيام.

12- لاحظوا: إنّ الإمام الجواد(عليه السلام) كان يتصدى من هذا الموقع، وقد كان بارزاً.

13- وهنا يحاول أن يحرك الخليفة!

14- أي: أخذه الخروج.

15 في الرواية التي تقدمت ص.

16- أي: الإمام الصادق(عليه السلام).

17- أي: مجموعة من الزائرين الذين كانوا يحجون بيت الله الحرام، ويزورون قبر النبي (صلى الله عليه وآله).

18- سيأتي استعراض رواية حول الطاعة لأئمة المسلمين ص.

19- سيأتي استعراض روايتين حول النصيحة لأئمة المسلمين ص.

20- آل عمران: 159.

21- أي: لا يخونها.

22- وكان أحد العلماء الكبار في زمن الإمام الصادق(عليه السلام).

23- وسفيان يقبل هذه الأُمور ويؤمن بها باعتبار أنه يعيش في أوساط فقه أهل البيت(عليهم السلام).

24- فالمرجئة يقولون: إنه لا علاقة بين العمل وبين العقيدة والإيمان، فالإيمان له شأن والعمل له شأن آخر، فالإنسان قد يكون من العصاة المترفين في أعماله، ولكن إيمانه وعقيدته مثل جبرئيل وميكائيل، فكيف أن عقيدة جبرئيل وميكائيل كاملة، كذلك هو!!

وهذا المطلب بينه أهل البيت(عليهم السلام)، وقد وردت عنهم عدة روايات وبطرق متعددة تؤكد ارتباط العمل بالإيمان، وأن الإيمان يتكامل بالعمل. ولكن المرجئة يفككون بين العمل والايمان فيقولون: إن إيمان إبليس مثل إيمان آدم لأن إبليس كان يعرف الله تعالى وآدم يعرفه أيضاً، ولكن آدم كان مطيعاً وأما إبليس فهو عاص!

25- فالقدرية يقولون: إن الله تعالى فوض الحياة الدنيا للإنسان وللمخلوقات. فقد خلق المخلوقات إلاّ أنها خرجت من إرادته، ولا يتمكن أن يسيطر عليها، فهي تصنع ما تشاء!!

26- وهؤلاء كانوا من الخوارج.

27- جماعة الجهم بن صفوان.

28- فالإيمان هو معرفة الله، وأما معرفة الرسول والوحي والدار الآخرة فلا تدخل في الإيمان.

29- أي: الإمام الصادق(عليه السلام) يقول: ألزم جماعتهم، فأي جماعة هم؟

30- فالإمام الصادق(عليه السلام) إنَّما ألزم رقبتك بمثل هذا الكلام.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية