النصيحة لأئمة المسلمين
وأما النصيحة فهي من الأُمور التي لا يتم الحديث عنها عادة، فالناس يفهمون أن يستنصح الولي المسلمون {وشاورهم في الأمر}(20)، فالولي لا بد أن يستشير.
وأما النصيحة التي وردت في النصوص الشريفة، فلا يراد منها تقديم المشورة والنصح للولي، وإنَّما يراد منها أن يقوم الإنسان بعمل تجاه الولي وينصح في هذا العمل، بمعنى أن يقوم به مخلصاً لله تعالى، ومؤدياً له بصورة متقنة بحيث ينصح في عمله، عندما يقع ذلك في طريق تأييد هذا الولي وإسناده.
وهذه القضية من القضايا المهمة التي نصت عليها النصوص الشريفة، وأولاها رسول الله(صلى الله عليه وآله) أهمية خاصة. وقد ورد هذا الموضوع في عدة روايات، منها الصحيح ومنها المعتبر، ورواها جميع المسلمين، ومنها هذا النص الذي ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداعـ وبعضهم يقول: في حجة من حججهـ حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
«ثلاث لا يغل عليها قلب امرىء مسلم(21): إخلاص العمل لله سبحانه وتعالى، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم».
وموضوع اللزوم لجماعتهم من الموضوعات المهمة، التي لا يوجد فيها حديث كثير وأنه ما هو معنى هذا اللزوم؟ وما هي جماعة المسلمين؟ كما سوف أُشير إليه في الرواية الثانية.
وفيما يتعلق بموضوع الطاعة هناك رواية معتبرة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال فيها: «ما نظر الله عز وجل إلى ولي له يجهد نفسه بالطاعة لإمامه والنصيحة إلاّ كان معنا في الرفيق الأعلى». وهناك قصة أقرأها عليكم، وهي طريفة، فيها الكثير من المعاني الأخلاقية والعقائدية والتأريخية.
يقول محمد بن الحسن: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمد الصادق. قال: فذهبت معه إليه فوجدناه قد ركب دابته، فقال له سفيان(22): يا أبا عبد الله: حدثنا بحديث خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الخيف.
قال: دعني حتى أذهب في حاجتي، فإني قد ركبت، فإذا جئت أحدثك.
فقال: أسألك بقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما حدثتني.
قال: فنزل له، فقال له سفيان: مر بدواة وقرطاس حتى أثبته. فدعا به، ثم قال: اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم: نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم تبلغه. يا أيها الناس، ليبلغ الشاهد الغائب، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. ثلاث لا يغل عليهن قلب امرىء مؤمن: إخلاص العمل لله، والنصيحة لأئمة المسلمين، واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم. المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم.
قال: وهذه الأُمور التي ذكرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خطبته، كتبها سفيان، ثم عرضها عليه بعد ذلك. وركب أبو عبد الله (عليه السلام)، وجئت أنا وسفيان، فلما كنا في بعض الطريق فقال لي: كما أنت حتى أنظر في هذا الحديث.
فقلت: والله قد ألزم أبو عبد الله (عليه السلام) رقبتك شيئاً لا يذهب منك أبداً.
فقال: وأي شيء ذلك؟
فقلت: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرىء مسلم، فأما إخلاص العمل لله فقدعرفناه، وأما النصيحة لأئمة المسلمين، من هؤلاء الأئمة الذين يجب علينا نصيحتهم؟ فهل هم معاوية بن أبي سفيان ويزيد ومروان بن الحكم، وكل هؤلاء لا تجوز شهادته، ولا تجوز الصلاة خلفه(23).وأما قوله (صلى الله عليه وآله): واللزوم لجماعتهم، فمن هذه الجماعة التي لابد أن تلتزم بها، ولا يمكن أن ننفك عنها؟مرجىء يقول: من لم يصل ولم يصم ولم يغتسل من جنابة وهدم الكعبة ونكح أمه فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل(24)؟
أو قدري يقول: لا ما شاء الله عز وجل ويكون ما شاء إبليس(25)؟
أو حروري(26) يتبرأ من علي بن أبي طالب، ويشهد عليه بالكفر؟
أو جهمي(27) يقول: إنَّما هي معرفة الله وحده وليس في الإيمان شيء غيرها(28).قال: ويحك وأي شيء يقولون(29)؟
فقلت: يقولون: إنّ علي بن أبي طالب(عليه السلام) هو الإمام الذي يجب علينا نصيحته(30)، ولزوم جماعتهم أهل بيته.
قال: فأخذ الكتاب فخرقه، ثم قال: لاتخبر بها أحداً.
وهذه المسألة من المسائل المهمة جدّاً في فهم الحركة الاجتماعية، وأنه يجب أن نفهم أن النصيحة لأئمة المسلمين واجب من الواجبات.
والنصيحة: هي أن يقوم الإنسان بعمله مخلصاً متقناً محكماً في خدمة الإمامة والمسيرة من ناحية.
واللزوم للجماعة: هو اللزوم لجماعة الحق، حيث وردت روايات صحيحة السند تؤكد ذلك، ويسأل الإمام فيها من هي الجماعة؟ فيقول: هي جماعة الحق، ثم يذكر آيات للاستدلال على هذه الحقيقة.
إذن فالجماعة التي يجب التزامها، وتكون نافذة في موقعها ورأيها وعملها، ولايجوز الافتراق عنها، إنَّما هي هذه الجماعة التي تمثل الحق في حركتها ورأيها.
أسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن التزم أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وجماعتهم، وحشرنا معهم. وأساله تعالى لنا ولكم ولجميع إخواننا المؤمنين هذا المصير والمنهج. كما أساله تعالى أن يوفقنا في مثل هذه الأيام الشريفة للمزيد من العبادة والتهجد والدعاء والاخلاص والعمل، وأن يحقق للمسلمين في كل مواقهم، وإلى أرواح شهدائنا الأبرار ومراجعنا العظام الفاتحة مع الصلاة على محمد وآل محمد.
____________
1- في قوله تعالى {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً. قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً} مريم: 29 ـ 30.