سيرة الأنبياء (عليهم السلام) | تعرض النبي موسى (عليه السلام) إلى الأذى | تعرض النبي محمد (صلى الله عليه وآله) للأذى | ما يلاقيه المتصدي سنة تاريخية | عَهْدُ الإمام الرِضا (عليه السلام) | الواقفة | أسباب تأسيس حركة الواقفة | الارهاب والقمع | تسلم الإمام الرضا(عليه السلام) ولاية العهد | هدف المأمون من فرض ولاية العهد على الإمام الرضا(عليه السلام) | دور الإمام الرضا(عليه السلام) | كسب الاعتراف بمذهب اهل البيت(عليهم السلام)  
 
 
 

محاضرة سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) في مكتبه بقم بتاريخ: 20/4/1994م الموافق 9/11/1414هـ ق
وهي عبارة عن إجابة عن سؤال لأحد الحاضرين عن الخلفية الدينية والسياسية التي اعتمدها الإمام الرضا (عليه السلام)
في قبوله ولاية العهد للمأمون


دور الإمام الرضا (عليه السلام) من موقع ولاية العهد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين. والسلام على سيدنا ومولانا أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام).


سيرة الأنبياء (عليهم السلام)

إن مثل هذه الأمور - التي طرحت في السؤال - تكمن أهميتُها، في الاستفادة منها، فلابد أن تأخذ منحى الاستفادة الأخلاقية من التجارب التي مر بها الأنبياء والصالحون في التاريخ الإنساني.

وقبل الجواب عن السؤال، أود الإشارة إلى بعض التجارب التاريخية، للاستفادة منها أخلاقياً في مجمل حركتنا الاجتماعية والسياسية، مع قطع النظر عن المصاديق والمفردات المعاشة في أوضاعنا الخاصة.

وبدايةً أقول: لا أريد تطبيق هذه الحقيقة على نفسي أو على شخص معين، وإنما أريد الاستفادة من هذه التجارب التاريخية.

يبدو من خلال سنن التاريخ وتجاربه أن هناك حقيقةً يتعرض لها المتصدون للعمل الإصلاحي التغييري في المجتمعات الإنسانية، حتى وإن كانوا في أعلى درجات الطهارة والعصمة والأخلاق الكريمة، فضلاً عما إذا كانوا من أمثالنا نحن الذين نشتبه ونخطأ، وهذه الحقيقة هي أنهم يتعرضون إلى المحن والمعاناة. وللاستفادة من تجارب المتصدين سأذكر مثلين من تاريخ الإنسانية وتاريخ الرسالات الإسلامية:


تعرض النبي موسى (عليه السلام) إلى الأذى

المثل الأول:

هو النبي موسى (عليه السلام)، فإذا أخذنا شخصية موسى (عليه السلام) - مع غض النظر عن رسالته ونبوته وأداء وظيفته الشرعية - نجده - في وضعه الاجتماعي- ابنَ ملكٍ بالتبني، فقد كان يعيش في البيت الفرعوني بعد أن تبناه فرعون واتخذه ابناً له، فكان يكرمه ويضعه موضع الراحة والاستقرار والجاه والعظمة إلى غير ذلك.

وفي يوم من الأيام نزل موسى (عليه السلام) إلى السوق - كما يحدثنا القرآن الكريم - أو المدينة فوجد بعض المستضعفين يُعْتدى عليهم فانتصر لواحدٍ من شيعته وقتل المعتدى، وبعد ذلك أصبح موسى مطارداً من قبل السلطة باعتباره قاتل مجهول.

وفي مرةٍ ثانية شاهد بعض المستضعفين يتعرض للعدوان فأخذته النخوة والإحساس بالعزة والكرامة الإنسانية والدفاع عن المظلومين لتحقيق العدل، انتصر مرة أخرى، أو حاول أن ينتصر للمعتدى عليه الذي لم يتحمل هذه الحالة لاستضعافه فكشف عن حقيقة ونطق بها فأصبح موسى مطارداً.

هنا نجد أن هذا الإنسان صاحب الجاه العظيم، ضحى بكل إمكاناته وموقعه الاجتماعي المتميز - ففي ذلك الزمان كان الملك ملكاً ليس كملوك هذا الزمان، والمستضعف أيضاً كان مستضعفاً ليس كمستضعفي هذا الزمان، ففرعون كان يعامل الإسرائيليين على أنهم طبقة مملوكة له بشكل مطلق يتصرف بها كيفما يشاء - وتحول (عليه السلام) من درجته العالية في المجتمع إلى إنسان مطارد لا يجد مكاناً يختفي به (فخرج منها خائفا يترقب) وهاجر هجرة طويلة الأمد تمكن من خلالها ترتيب أوضاعه الشخصية بطريقة محدودة، إلى أن كلفه الله تعالى بأداء الرسالة الإلهية، فجاء إلى فرعون وتحدث معه وجاهد، وعرَّض نفسَه لمختلف الأخطار، حتى أنقذ الإسرائيليين من الظلم الذي يعانونه ومن الإجرام الفرعوني عندما عبر بهم البحر.

فكيف كان الإسرائيليون يتعاملون مع موسى (عليه السلام) كإنسان قدّم - لتخليصهم من فرعون - هذه التضحيات، لا كنبي أو وصي أو غيره؟

قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى‏ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَعْلَمُونَ أَنّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمّا زَاغُوا أَزَاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}(1)... {يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالّذِينَ آذَوْا مُوسَى‏ فَبَرّأَهُ اللّهُ مِمّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللّهِ وَجِيهاً}(2)

ومن آذى موسى كان أقرب الناس إليه -كما يُذكر- قارونُ ابن عمه أو ابن خالته على جواز اجتماع النسبتين في شخص واحد.

فقارون إذا كانت له هذه العلاقة والصلة الخاصة بموسى - وهذا ماتحدث به القرآن الكريم، مضمون القرآن لانصه، لكن هذا المضمون نأخذه من القرآن الكريم ولا نأخذه من الإسرائيليات - ومع ذلك واصل موسى طريقه حتى اختاره الله تعالى لنفسه فانتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة، ولم يؤثّر ما تعرض له على مجمل مسيرته، ولم يقل أنا كنت في موقع اجتماعي متميز والآن هم يعاملونني هكذا! إذن سأجمع أغراضي وأنصرف عن هذا العمل!. بل استمر حتى آخر لحظة.


تعرض النبي محمد (صلى الله عليه وآله) للأذى

المثل الثاني:

هو نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، فبغضّ النظر عن نبوته ورسالته الخاتمة، فقد كان يُعرف في قومه بالصادق الأمين، وكان يقضي حوائج الناس ويحل مشكلاتهم وينتصر للمظلومين.

ومن ثم جاء برسالته الإلهية للناس وقال لهم: «قولوا لا اله الا الله تفلحوا» ولكن الناس انقلبوا على أعقابهم، فمنهم من قال إنه ساحر، ومنهم من قال إنه شاعر، ومنهم من قال إنه كاهن، وغيرهم من قال إنه مجنون، وآخرون اتهموه بالكذب، إلى غير ذلك من التهم التي يذكرها القرآن الكريم ويشير إليها في موقف أقربائه وأولاد عمه أي الناس الذين عاش بينهم، ولم يكونوا بعيدين عنه قادمين من الحبشة أو السند أو الهند، بل كانوا على معرفة أنه عاش بينهم أربعين سنة صادقا أمينا موثوقا ومع ذلك تحمل منهم الكثير من الآلام والمحن واستمر في مسيرته حتى حقق لهم إنجازا عظيما؛ فقد أخرجهم من الظلمات إلى النور، وجمع شملهم بعد أن كانوا متفرّقين، ووحّد صفوفهم وجعل لهم من العزة والكرامة والمنعة ما أخذوا يتطاولون به على الروم والفرس في ذلك العصر. ولكن كان أول من حاربه - حتى ذكره القرآن الكريم بالاسم ولم يذكر غيره على الإطلاق - هو عمه أبو لهب.

اما المسلمون الذين أنقذهم (صلى الله عليه وآله) - كما قلت - أخذوا يؤذونه في كل شؤونه حتى الخاصة منها، وأنتم تعرفون حديث (الإفك) الذي سبب حرجاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بدرجة أنه لم يتمكن من قول شيء.

فماذا يقول (صلى الله عليه وآله) عندما تُتّهم زوجته تلك التهمة ويتناول الناس حديثها في المجالس والأندية فيقيمون حلقات للحديث فيها، ويتناقلون هذا الخبر من مكان إلى مكان؟ أينفي التهمة؟ فالناس يشيعون بها ويذكرون أمارات وقرائن بالطريقة المعروفة التي يذكرها القرآن الكريم ويؤنبهم عليها تأنيباً شديداً عندما نزل وحل هذه المشكلة.

ولم يكتف المسلمون بهذا العمل بل كانوا يتهمونه في كل شيء، فاتهموه في ابن عمه وزوج بنته على أنه يقدمه ويفضله لعلاقته العائلية وقرابته به، وغير ذلك من المسائل التي لا زالت تُطرح حتى يومنا الحاضر.

وعند احتضاره (صلى الله عليه وآله) فبدل أن يفكر المسلمون في الطامة الكبرى التي ستحدث بالنسبة إليهم عندما يتوفّى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي كان يطلب أن يكتب لهم كتاباً يحفظ فيه مستقبلهم ومصيرهم ويرسم لهم طريقهم، وقف أحدهم يقول: إن الرجل ليهجر!. وفي موقف آخر تحدث القرآن الكريم عن جماعة آخرين بقوله تعالى {وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِي الصّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ}(3)

فهذا الإنسان الذي جاء لهم بهذا العز والكرامة نراهم يشككون ولا يرضون في طريقة تقسيم الصدقات والزكوات التي كانت تجمع، ولعلهم كانوا يتكلمون كلاما أشد من اللّمز كما يحدثنا التاريخ ولكن القرآن الكريم لا يشير إلا إلى أنهم كانوا يلمزوه.

وفي موقف آخر تصل الخسة والدنائة والسقوط بأحدهم إلى درجة أنه كان يمشي خلف الرسول (صلى الله عليه وآله) في السوق ويستهزىء ويسخر بالرسول (صلى الله عليه وآله) في طريقة مشيه، وفي ذلك نزل قوله تعالى {وَمِنْهُمُ الّذِينَ يُؤْذُونَ النّبِيّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ}(4)، بعدها يأتي هذا الشخص ويستغفر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيغفر له.

ثم يأتي في المرة الثانية ويستهزىء برسول الله (صلى الله عليه وآله) ويقول أنا ما ارتكبت هذا الذنب، ولم يصدق الوحي الإلهي الذي يقول: {وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ} صحيح إنه سكت وصبر وتحمل، ولكن هذا لخيركم ولمصلحتكم {قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ}(5) إلى غير ذلك مما تعرض له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولاقاه من أهل بيته واصحابه وشيعته.


ما يلاقيه المتصدي سنة تاريخية

وعندما نقول إن هذه التجارب يعيشها الأنبياء (عليهم السلام)؛ لأن الله يمتحنهم بما فوق طاقات البشر العادي، فقد عشتها أنا شخصياً عن كثب في مراجع الدين الصالحين، وهم من البشر العاديين، وهكذا ما نعرفه عن بعض العلماء والصالحين أنهم كانوا يمتحنون بهذا النوع من الامتحانات والابتلاءات.

وهذا ما ينبئ بأن هناك قانوناً وسنة تتحكم بهذه العملية، وهو تربية لمن يريد التصدي للظالمين وإصلاح الناس. فمن أراد أن يتصدى وينفع الناس ويريد لهم العزة والكرامة، لا ينتظر منهم أن يوفوه حقه ولينتظر من الله سبحانه وتعالى ذلك.

طبعاً أنا أشكر الإخوة الأعزاء كثيرا على لطفهم ومودتهم وعواطفهم، ولكن هذا في الواقع درس لي ولكل المتصدين، وهو درس لكم جميعاً فأنتم من المتصدين -إن شاء الله - يوما ما.

فكل واحد يريد أن يتصدى لعمل فيه فائدة ومنفعة للمجتمع أقول له: لا تنتظر أن يجازيك الناس، وإنما يجب أن تنتظر الأجر والثواب من الله تعالى. والأجر والثواب مشروط بالنية الخالصة لله سبحانه وتعالى من ناحية، والالتزام بالحكم والوظيفة الشرعية من ناحية أخرى، أي أن لا نجتهد بالقضايا وإنما نلتزم بالحدود والموازين والضوابط، وأن تكون نيتنا خالصة لله تعالى، عندها ننال الأجر والثواب. أما بدون ذلك فلا ينال شيئاً، نعم؛ ربما يحصل على محبة ومودة، ولكنه سيلاقي ما لاقى هؤلاء الصالحون.

والدعاء الشريف الذي نقرؤه في ليالي الجمعة عادة يقول: (إلهي إن وضعتني فمن ذا الذي يرفعني وإن رفعتني فمن ذا الذي يضعني). فبعض الناس يفهم منه الرفع المادي؛ بأن يضعه على كرسي عالٍ، وبعضهم يفهمه بأن يطهّر قلبه ويجعله يخلص في نيته، ويتكامل معنوياً وهذا هو الرفع الحقيقي.

فالقضية في الواقع مرتبطة بالله سبحانه وتعالى القادر القاهر، فالمهم أنّ الإنسان يعمر طريقه ومسيرته مع الله سبحانه وتعالى القائل: {وَعِبَادُ الرّحْمنِ الّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاَماً}(6)


عَهْدُ الإمام الرِضا (عليه السلام)

وفيما يتعلق بالسؤال فالحديث طويل يحتاج إلى وقت واسع، ولذا سأشير إلى جوابه بشكل مختصر.

إن الإمام الرضا (عليه السلام) واجه في حياته مشكلتين رئيستين:

الأولى: مشكلة داخلية في الوسط الشيعي تتمثل في مسألة الوقف.

والثانية: مشكلة خارجية تتمثل في ولاية العهد التي واجهها الإمام الرضا (عليه السلام) وكانت تمثل منعطفاً في تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) الذي اشرت له في بعض الجلسات. إنه تاريخ متكامل وله دورٌ عظيمٌ جداً في الحياة الاسلامية، ولعلها تمثل بداية مرحلة جديدة من مراحل تاريخ أهل البيت (عليهم السلام).


الواقفة

أما مشكلة الوقف فهي عبارة عن أن طائفة كبيرة جداً؛ فيها طبقات المجتمع المتعددة، فيها علماء ومحدثون - فضلاً عن العوام - ووكلاء للإمام الكاظم (عليه السلام)، وعندما توفى اللهُ سبحانه وتعالى الإمامَ الكاظمَ أو استشهد (عليه السلام) قالوا إن الإمام الكاظم لازال حياً ولم يقبلوا إمامة الرضا (عليه السلام). ثم تقلصت بعد ذلك هذه الطائفة حتى انتهت قضية الوقف تماماً.

والأسباب الكامنة وراء هذه الحركة إذا أردنا التدقيق فيها، يمكن تلخيصها بأسباب ثلاثة إضافة إلى الأسباب الأخرى، وهذا ما ينفعنا في فهمنا لمجمل الحركات التي نواجهها في حياتنا:


أسباب تأسيس حركة الواقفة

السبب الاول:

هو الطمع بالمال. إذ إن الإمام الكاظم (عليه السلام) من الائمة الذين كانت تجبى لهم أموال طائلة لأنه كان هناك تأكيد في زمنه على موضوع الخمس ولم يكن قبل زمنه إلا إشارات محدودة جداً لذلك.

فالإمام الكاظم (عليه السلام) - لكي ينظم أوضاع الشيعة - أوضح حكم الخمس لهم، فأخذت الشيعة تدفع الأخماس فتكدست عند وكلاء الإمام الكاظم (عليه السلام) أموالٌ طائلةٌ وكبيرةٌ.

وهذا الخمس الذي كان يراد تجنيده لخدمة الطائفة والجماعة الصالحة، تحول إلى نقمة وامتحان وتجربة لهؤلاء الوكلاء. ولكي يحتفظوا بها بعد شهادة الإمام الكاظم (عليه السلام) ولا يدفعوها للإمام الرضا (عليه السلام) قالوا إن الإمام الكاظم (عليه السلام) لازال حياً ونحن إلى الآن وكلاؤه فالأموال تبقى عندنا. وهكذا تمسكوا بالأموال وتعرضوا إلى انحراف بسبب إغراء المادة لهم.


السبب الثاني:

هي أن الإمام الرضا (عليه السلام) لم يكن لديه أولاد ذكور وهو في فترة متأخرة من حياته، وهؤلاء الذين وقفوا على الإمام الكاظم (عليه السلام) كانوا يقولون: إذا كان الرضا إماماً فالإمام من بعده يجب أن يكون من ولده، وهذا ما عرفناه من أهل البيت (عليهم السلام) أما الرضا فليس له ولد ذكر ولذلك فهو ليس إماماً.

وذلك أن الإمام الرضا (عليه السلام) كانت مدة إمامته بين عشرين إلى خمسة وعشرين سنة - على اختلاف في التاريخ - وعندما توفاه الله سبحانه وتعالى كان عمر الإمام الجواد (عليه السلام) تسع سنوات. أي أنه بعد ثلاثة عشر أو ثمانية عشر سنة من إمامته لم يكن لديه ولد ذكر. وبالتالي فقد طرحوا هذه القضية طيلة هذه الفترة في مقام التشويش على الحقيقة والواقع الذي هو -كما ذكر سماحة السيد الإمام(7) على المنبر في حديثه عن الإمام الرضا (عليه السلام) - أن أكثر الأئمة نصاً على إمامته هو الإمام الرضا (عليه السلام) باستثناء الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) باعتبار أن الغيبة قضية مهمة جداً فوردت نصوص كثيرة فيه.

ولكن إذا أردنا أن نأخذ تاريخ الأئمة (عليهم السلام) نجد أن أكثر من نُص على إمامته لعله الإمام الكاظم (عليه السلام) وبالرغم من وجود هذه النصوص الكثيرة، ووجود أصحاب مهمّين للإمام الكاظم (عليه السلام) قد أبلغهم بأن الإمام الرضا هو الإمام بالسنّة بأساليب مختلفة، إلا أن هؤلاء أرادوا أن يشوشوا على أذهان الشيعة فقالوا إن هذا ليس إماماً بدليل أنه ليس لديه طفل.


الارهاب والقمع

السبب الثالث:

هو الإرهاب والخوف الذي كان شيعة أهل البيت (عليهم السلام) يعيشونه، فلم يتمكنوا من التحرك بحرية لكشف الحقائق للناس. فلم تكن الفرصة مؤاتية في زمن الإمام الكاظم (عليه السلام) باعتبار الإرهاب الذي كان في أيام هارون، ولا في زمن الإمام الرضا (عليه السلام) لأن أكثر مدة ولايته كانت في زمن هارون، ولذا فالإمام الرضا (عليه السلام) لم يكن قادراً على التبليغ بشكل كاف فيما يتعلق بهذا الموضوع.

فهذه الأسباب أتاحت لهؤلاء فرصة كبيرة للقول بالوقف والتبليغ لذلك، ولكن الباطل زائل مهما كانت وراءه من أسباب آنية، وبالفعل زال الباطل المتمثل بالوقف وانتهى. وهذا الشيء في الواقع يفيدنا في فهم حركة التاريخ.


تسلم الإمام الرضا(عليه السلام) ولاية العهد

أما مشكلة ولاية العهد، فقد فرضت على الإمام الرضا (عليه السلام) ولم تكن قضية عقد وقبول منه، فهناك نصوص واضحة جداً تؤكد على أن ولاية العهد عرضت على الإمام الرضا (عليه السلام) فرفضها وأصرَّ على رفضه إصراراً شديداً بعد أن رفض التصدي للخلافة، ودخل في مناقشات مع المأمون ورجاله في هذا الموضوع، وانتهى الأمر إلى التهديد بالقتل.

والمأمون كان بحاجة لتصدي الإمام الرضا (عليه السلام) لولاية العهد، لأن الوضع العباسي قد وصل في تدهوره إلى الصفر من الناحية المعنوية بعد الصراع الذي وقع بين الأمين والمأمون وسقوط بني العباس الذين كانوا يرفعونها، وتمكنوا أن يقمعوا بها عدداً كبيراً من المسلمين إما من خلال مصالح أو من خلال التضليل بالدعايات المزيفة.

ولكن بعد هذا الصراع انتهت كل هذه الشعارات وأصبح المأمون في وضع يحتاج فيه إلى غطاء سياسي مناسب - حسب تصوره - لتغطية المرحلة القادمة لحركته، ولذا فقد كان مستعداً لقتل الإمام الرضا (عليه السلام) إذا ما استجاب وقبل ولاية العهد.

وهنا يطرح هذا السؤال: لماذا لم يكن الإمام الرضا (عليه السلام) على استعداد للشهادة كما استشهد جده الحسين (عليه السلام)؟

هذا في الواقع يجرنا إلى بحث في موضوع حياة الائمة (عليه السلام) ومواقفهم تجاه الحكومات. وهذا النوع من التحرك اختص بالإمام الحسين (عليه السلام) لأنه واجه ظروف يزيد وهي ظروفاً استثنائية، ولذلك لم يصنع هذا الشيء الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا الإمام الحسن (عليه السلام) ولا الإمام زين العابدين (عليه السلام) ولا الإمام الصادق (عليه السلام) ولا بقية الائمة (عليهم السلام) من بعدهم. فالحالة اليزيدية كانت حالة خاصة اقتضت هذا النوع من المواجهة التي قام بها الإمام الحسين (عليه السلام).

فالإمام الرضا (عليه السلام) بحسب تشخيصه وهو إمام معصوم لم يكن تكليفه الشرعي أن يستشهد في سبيل عدم قبوله بالولاية التي فُرضت عليه من خلال التهديد بالقتل.

إن من الدروس التي نستفيدها من تاريخ الأئمة (عليهم السلام) هو أن القيادة السياسية الحكيمة هي التي تستطيع استثمار المشكلات التي تتعرض لها الجماعة الصالحة لمصلحة الحركة.

وهذا هو الشيء العظيم، فالجماعة الصالحة دائما في معرض الظلم والمطاردة والقمع والمعاناة، فإذا كانت هناك قيادة سياسية ذكية وأصيلة يمكنها أن تحوّل المظلومية إلى حالة هجومية تستخدمها في مواجهة الظالمين.


هدف المأمون من فرض ولاية العهد على الإمام الرضا(عليه السلام)

الإمام الرضا (عليه السلام) بدت براعته العظيمة، إذ إن المأمون فرض عليه ولاية العهد ليحقق هدفين اثنين:


الهدف الاول:

إنه يريد إعطاء نَفَسٍ جديدٍ لحكومته من خلال غطاء أهل البيت (عليهم السلام) لأن الأطروحة العباسية سقطت - كما قلت -، فكان المأمون يحتاج أن يتحدث مع الناس حديثاً جديداً وهو أن يؤملهم بأن أهل البيت (عليهم السلام) سيأتون إلى الحكم.


والهدف الثاني:

إنه أراد أن يقول للناس إن أهل البيت (عليهم السلام) هؤلاء الذين تتحدثون عنهم وتعتقدون بهم هم أيضاً مثلنا يحبون الحكم والجاه والمنصب، فبما أنهم بعيدون عن الحكم فهم ينتقدون ويتكلمون، أما إذا استلموا الحكم فسيكون وضعهم كوضعنا. وهذا الأمر ذكره الإمام الرضا (عليه السلام) في مناقشة له مع المأمون فقال له: أتريد أن تضعني موضعاً تبين للناس فيه أننا نريد الحكم والسلطة والمقام.


دور الإمام الرضا(عليه السلام)

أما دور الإمام الرضا (عليه السلام) في هذا الموقع فأول ما قام به هو تحصين نفسه، فقد اشترط قبوله بالولاية بأن لا يتصدى لأي عمل من أعمالها. وهذا في الواقع سيكشف للناس أن قبوله بولاية العهد كان جبراً وقهراً، فالإمام الرضا (عليه السلام) سوف لا يكون في زاوية من زوايا المجتمع أو مكان معزول لا يتصل به أحد، وإنما هو وليّ عهد وله مقامه، يأتي إليه الناس ليسلموا عليه وليتحدثوا معه أو يطلبوا منه طلبات إلى غير ذلك. أي أنه يحتك بالناس، وما دام كذلك يقول لهم أنا لا علاقة لي بهذا الموضوع، فإني اشترطت أن لا أتدخل بتاتا.

وفي تصوري أن أحد الأسباب التي جعلت المأمون يفكر في قتل الإمام الرضا (عليه السلام) هو أنه رأى فشل هذه العملية، إذ إن الإمام الرضا (عليه السلام) أصبح أداة للتبليغ - الإعلام كما نقول - ضد حكومته وولايته من خلال موقع متميز، فيتكلم أين ما يريد.

إن المأمون كان يجمع العلماء، فقهاء ومتكلمين وفلاسفة وأطباء وفيزيائيين وأدباء واختصاصات متعددة في مجالس واسعة، ويتصور أحياناً أن الإمام الرضا (عليه السلام) سوف يُحْرَج أمام هذا العالم أو ذاك، أمام هذا الفيلسوف أو ذاك المتكلم أو الفيزيائى... الخ، وصحيح إن الإمام الرضا (عليه السلام) هو عالم ملم، ولكنه في مواجهة هؤلاء العلماء بأصنافهم المتعددة ربما يُحرج مرّة مرّتين وبهذا تنتهي أطروحة أنه إمام معصوم!.

والمأمون قام بهذا العمل لأنه لم يعرف الإمام الرضا (عليه السلام)، ولكن الإمام الرضا (عليه السلام) كان يعرف نفسه فقال هذا أفضل موقع لتوضيح الحقيقة.

ولذلك نجد عند دراستنا لتراثنا أن الإمام الرضا (عليه السلام) تمكن من توضيح أحقانية الخط الأصيل المتمثل بأهل البيت (عليهم السلام). وإذا بحثنا تاريخياً - وهذا ما ينبغي أن يقوم به المحققون - فيمكن أن نجد أن هناك قفزة حصلت في انتشار مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد الإمام الرضا (عليه السلام) بسبب العمل العظيم الذي قام به في هذا المجال.


كسب الاعتراف بمذهب اهل البيت(عليهم السلام)

فالأمويين كانوا يتنكرون لهذه الحقيقة بشكل كامل ويسبون أهل البيت (عليهم السلام) على منابرهم، والعباسيون في بدايتهم لم يكونوا مستعدين للاعتراف بهذا المذهب وقدموا مجموعة من العلماء للتغطية على الحقيقة، أمثال أبو يوسف وغيره، وإن لم يصل بهم ذلك إلى درجة تناول الأئمة (عليهم السلام) بالسب والشتيمة. أما الإمام الرضا (عليه السلام) فقد حقق هذا الاعتراف.

ولذلك نجد أن الخلفاء الذين جاؤوا بعد المأمون، كانوا يحقدون على أهل البيت (عليهم السلام) ويطاردونهم، أمثال المعتصم والمتوكل ومن بعدهم، إلا أنهم لم يستطيعوا رفع يدهم عن هذا الاعتراف، فتعاملوا مع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) كحقيقة قائمة يحترمونها ويكرمونها، لأن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) أصبح معترف به بين المسلمين ولا يمكن التنازل عن حقيقته.

وكسب الاعتراف الرسمي بحقيقة ما، هو من الأهداف العظيمة حتى في عملنا السياسي، فإذا تمكنا من كسب اعتراف رسمي لمظلوميتنا وتثبيته في عالم اليوم كحقيقة من الحقائق كالمطاردة والقتل والتهجير والتشريد للمؤمنين فهذا يعتبر نصر وهدف عظيم جداً.

ومواقف أهل البيت (عليهم السلام) هي دروس لنا تهدينا الطريق الذي تواجهنا فيه الامتحانات والاختبارات والغشاوة أحيانا بأساليب تشبه الأساليب التي ابتلي بها أهل البيت (عليهم السلام).

____________

1- الصف 5.

2- الاحزاب 69.

3- التوبة 58.

4- التوبة 61.

5- التوبة 61.

6- الفرقان 63.

7- آية الله العظمى السيد روح الله الخميني (قدس سره).

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية