التشابه بين الظروف التي نشهدها والتي شهدها الإمام الكاظم(عليه السلام) | مجيء العباسيين إلى الحكم بشعارات استَقْطَبَتْ الأمة الإسلامية | الإمام الكاظم (عليه السلام) جاء في أيام هارون الرهيبة | مبايعة هشام بن سالم للإمام الكاظم (عليه السلام) | الإرهاب السلطوي ونفوذ الأئمة (عليهم السلام) في الجماهير | علي بن إسماعيل مع الإمام الكاظم (عليه السلام) | مساعي يحيى البَرْمَكي لقتل الإمام الكاظم (عليه السلام) لأطماعِ مُستقبَلٍ لم تتحقَّق له | هارون يقتل الفضلَ البرمكي مع أنه مَهَّدَ لِحُكْمه | هارون نقلَ الإمامَ الكاظم (عليه السلام) مِن سِجن إلى سِجن | مقتل الإمام الكاظم (عليه السلام) | خيانة علي ابن إسماعيل للإمام الكاظم (عليه السلام) من أبشع الخيانات | طَلبُ السِّندي مِن بعض العلماء شَهادتهم على أنَّ الإمام (عليه السلام) ماتَ مِيتةً طبيعية | مأساة العلماء في العراق تشبه مأساة الإمام الكاظم (عليه السلام) | الانتفاضات الداعية إلى الرِّضا (عليه السلام) من آل محمد (صلى الله عليه وآله) بعد موت هارون | الانتفاضات كان لها دور في تأصيل خطِّ أهل البيت (عليهم السلام)  
 
 
 

محاضرة سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) في صلاة الوحدة
حول حياة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) في مؤسسة الشهيد الصدر (قدّس سرّه)
وذلك يوم الخميس المصادف 24 / 7 / 1404 هـ ق، الموافق 26 / 4 / 1984 م


عِبَر من شهادة الإمام الكاظم (عليه السلام)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلات والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

السلام عليكم أيها الإخوة المؤمنون ورحمة الله وبركاته.

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:

{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كان مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}(1).


التشابه بين الظروف التي نشهدها والتي شهدها الإمام الكاظم (عليه السلام)

نحن على أعتاب ذكرى شهادة إمامنا وسيدنا أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام)، ويَحسُن بنا التحدُّث ولو قليلاً عن هذه الذكرى، وعن قضية الشهادة، للترابط بين الظروف التي عاشها إمامنا الكاظم (عليه السلام) وبين ظروفنا.

فقد شهد الإمام الكاظم (عليه السلام) أوضاعاً سياسية، ومَدّاً جماهيرياً مكَّنه من التحرُّك، وموقف السلطة منه آنذاك يشبه إلى حَدٍّ كبير موقف السلطة المعاصرة للتحرك الإسلامي، وخصوصاً في عراقنا الجريح.

وباعتبار سِعة الموضوع وتشعُّباته فسأتحدَّث عن بعض جوانبه وأشير إلى جوانب أخرى، لكي تحصل صورة - ولو مصغَّرة - عن الأوضاع التي كان يعيشها الإمام الكاظم (عليه السلام)، وموقفه منها، ومعرفة موقف السلطة آنذاك منه، ثم النتائج المترتبة على ذلك.


مجيء العباسيين إلى الحكم بشعارات استَقْطَبَتْ الأمة الإسلامية

الأوضاع السياسية التي كان يعيشها النظام العباسي أيام هارون الرشيد - وخاصة بعد مجيء هارون على أثر صراعات سياسية - شهدت حصول انقلاب واسع وكبير في الأمة الإسلامية عند مجيء العباسيين على ركام الوجود الأُمَوي.

وبعد أن رفع العباسيون شعارات استقطبت عواطف الأمة الإسلامية الخَيِّرة مستغلةً رفض الأمة الإسلامية للحكم الأُمَوي، في مثل هذه الظروف جاء العباسيون للحكم، ولكن منذ أول مجيئهم تنكَّروا للمبادئ والقيم التي كانوا يَدْعُون إليها، والتي كانت تعيش في ضمير الأمة.

ولذا اعتمدوا نفس الأساليب التي اتَّبعها الأُمَويُّون في التسلُّط على رقاب الناس، ولكن مع اختلافٍ في بعض المَعالم والخصوصيات.

ولذلك نجدُ أنَّ الصراع بين منافسيهم في الساحة السياسيَّة يقتصر على أهل البيت (عليهم السلام)، الذين كانوا يعملون من أجل إقامة حكم إسلامي صحيح، وإنما شملَتْ كذلك أولئك الذين كانوا يسعَون للوصول إلى السلطة.

حتى إنه امتَدَّ هذا الصراع ليصلَ بين العباسيِّين أنفسهم، فقد حصل مثل هذا الصراع بين أبناء أبي جعفر المنصور، الذي كان يُعتبر من أكابر طُغاة التأريخ الإسلامي، بسبب ممارسته لمختلف أساليب القمع والإرهاب ضد الخَيِّريين من أبناء الإسلام، بُغية توطيد دعائم الحكم العباسي.

فقد امتَدَّ هذا الصراع بين أبناء المنصور أنفسهم وبين موسى الهادي الخليفة الذي حكم قبل هارون، والذي كان كان يفكِّر في قتل أخيه هارون لأنه كان يراه المنافس الوحيد له في الحكم، ولكنَّ موته المفاجئ فتح الطريق أمام هارون للمجيء إلى الحكم.

وإن كان في أيام الهادي مطارَداً بسبب معارضته لحكم الهادي، حتى أنَّ الهادي كان يفكر في تصفية هارون جسدياً، ولِمَا يعرف من خصائص طاغوتِيته المتجسِّدة في شخصية هارون.

ولذا عندما استولى هارون على السلطة تمكَّن من أن يقيم دولة طاغوتية لا تختلف في مضمونها الحقيقي - مع قَطْعِ النَّظر عما بقي من الإسلام في أيامه - عن دولة القياصرة أو الأكاسرة، في وقت كانت الأمة الإسلامية لا تزال تعيش مضمون الإسلام في ارتباطها بالله تعالى، والتزامها بهدي القرآن كَأُمَّة، ولذلك اعتمدَ هارون أشد ألوان القمع مع الأمة الإسلامية من أجل فرض هَيْمنته.


الإمام الكاظم (عليه السلام) جاء في أيام هارون الرهيبة

في مثل هذه الأوضاع جاء الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى إمامة المسلمين، وفي وقت يكون رأس الحكم فيه مستعدّاً لارتكاب أفضع الجرائم حتى مع أقرب الناس إليه من أجل فرض هَيمنته.

مضافاً إلى امتلاكه القدرات الكبيرة التي ورثها من آبائه في قمع كل ألوان المعارضة، حتى عُرف عن هارون قوله لابنه المأمون: لو نازعْتَنِي هذا الأمر لأخذتُ الذي فيه عيناك، بمعنى إنه مستعدٌّ لقتل حتى ابنه إذا نازعه على المُلك.

وهذا اللون من التفكير يعيشه رأس النظام الحاكم في العراق، فهو يسعى لاستخدام مختلف أساليب قمع الناس، حتى المقرَّبين منه، من أجل أن يبقى على سَدَّة الحكم، بل وإن اقتضى هذا الأمر لأن يقتل كل الشعب، وهناك قصص أخرى تشير إلى هذا الوضع الإرهابي الذي يعيشه المسلمون المخلصون.

وقضية استشهاد الإمام الكاظم (عليه السلام) إذا أردنا قراءة تفاصيلها التي كتبها التأريخ نجد فيها حقيقة الأوضاع السياسية العامة بمختلف جوانبها والتي أشرنا إليها.


مبايعة هشام بن سالم للإمام الكاظم (عليه السلام)

هشام بن سالم وهو من أصحاب الإمام الكاظم (عليه السلام) المخلِصين، والثقات في كتب الرجال، عندما يروي قصة بيعة الإمام الكاظم (عليه السلام) فإنها تعبِّر عن الأوضاع السياسية التي كان يعيشها أمثال هؤلاء الناس.

حيث يقول هشام بن سالم:

كنَّا في المدينة بعد وفاة الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنا ومحمد بن النعمان - صاحب الطَّاق المعروف وهو من الرجاليِّين المعروفين ومن المتعلِّمين - والناس مجتمعون على عبد الله بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) - وقصة عبد الله ترتبط بالظروف السياسية العامة التي تعيشها الأمة الإسلامية -، حيث إنه لما توفِّي الإمام الصادق (عليه السلام) في زمن المنصور فإن العامة تروي أنه كان لا يفكر في قتل الإمام الصادق (عليه السلام) فحسب، وإنما كان يفكر في قتل وصيه وهو الإمام الكاظم (عليه السلام)، من أجل أن يستأصل الشجرة الطيبة، شجرة أهل البيت (عليهم السلام)، إدراكاً منه أنَّ هذه الشجرة آخذة في النمو، حتى يمكن أن تصل فروعها إلى السماء، لأنها شجرة أصلها ثابت.

ولذلك أخذ يبحث عن وصي الإمام الصادق (عليه السلام)، ولكن الإمام الصادق (عليه السلام) كان يُدرك مَكيدة المنصور هذه، ولذلك أحرج المنصور حينما بلغه أن الإمام الصادق (عليه السلام) قد أوصي لخمسة أشخاص، أولُهم المنصور نفسه، والثاني علي بن داود والي المدينة، والثالث مدير شرطة المدينة، والرابع عبد الله ابن الإمام المعروف بـ(الأفطح)، والخامس الإمام أبو الحسن موسى (عليه السلام).

وبهذه الوصية سَدَّ الإمام الصادق (عليه السلام) الطريق على المنصور في محاولته قتل الإمام الكاظم (عليه السلام)، لأنه ليس وصيَّه الوحيد، خاصة وأنَّ عبد الله الأفطح كان مشهوراً بين الناس باعتباره الابن الأكبر للإمام الصادق (عليه السلام)، ولذا ظنَّت الناس إنه الإمام، ولذلك اجتمعوا حوله.

ولكنَّ علماء الإمامية كانوا يفتِّشون دائماً عن الإمامة القائمة على أُسُس وليسَتْ الوراثة وحدها من هذه الأُسُس، بمعنى أنه لابُدَّ من توفُّر كل المواصفات الشرعية التي وضعت لمعرفة القائد، وأهمُّها العلم والتقوى، بالإضافة إلى صفات أخرى ذكرت في مضانِّها.

ولمَّا كان هشام بن سالم ومحمد بن النعمان من علماء الإمامية - كما ذكرت - لذلك يقول هشام بن سالم:

عندما دخلنا على عبد الله والناس حوله، سألناه عن: (الزكاة فيم تجب؟).

فقال: (في كل مِائتي درهم خمسة)، فقلنا: (ففي مِائة)؟ فقال: (درهمان ونصف)، قلنا: (والله ما تقول المُرجئة بذلك)، أي لا يقول بهذه الفتوى أحد من المسلمين حتى أمثال المُرجئة.

فقال: (والله ما أدري ما تقول المُرجئة)، أي لا أعرف ما تقوله المرجئة.

قال هشام: فخرجنا منه ضلالاً - لاحضوا الوضع الذي كان يعيشه المسلمون - فقعدنا في بعض أزقَّة المدينة نبكي لأننا لا ندري إلى أين نتوجه، إلى المُرجئة، إلى القدريَّة، إلى المُعتزلة، إلى الزيدية.

وبينما نحن كذلك وإذا برجلٍ شيخ لا نعرفه، فأومأ إلينا بيدِه، فَخِفنا منه، إذ لعلَّه من عيون المنصور - لاحِضوا شِدَّة الإرهاب والخوف الذي يعيشه المسلمون آنذاك -، خاصة أنَّ للمنصور في المدينة جواسيس على من يجتمعون بعد وفاة الإمام الصادق (عليه السلام).

فإن من يُضبطون على هذه الحالة تضرب أعناقهم، فقلتُ لمؤمن الطَّاق: إنِّي خائف على نفسي وعليك، وإنَّما هذا الشخص يريدني ولا يريدك، فتنحَّى عنِّي لكي لا تهلَك فتُعِين على نفسك.

وهذه الصورة في الواقع تشبه الحالة التي يعيشها أبناء الشعب العراقي المسلم في هذه الفترة.

يقول: ثم تبعتُ الشيخ لأني ظنَنْتُ أني لا أقدر على الخلاص منه، فما زلتُ أتْبعه وكأني ذاهب إلى الموت، حتى ورد بي على باب أبي الحسن موسى (عليه السلام)، ثم تركني ومضى - لأنه على ما يبدو غير مستعد للدخول - فقال: ادخل رحمك الله، فدخلت.

فإذا أنا بأبي الحسن موسى (عليه السلام)، فابتدأني بالحديث قائلاً:

(إِلَيَّ إِلَيَّ، لاَ إِلى المُرْجِئَةِ، وَلاَ إِلَى الْقدرِيَّةِ، وَلاَ إِلى المُعْتَزِلَةِ، وَلاَ إلى الزَّيْدِيَّةِ، وَلاَ إِلى الخَوَارِجِ).

قلتُ: جُعلت فداك مضى أبوك؟.

قال (عليه السلام): (نَعَمْ).

قلتُ: مَضى موتاً؟.

قال (عليه السلام): (نَعَمْ).

قلتُ: فمَنْ لنا بعده؟، قال (عليه السلام): (إِنْ شَاءَ اللهُ يَهْدِيْكَ هُدَاهُ).

لاحضوا أدب الأئمة (عليهم السلام) وأسلوبهم في التعامل الذي يعبِّر عن محتواهم الحقيقي، إذ إن الإمام (عليه السلام) تركه لعقله وبصيرته ليصل إلى الحقيقة، ولم يحاول أن يلقي عليه بظِلِّه فيؤثِّر عليه بالعاطفة.

فقلتُ: جُعلتُ فِداك، عبدُ الله يزعم أنه إمام بعد أبيه.

فقال (عليه السلام): (عَبْدُ اللهِ لاَ يَعْبُدُ اللهَ).

قلتُ: جُعلتُ فِداك، فَمَن بَعده؟.

فقال (عليه السلام): (إِنْ شَاءَ اللهُ يَهْدِيْكَ هُدَاهُ).

قلتُ: جُعلتُ فِداك، أأنت هو؟.

قال (عليه السلام): (لاَ أُرِيْدُ أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ).

أي إنَّ الإمام (عليه السلام) لا يريد أن يقول: أنا الإمام، فيُؤخذ كلامه كقضية مُسلَّمة، وإنما يريد منه أن يَفحصَ.

فقلتُ في نفسي: إنِّي لم أصب طريق المسألة، فقلت له: جُعلت فداك، أعَليكَ إمام؟.

وهذا نَهْج آخر في السؤال لكي يعرف الحقيقة.

فقال (عليه السلام): (لاَ).

قال هشام بن سالم فدخلَني شيءٌ لا يعلمه إلا الله تعالى إعظاماً له وهيبة، فقلتُ له: جُعلتُ فِداك، أسألُك عمَّا كنتُ أسأل أباك؟.

فقال (عليه السلام): (سَلْ تخير وَلاَ تُذِعْ، فَإِنْ أَذَعْتَ فَهُوَ الذبح).

لاحظوا هذا الجانب الذي يعبِّر عن الإرهاب.

قال: فسألتُه فإذا هو بحرٌ لا يَنْزو، قلتُ: جُعلتُ فِداك، شيعةُ أبيكَ في ضَلال، أَفَأُلْقي إليهم هذا الأمر وأدعوهم إليك فقد أخذت عليَّ الكتمان؟.

قال (عليه السلام): (مَنْ أَمِنْتَ مِنْهُ رُشداً فَالْقِ إِلَيْهِ، وَخُذْ عَلَيْهِ الكِتْمان، فَإِنْ أَذَاعَ فَهُوَ الذبح)، وأشار (عليه السلام) بيده إلى حلقه.

هذه القصة في الواقع تعبِّر عن الحيرة العامة التي كان يعيشها الناس في ذلك العصر من ناحية، وعن الإرهاب الذي كانت تواجهه الأمة من ناحية ثانية.

ومن ناحية ثالثة فإننا نجد الأئمة (عليهم السلام) بالرغم من هذه الظروف الإرهابية فقد كان لهم امتدادات ونفوذ واسع في الأمة، ولم يكن هذا النفوذ في أوساط الجماهير المستضعفة والفقيرة والمحرومة فحسب، وإنما كان يصل إلى بعض الشخصيات المستنفذة في الحكم، حتى أصبح هذا النفوذ يهدِّد الحكم العباسي.


الإرهاب السلطوي ونفوذ الأئمة (عليهم السلام) في الجماهير

إذا فنحن بين صورتين، صورة الإرهاب الذي كانت تعيشه الأمة بسبب ممارسة الطغاة، وصورة هذا النفوذ الواسع للأئمة (عليهم السلام) في أوساط الأمة.

وإن الصورة الثانية كانت تقوم على أساس المبادئ والمُثل، التي لا زالت باقية في الأمة موروثة من النبي (صلى الله عليه وآله).

في حين أن الصورة الأولى وهي التي تمثِّل خط الطغيان والإرهاب والفراعنة الذي كان يعيش في نفوس أولئك الحكام الذين كانوا يريدون فرض وجودهم بالرغم من وجود هذه الجذور الخيِّرة في نفوس الأمة، وبالرغم من المبادئ والقِيَم والمثل التي آمنَتْ بها، وبالرغم من عقيدتها وتأريخها المتصل بوجدانها وضميرها وعواطفها، فإنهم يريدون التسلُّط عليها بكل أساليب القهر والإرهاب والقتل وما أشبه.

وهذا يعني إننا يمكن أن نفهم الصورة من خلال مجموعة من القضايا التي تعبر عن قضية نفوذ الأئمة (عليهم السلام) في أوساط الأمة.

ولذلك يذكر التأريخ شهادات عديدة عن وضع الإمام الكاظم (عليه السلام).


علي بن إسماعيل مع الإمام الكاظم (عليه السلام)

إحدى الشهادات ما تذكره قصة علي - ابن أخ الإمام الكاظم (عليه السلام) -عندما بعث إليه هارون ليستغلَّه في مواجهة الإمام الكاظم (عليه السلام)، فقدم هارون شهادة تثبت امتدادات الإمام الكاظم (عليه السلام) في الأمة بقوله أن الإمام الكاظم (عليه السلام) تُحمل إليه أموال من المشرق والمغرب، وهذا في الواقع يعبِّر عن الامتداد الحي لسيرة للإمام الكاظم (عليه السلام).

والقضية الأخرى التي تعبِّر عن هذه الحقيقة، ما عُرف عن عليٍّ بن يقطين ولابُدَّ أنكم سمعتم بقصَّته كثيراً، فقد كان مدير شرطة هارون، ومدير الشرطة في ذلك الوقت كان بمقام وزير الداخلية في زماننا، لأنه المسؤول عن الأمن بشكل عام.

وقد كان - كما يحدثنا المؤرخون - له ارتباط وثيق بالإمام الكاظم (عليه السلام)، وكان يتلقى التوجيهات منه (عليه السلام)، وقد كان هارون يعتمد عليه بشكل كبير، لأنه لم يعرف بحقيقته وإنما كان يسمع عن ذلك.

ولذلك فقد مَرَّ عليُّ بن يقطين بِعِدَّة تجارب، ولكن ببركة تسديد الإمام الكاظم (عليه السلام) لم يزل أمره خفيّاً حتى على هارون، وقد ذكرت هذه الحقيقة العديد من القصص التي لا يسع المجال لقراءتها.


مساعي يحيى البَرْمَكي لقتل الإمام الكاظم (عليه السلام) لأطماعِ مُستقبَلٍ لم تتحقَّق له

والأهم من ذلك ما ذُكر عن قضية يحيى بن خالد البَرْمكي، وهي كانت الأصل في استشهاد الإمام الكاظم (عليه السلام).

حيث تذكُرُ القصةُ أنَّ هارون دفع بولده محمد الأمين إلى حِجْر جعفر بن محمد بن الأشعث، وقال: إنْ أفْضَتْ إليه الخلافة زالت دولتي ودولة ولدي.

باعتبار أن محمد الأمين هو الابن الأكبر للرشيد، وإذا أفضَتْ إليه الخلافة فسوف يقرِّب مُرَبِّيه وراعي شؤونه، وهذا يعني أنَّ جعفر بن محمد بن الأشعث أصبح هو اليد ليحيى بن خالد البرمكي، خاصة وأن الوزارة في ذلك الوقت بمثابة رئاسة الوزراء في زماننا.

ولذلك قام يحيى بدور خبيث، حيث وَشَى بجعفر بن محمد الأشعث عند هارون بدعوى أنه من أولياء الإمام الكاظم (عليه السلام) ومن المقرَّبين عنده من أجل أن يضرب عنقه.

وهذه القضية تؤكِّد وجود امتدادٍ واسع للإمام الكاظم (عليه السلام)، ليس على مستوى الجماهير وإنما على مستوى السلطة الحاكمة، والتي هي بمثابة رئاسة الوزراء، أي الشخص الثاني في السلطة آنذاك، ولذلك لم يَرَ هارون طريقا أمامه.

وهذا هو شأن الطُّغاة، فإنهم لا يعرفون معنى للتنازل للقِيَم والمبادئ، وإنما نهجهم هو العدوان والإرهاب.

وهذا هو المعلم الثاني في الأوضاع التي تعيشها الأمة في ذلك العصر، حيث نجد هارون يسلك طريق الطغيان، وهو نفس ما يسلكه الطغاة في عصرنا.

ومن يقارن بين سلوك الطغاة في ذلك العصر وفي عصرنا يجد:


أول أهَمِّ مَعالم سلوك الطُّغاة: الإرهاب والقتل

في رأس القائمة: الإرهاب، والقتل على الظنة والتهمة.


ثاني أهَمِّ مَعالم سلوك الطُّغاة: الفَساد

الشيء الآخر هو: الفساد الاجتماعي، لأن هؤلاء الطغاة لا تفكير لهم إلاَّ في إشباع شهواتهم، تاركين كلَّ المبادئ والقيم والعواطف، التي جبلَ اللهُ تعالى الإنسانَ عليها.


ثالث أهَمِّ مَعالم سلوك الطغاة: الخيانة

الشيء الثالث عند الطغاة هو: الخيانة، فالخيانة قد تتجسَّد في ترك المبادئ والتنكُّر لها، وذلك بالتحوُّل من صَفِّ إلى آخر، رغم اعتقادهم بها تحقيقاً لرغباتهم الخسيسة والدنيئة.


رابع أهَمِّ مَعالم سلوك الطغاة: التَّضْليل

الشيء الرابع المميِّز لسلوك الطغاة هو اتِّباعهم أساليب التضليل، وإفساد الضمائر، والاغتيالات، وما أشبه هذه الأساليب التي تخفي في كثير من الأحيان نواياهم الدنيئة تنفيذاً لأغراضهم.

هذه المعالم كلها كانت موجودة في عهد هارون، وقد مورست مع الإمام الكاظم (عليه السلام).

ففيما يتعلَّق بالطغيان فكما قلت: إن هارون لم يمارس طغيانه مع أعدائه ومحاربيه، وإنما مارسه حتى مع خُلَّص أصدقائه ومقرَّبيه.


هارون يقتل الفضلَ البرمكي مع أنه مَهَّدَ لِحُكْمه

من جملة القضايا التي تعبِّر عن هذا الموقف موقفه من الفضل بن يحيى بن خالد، فَكُتُب التأريخ تذكُر أنَّ هارون اعتمد على الفضل في سجن الإمام الكاظم (عليه السلام).

وعندها رأى الفضلُ أنَّ الإمامَ الكاظم (عليه السلام) ليس صراعه مع هارون على السلطة، وإنما صراعه على المبادئ - وهذا الذي أشرت إليه سابقاً من أنَّ الأمة الإسلامية لا يزال فيها بقية من المبادئ والقِيَم التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله) – لأنه كان يتنصت للإمام (عليه السلام) حتى في دعائه، ولكن لم يسمع منه دعاءً واحداً عليه، أو حتى على الخليفة العباسي آنذاك، فهذا مما جعله واثقاً من ذلك.

ولذلك كان هَمُّ الإمام (عليه السلام) التوجه إلى الله تعالى وهو في السجن، حيث اعتبَرَه فرصة للتفرُّغ إلى عبادة الله تعالى.

ولذلك تردَّدَ الفضلُ في تنفيذ طلب هارون بقتل الإمام الكاظم (عليه السلام)، ولذلك اغتاضَ هارون.

بل الأكثر من ذلك أنَّ الفضل قد وسَّع على الإمام (عليه السلام) في سجنه، فبلغ هارون ذلك وهو في الرقة، فكتب إلى الفضل ينكر عليه توسيعه على الإمام (عليه السلام) وأمره بقتله، ولكن الفضل توقَّف عن تنفيذ هذا الأمر.

ولذلك دعا هارون مسرور الخادم - لاحظوا روح الطغيان والعداوة في نفس هارون - فقال له: اخرج على البريد إلى بغداد - أي على الخيل، لأنها كانت تتحمل آنذاك في المهمَّات السريعة - وادخل من فورك على موسى بن جعفر، فإن وجدتَه في دِعة ورَفَاهية فأوصل هذا الكتاب إلى العباس بن محمد، وامُرْهُ بامتثال ما فيه.

والعباس هذا كان مسؤول السجن، وسلَّم إليه كتاباً آخر إلى السندي بن شامل يأمره فيه بطاعة العباس بن محمد، فقَدِمَ مسرورٌ بغدادَ، حتى نزل دار الفضل وهو لا يدري ما يريد مسرور.

ثم دخل مسرور على الإمام الكاظم (عليه السلام) فوجده على ما بلغ هارون، فمضى من فوره إلى العباس بن محمد تنفيذاً لأمر هارون، وأوصل إليه وإلى السندي بن شامل الكتابين.

وهنا استدعى العباسُ بن محمد الفضلَ بن يحيى إلى مقرِّه، حتى أُدخِل عليه وهو دَهِشٌ، فلمَّا مثل بين يديه دعا بِسِياط وعقابين، وجَرَّدَه من ثيابه، وأمَر السندي بضربه مِائة سوط.

ومعروف أنَّ الفضل هذا هو بن يحيى رئيس الوزراء في ذلك الوقت، ومع ذلك تعامل هارون معه بهذه القسوة، والحال أنه لم يرتكب جريمة بحق الشعب، وإنَّما لأنه رَقَّ على الإمام الكاظم (عليه السلام)، ورفض تنفيذ الجريمة الوحشية في قتل الإمام الكاظم (عليه السلام).

فهو لم يضربه لأنه - مثلاً - نهب أموالَ الناس، أو اعتدى على أعراضهم، وإنما ضربه لأنه تحرَّك ضميره بما يرتبط بالمُثُل الإسلامية، وهذا ما لا ينسجم مع إرادة السلطة الحاكمة.

ثم خرج الفضل، فغيَّر اللون وجعل يسلِّم على الناس يميناً وشمالاً، وكأنه فاقد العقل.

وهذا واحد من ألوان الإرهاب التي كان يمارسها هارون.


هارون نقلَ الإمامَ الكاظم (عليه السلام) مِن سِجن إلى سِجن

أما فيما يتعلق بموقف هارون من الإمام (عليه السلام) فقد أمر بنقل الإمام إلى سجن جعفر بن عيسى.

ولكن جعفراً عندما شاهد عبادة الإمام (عليه السلام) وتهجُّدِه تأثَّر بها، حتى رفض طلب هارون بقتله بعد أن استشار جعفر أصحابه.

وهذا يدلِّل على عُمق نفوذ الإمام (عليه السلام) في الأمَّة، بحيث فرض (عليه السلام) على جعفر استشارة أصحابه حتى أشاروا عليه بالرفض، مع أن جعفراً هذا هو من أبناء عمومة هارون، ولذلك لم يتمكن هارون من قتله خوفاً من حصول بَلْبَلَة في الأسرة الحاكمة.

ولذلك أمر بإرجاع الإمام (عليه السلام) إلى سجن الفضل بن يحيى وحاول قتله فيه، ولكن لم يتمكن حتى نقله إلى سجن السندي - كما تعرفون -، فلاحَقَه فيه.

لاحِضوا طغيان هارون واستبداده تجاه الأُمَّة، ومدى الفساد الذي كان يحاول إشاعته في صُفوف الناس، في وقت يُسمِّي المؤرخون عصر هارون بـ(العَصْر الذَّهَبي)، لأنهم ينظرون إلى زَبارج الدنيا لا إلى حقيقة ما يجري فيها، وهذا هو الشيء المأساوي في التأريخ.

كما أن هؤلاء المؤرخين يصفون عهد الفراعنة بعهد التقدم، والحال أن أولئك الفراعنة قد بنَوا أهراماتهم على دماء وعَرَق المستضعفين.

ثم إنَّ عصر هارون هذا الذي ينعتوه بـ(الذَّهَبي) نجد أن رئيس الوزراء فيه - مع قطع النظر عن شخصية هارون وكيف جاء إلى السلطة - يفكر بعقلية الانتقام، وتصفية محمد بن الأشعث، لأنه خاف من أنه في المستقبل يكون منافساً له، ولذلك فهو يسعى لارتكاب أفضع الجرائم، وبأَخَسِّ الأساليب، من أجل تصفية محمد بن الأشعث، ولذا نجده يرتكب أفضع جريمة وهي جريمة قتل الإمام الكاظم (عليه السلام).

وإذا أردتُ أن أقرأ عليكم تفاصيل القصة يطول بنا المقام، ولكن المهمَّ أنه توسَّل بعدة وسائل حتى قتله بيده.


مقتل الإمام الكاظم (عليه السلام)

وبعدها ذهب يحيى بن خالد إلى هارون وقال له: إن ابني الفضل شاب حَدَث لا، يعرف كيف يتصرف، فلماذا وقفت منه هذا الموقف؟، وبدلاً من أن يعتذر منه أو يجامله جلس هارون مجلساً عاماً ولعن الفضل، وقال: لقد خرج عن طاعتي فالعنوه، ولذا لعنه الناس.

ولما رأى خالد بأن ملكه سينهار جاء إلى هارون وقال له: إن ولدي حدث وأنا كفيل المؤونة، أتريد أن أقتل موسى؟، فذهب إلى سجن السندي بن شامل ودسَّ للإمام (عليه السلام) السُّم على يد السندي.

لاحظوا هذا اللَّون من إغطاط المعنويات التي كان يعيشها قادة الحكم في ذلك العصر من الدناءة والخِسَّة، والبعد عن الإسلام، وموت الضمير، فإنه مستعد لموت الإمام الكاظم (عليه السلام)، ويقوم بهذا العمل الشنيع لمجرد قضية مستقبلية؟.

أي على فرض موت هارون ومجيء ولده الأمين فإنه سيسلِّط محمد بن الأشعث، وبالتالي سيذهب سلطانه.

ولذلك كانت عقوبة الله تعالى أنِ انتقَمَ - كما تعرفون - من يحيى بن خالد ومن كل أسرته، حيث قام هارون نفسُه بقتلهم جميعاً، ولم يبق منهم امرأة ولا كبيراً بل ولا حتى طفلاً، وسَلَب كل أموالهم وأصبحوا في لفتة من التأريخ حتى يومنا هذا في القضية المعروفة في التأريخ بـ (نكبة البرامكة).

وهي تعبِّر عن لون من ألوان طغيان هارون وسلوكه مع أصدقائه، الذين وَطَّدوا دعائم مُلكه، فخالد مع استعداده لقتل الإمام الكاظم (عليه السلام)، ولكن لمَّا عرف منه تفكيره بالسلطان اتخذ هذا الموقف، لأنه لا تفكير له إلا بالسلطة.

وهذا في الواقع هو الفرق في تقييم الإسلام للنظام والمجتمع وبين تقييم المدارس المادِّية، فالإسلام يسعى لإقامة الحكم على أساس القِيَم والمُثُل والمعنويات المنسجمة مع توجُّهَات الإنسان، أما المدارس المادِّية فتقيم حكمها على أساس ما تملكه من قُدرات وأموال وأُبَّهَة، دون أن تفكر في محتوى الحكم، ولذلك نجد الخيانات الكبرى التي ارتُكِبَت.


خيانة علي ابن إسماعيل للإمام الكاظم (عليه السلام) من أبشع الخيانات

من أبشع هذه الخيانات خيانة علي بن إسماعيل، ابن أخ الإمام الكاظم (عليه السلام)، وهو من المقرَّبين للإمام الكاظم (عليه السلام).

وكان (عليه السلام) ينفق عليه حتى لحظة استدعاء خالد بن يحيى له إلى بغداد، ليستغلَّه في الحصول على معلومات عن الإمام (عليه السلام)، في تلك اللحظات طلب الإمام (عليه السلام) منه عدم الذهاب إلى بغداد، وأنَّه (عليه السلام) مستعد لتحمل كل المسؤولية، والإنفاق عليه ووفاء ديونه، وما أشبه ذلك من الأمور التي كان يتذرَّع فيها علي بن إسماعيل.

ولكن مع ذلك أصرَّ على موقفه في الذهاب إلى بغداد، وأمل في الحصول على المال وإن خان أهل البيت (عليهم السلام) وعَرَّض الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى القتل.

وفعلاً علي بن إسماعيل ذهب إلى بغداد والقصة طويلة، ولكنَّ أهمَّ ما ذُكر عن الإمام (عليه السلام) إنه تُنْقَل إليه (عليه السلام) الأموال من المشرق والمغرب، فأمر له هارون بِهِبات، ولكن قبل أن تَصِلَه ابتلاه الله تعالى بالزحر حتى مات.

هذا لون من ألوان الخيانة التي تعبِّر عن وجود ذوي الضمائر الميتة والخسيسة من أجل تحقيق أغراضهم الدنيئة.

وهناك مجموعة من القصص التي تذكر فيما يتعلق بموقف هارون من الإمام الكاظم (عليه السلام) التي تمثِّل فيها الخيانة.


طَلبُ السِّندي مِن بعض العلماء شَهادتهم على أنَّ الإمام (عليه السلام) ماتَ مِيتةً طبيعية

تبرز الخيانة أيضاً في قضية استشهاد الإمام الكاظم (عليه السلام) من خلال ما قام به علماء السوء الذين استحضرهم السندي بن شاهك بعد مقتل الإمام (عليه السلام)، وطلب منهم أن يشهدوا ويوقِّعوا أن الإمام قد مات مِيتة طبيعية، بلا جرح أو خَنق أو سم، وقد قاموا بذلك، ومنهم الحسن بن الهيثم.

ويبدو أن هناك جماعة منهم من علماء الخضير، والذين كان لهم دور في إسناد الحكَّام آنذاك، ولهم نماذج كثيرة في العراق وخارجه، مبرِّرين تصرفاتهم لكي لا يواجهوا الأمة بوجهٍ صَريح، وإنما يسلكون سُبُل التَّحايُل على الأمة لتضليلها.

حتى أنَّهم ادَّعَوا أنَّ سجن هارون للإمام الكاظم (عليه السلام) إنما هو بسبب خروجه على ولي الأمر الذي هو الخليفة.

وهذا الموضوع طويل، سأشير إليه بشكل مختصر، وإلى آثاره التي ترتبت على موقف الإمام الكاظم (عليه السلام).


مأساة العلماء في العراق تشبه مأساة الإمام الكاظم (عليه السلام)

نحن في الوقت الذي نتألم فيه لشهادة الإمام الكاظم (عليه السلام)، وبسبب المأساة التي عاشها، والتي تشبه إلى حَدٍّ كبير المأساة التي يعيشها علماء العراق، وفي مقدمتهم سيدنا الشهيد الصدر (قدّس سرّه)، الذي عاش في العراق وعاشها من بعده العديد من الأعلام.

في هذا الوقت نجد لشهادة الإمام الكاظم (عليه السلام) أثرا عظيماً في التأريخ، سواء المتصل به (عليه السلام) أو المتصل بأولاده.

عندما نجد أن أحد أولاده (عليه السلام) قد مَكَّنه الله تعالى من إقامة دولة إسلامية عظيمة تواجه الشرق والغرب، وتهزُّ ضمير الأمة وتوعيها، وتجعل دولة الاستكبار العالمي في حيرة، وهو سائر على نفس المنهج الذي سار عليه الإمام الكاظم (عليه السلام) لإقامة دولة الحق على يد إمام العصر (عَجَّل الله تعالى فَرَجَه) الذي يملأ الأرض قِسطاً وعَدلاً، نجد الإمام الكاظم (عليه السلام) يسعى لتأصيل الخط الإسلامي في الأمة التي بدأت تتحرك، الأمر الذي أدَّى إلى بقاء هذا الخط حتى يومنا هذا.


الانتفاضات الدَّاعية إلى الرِّضا (عليه السلام) من آل محمد (صلى الله عليه وآله) بعد موت هارون

نجد بعد موت هارون قامت الأمة بانتفاضات واسعة تدعو للرِّضا من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، فاضطرَّ المأمون إلى أن يأتى بالإمام الرضا (عليه السلام) كخليفة بدله، بغية استيعاب هذا التحرك الجماهيري الواسع.

والإمام الرضا (عليه السلام) كان يعرف أنَّ تصرف المأمون هذا قضية سياسية لها واقع، لأن المأمون غير مخلص في تصرفه هذا ولذلك رفض في أول الأمر، ولكنَّ إلحاح المأمون بذلك اضطرَّ الإمام الرضا (عليه السلام) إلى الاستجابة، ولكن بشرط أن يكون والي عهدٍ له.

ونحن لا نريد من هذا المقام الدخول في قضية ولاية العهد من هذه الزاوية، وإنما ننظر إليها من زاوية كونها تعبِّر عن أنها نتيجة للتحرك الجماهيري الواسع الذي اضطرَّ السلطة أن تخضع لها متحايلة على الجماهير، ولاستيعاب مثل هذه الانتفاضات الجماهيرية الداعية إلى الإمام الرضا (عليه السلام) من آل محمد (صلى الله عليه وآله) إن أدَّت هذه الانتفاضات إلى إقامة دويلات هنا وهناك كالتي أقيمت في مصر.


الانتفاضات كان لها دور في تأصيل خطِّ أهل البيت (عليهم السلام)

كان للانتفاضات أثر كبير في تأصيل خط أهل البيت (عليهم السلام)، وبثِّ الوعي الإسلامي في الأمة، بحيث أصبحَتْ غير مستعدة للتخلي عن خط أهل البيت (عليهم السلام).

وقد تأصل هذا الخط في الأمة عن طريق وجود العلماء والمرجعيات التي تجذَّرت في الأمة حتى يومنا الحاضر، وحتى انتهى الأمر إلى انتصار الثورة الإسلامية وتأسيس هذه الجمهورية الإسلامية.

وهذه الحقيقة قضية طبيعية لأصل التحرك الإسلامي في الأمة، حيث توجد علاقة طبيعية وقانونية أوجدها الله تعالى في المجتمع الإنساني عبر قوانين اجتماعية تحكم المجتمع من خلال التضحيات والدماء التي تقدمها الأمة.

ولذلك فليس صدفة أو اتفاقاً أن يكون هناك ترابط بين هذه الأحداث وبين التضحيات التي تقدمها الأمة، ولذلك فنحن عندما ندعو إلى الجهاد والشهادة وإلى البذل باعتبار وجود هذه العلاقة الطبيعية التي تحكم التأريخ والتي وضعها الله تعالى في هذا العالم، والتي تفعل فعلها في الأمة.

فإن الله سبحانه وتعالى يكتب النصر عندما يكون في الأمة تحرك بالاتجاه الصحيح نحو الله تعالى، وعندما تكون هناك تضحيات على مستوى الشهادة، مضافاً إلى الجانب الذاتي المتمثِّل بأنها - أي الشهادة - تعني لقاء الله تعالى وترتبط به.

وإن هذه الحقائق قد وصفها الله تعالى منذ أن خَلَق الخلق، وطُرحت في الوجود قضيةُ الصراع بين الحق والباطل الذي تجسَّد في أول صورة بالصراع الذي حصل بين ابْنَي آدم (عليه السلام)، حتى قتل هابيلَ قابيلُ بحجة أنهما قَرَّبا قُرباناً فتقبَّل الله من هابيل بسبب تقواه، ولم يتقبل من الآخر بسبب باطله، منذ ذلك الوقت بقيت قضية صراع الحق مع الباطل قضية مطروحة حتى يبعث الله تعالى الناس في الحشر.

أسأله سبحانه أن يجعلنا ممَّن يسير دائماً على هذا الخط، خط الأئمة (عليهم السلام)، خط الإمام الكاظم (عليه السلام)، خط الشهادة والبذل والتضحية.

كما نسأله سبحانه أن يعجِّل النصر لهذا الخط على الباطل خط أعداء الله وخط الاستكبار العالمي.

كما ونسأله تعالى أن يحقق النصر العاجل للقوات الإسلامية على قوات المجرم طاغية العراق صدام.

ونسأله تعالى أن يتغمَّد شهداءنا الأبرار جميعاً برحمته ورضوانه.

ونسأله تعالى أن يوفقَكم جميعاً لمراضيه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

____________

1- سورة القصص: 4 - 5.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية