موقع الإمام الصادق(عليه السلام) بين أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وأتباعهم | دور مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في الحفاظ على الشريعة الإسلامية | مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) والقرآن الكريم | الخطر الذي واجهته السنة الشريفة | مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) والسنة الشريفة | ارتباط الإمام الصادق(عليه السلام) بالمدارس الأُخرى | دور مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) في الحفاظ على هوية الأُمَّة الإسلامية | وحدة الأُمَّة الإسلامية | الاتجاهات الفكرية والثقافات المتعددة  
 
 
 

محاضرة ألقاها سماحة شهيد المحراب السيد الحكيم (قدّس سرّه) في مكتبه بقم
وذلك بتاريخ 28/10/1415 هـ ق، الموافق 30/3/1995 م


دور مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في الحفاظ على الشريعة وهوية الأُمَّة


بسم الله الرحمن الرحيم

مرت علينا قبل ثلاثة أيام شهادة إمامنا السادس الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، الذي عمل على توسيع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) التي أسسها الإمام الباقر(عليه السلام).

وسؤالنا اليوم لسماحة السيد الحكيم (حفظه الله) هو:

ما هو دور مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في الحفاظ على الشريعة الإسلامية؟

وما هو دورها في الحفاظ على هوية الأُمَّة الإسلامية، فقد حاول المستكبرون منذ زمن قديم أن يذوِّبوا هذه الأُمَّة؟

السيد الحكيم:

دور مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في الحفاظ على الشريعة وهوية الأُمَّة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين، حبيب إله العالمين، أبي القاسم محمد (صلى الله عليه وآله)، وعلى آله الطيبين الطاهرين. والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق الأمين، والسلام على بقية الله في أرضه الحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف). والسلام على شهداء الإسلام في كل مكان منذ الصدر الأول للإسلام وحتى شهداء هذا العصر. والسلام على سادتي العلماء وإخواني المؤمنين الكرام ورحمة الله وبركاته.

في البداية أتقدم لكل السادة الأفاضل والإخوة الأعزاء بالتعزية بمناسبة شهادة مولانا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، حيث نعيش هذه الأيام ذكراها على بعض الروايات، وقد اعتاد شيعة أهل البيت (عليهم السلام) أن يحيوا هذه الذكرى في مثل هذه الأيام الشريفة.


موقع الإمام الصادق (عليه السلام) بين أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم:

والإمام الصادق (عليه السلام) له موقع خاص في أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، حيث إنه كان من جملة الأئمة الذين طال بهم العمر نسبياً، ولعله أطول الأئمة عمراً باستثناء إمامنا وسيدنا الإمام الحجة (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، الذي هو أطول الأئمة عمراً على الإطلاق، وبالتالي فكانت هناك فترة زمنية مناسبة للإمام الصادق (عليه السلام)، بالإضافة إلى الظروف السياسية التي أحاطت به اقتضت أن يكون له هذا الموقع الخاص بين أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث تحمل المسؤوليات وقام بأدوار مهمة للدفاع عن الإسلام، وبناء الأُمَّة والمحافظة على وجودها وكيانها، إلى غير ذلك من الأهداف التي كانت لها علاقة بأُطروحة أهل البيت (عليهم السلام).

كما إن للإمام الصادق (عليه السلام) موقعاً خاصاً عند أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، حيث إنهم - بشكل عام - يعرفون بـ (الجعفرية)، وبالانتساب إليه انتساباً مذهبياً بالرغم من أنهم ينتسبون للأئمة الاثني عشر(عليهم السلام)، إلاّ أنه باعتبار هذا الموقع الخاص يعرف أتباع الأئمة الاثني عشر بـ (الجعفرية)، لانتسابهم للإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام).

والحديث عن دوره وشخصيته حديث واسع، وقد وردت في ذلك روايات كثيرة، فعندما نرجع للبحار - الذي حاول كاتبه أن يجمع تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) - نجد أن هناك عدداً من الروايات منسوبة للإمام الصادق (عليه السلام) أكثر من العدد المنسوب إلى بقية الأئمة باستثناء الإمام الحسين (عليه السلام)، وأمير المؤمنين (عليه السلام).كما إن هناك الكثير من الكتب المؤلفة في الإمام الصادق (عليه السلام)، سواء من شيعته أم من أصحاب المذاهب الأُخرى، حيث أُلفت هذه الكتب فيه وفي مدرسته وتلامذته الذين درسوا مختلف العلوم الدينية، وحتى العلوم الطبيعية كالكيمياء، وقد اشتهر في ذلك جابر بن حيان الذي يعتبر من طلاب الإمام الصادق (عليه السلام).

وسوف أُركز على النقطتين اللتين أُشيرتا في هذا السؤال، والحديث فيهما عن الإمام الصادق (عليه السلام) هو حديث عن الإمام الباقر (عليه السلام)، ويمكن أن يكون حديثاً عن الأئمة (عليهم السلام) في مختلف أدوارهم، على اختلاف في الحكم والحجم والظروف والخصوصيات.


دور مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في الحفاظ على الشريعة الإسلامية

النقطة الأولى: المحافظة على الشريعة الإسلامية.

فالشريعة الإسلامية واجهت بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) خطر الضياع من ناحيتين: ناحية القرآن الكريم، وناحية السنة. حيث إن مصدر الشريعة الإسلامية هو القرآن الكريم والسنة النبوية وما صدر من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شرح القرآن الكريم وبيان تفاصيل الشريعة بشكل مباشر من قبله (صلى الله عليه وآله)، حيث يمثل كلامه (صلى الله عليه وآله) وفعله وحياً إلهياً يعبر عن الشريعة، حيث إنه لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل فعلاً عن هوى، ولا يُمضي ولا يسكت عن شيء عن هوى، بل كله وحي يوحى من الله سبحانه وتعالى(1)، باعتبار خصوصيات العصمة في رسول الله (صلى الله عليه وآله).

أما القرآن الكريم فقد واجه مشكلة تفسيره وتأويله وفهمه، حيث إن المسلمين منذ البداية وفي زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) دونوا القرآن وحفظوه، وكان هذا الحفظ من قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولذلك لم يكن هناك خطر من ناحية نص القرآن الكريم، وذلك للعناية الربانية: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}(2)، ولكن كان هناك خطر حقيقي بالنسبة للقرآن الكريم في أن يتغير ويحرّف من حيث المضمون والتفسير والتأويل، والتوجيه والتطبيق له على اختلاف الظروف التي مر بها المسلمون.

ولذلك نجد الآن آثار هذا الخطر فيما وردنا من تراث حول تفسيره، فعندما يقرأ الإنسان هذه التفاسير والكتب يجد هذا الخطر واضحاً، حيث تختلف هذه التفسيرات والتأويلات والاستظهارات والاستنباطات والتطبيقات اختلافاً بيناً.


مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والقرآن الكريم

ومن هنا يمكن أن نعرف الدور العظيم الذي قام به أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وخصوصاً الإمام علي (عليه السلام) الذي كان له دور تأسيسي في هذا المجال، وكانت هناك فرصة عظيمة للإمام الصادق (عليه السلام) في إبراز هذا الدور، وبيان أن القرآن الكريم ينبغي أن يؤخذ منهم (عليهم السلام)، ومن مدرستهم; لأنهم أهل القرآن وهم المخاطبون به، وهم الذين يعرفون تفسيره وتأويله، وما يؤول إليه في الماضي والحاضر والمستقبل في مجمل حركة التاريخ والمسلمين، وحركة الإنسان في حياته الدنيوية والأُخروية.

وعندما نرجع لكتب الحديث نجد أن الإمام الصادق (عليه السلام) له دور عظيم في توضيح هذه الحقيقة، سواء بالنسبة لدور أمير المؤمنين (عليه السلام)، أم الأدوار التي قام بها الأئمة (عليهم السلام)، وكذلك له دور في إرجاع المسلمين إلى القرآن الكريم في مقام الاستنباط، حيث إن بعض المسلمين انصرف عن القرآن الكريم ورجع إلى الاستحسان والرأي والذوق والظنون والشبهات والأوهام.

والإمام الصادق (عليه السلام) كان له دور عظيم في التأكيد على أهمية الرجوع إلى القرآن الكريم رجوعاً ينسجم مع فهم أهل البيت (عليهم السلام) للقرآن الكريم وطريقة الاستنباط منه; لأن القرآن الكريم له طريقة معينة في الفهم أوضحها أهل البيت (عليهم السلام)، ففيه المجمل والمبين، والمطلق والمقيد، والعام والخاص، والناسخ والمنسوخ.

فعندما يريد أن يستنبط الفقيه من الآية الكريمة لابد أن يرجع إلى الخاص والعام في الوقت نفسه، حتى يمكنه أن يفهم القرآن فهماً كاملاً، أما الرجوع إلى أحدهما من دون الجمع بين الآيتين فهو عملية غير صحيحة، وهذا ما نبه عليه أهل البيت (عليهم السلام).

وعندما نرجع إلى الروايات وإلى الموقف العام للإمام الصادق (عليه السلام) في مجمل الأوضاع المعاشة فقهياً وعلى مستوى الشريعة، نجد له دوراً عظيماً جداً في حفظ القرآن الكريم بهذا المستوى.


الخطر الذي واجهته السنة الشريفة

وأما السنة فقد واجهت خطراً عظيماً بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو خطر أكبر من الخطر الذي واجهه القرآن الكريم، حيث واجهت السنة الخطر في حفظها فضلاً عن مسألة تفسيرها وتأويلها، من قبيل الكذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والإضافة والتحريف.

والقرآن الكريم لم يواجه هذا الخطر، بل حُفظ بنصه من دون زيادة أو نقيصة، لكن السنة النبوية واجهت خطراً عظيماً في هذا المجال.

فقد اتخذ الخليفة الثاني قراراً بمنع المسلمين عن تدوين السنة، وبقيت السنة موجودة في صدور الناس وأذهانهم، فقد تعرضت السنة لخطر، إما عن قصد أو عن غير قصد، للاشتباه أو للنسيان أو لأسباب أُخرى.

فقد كانت هناك أغراض شخصية أو سياسية، أو نتيجة لشهوات، أو شراء الضمائر بالأموال، كما حدث ذلك في زمن معاوية الذي كان يدفع أموالاً ضخمة لأشخاص ويطلب منهم أن يصنعوا الحديث على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهناك أسباب أُخرى متعددة.

ولذلك نجد السنة قد تعرضت إلى خطر عظيم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، بسبب هذا الإجراء الذي أدى إلى عدم ضبط السنة وتدوينها من ناحية، وتركها إلى هذا البحر المتلاطم من الأغراض والأهواء والشهوات والنسيان من ناحية أُخرى.

وبقيت السنة لفترة طويلة لا يسمح بتدوينها، إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فبدأ بتدوين السنة.

وهذه الفترة شبيهة بالفترة التي مضت على انتقال المسيح (عليه السلام) إلى ربه، إلى أن وجدت فرصة للحواريين في أن يتحدثوا للناس، وهناك فترة سبعين أو خمس وسبعين سنة مرت بين انتقال المسيح وحصول هذه الفرصة للحواريين.

وهذا الأمر أدى إلى ضياع المسيحية، وحصول تشويش وخلط لدى الناس في فهم المسيحية، فقد قام (بولس) بدور عجيب في تشويه المسيحية. والمسيحية الموجودة الآن من الأفضل أن نطلق عليها بـ (البوليسية); لأنها ليست منسوبة إلى المسيح، وإنما منسوبة إلى بولس في أفكاره ونظرياته وفهمه.

وما قدمه بولس للعالم باسم المسيحية هو المتداول الآن بين المسيحيين بسبب هذه الفترة الزمنية، التي كانت بين انتقال المسيح (عليه السلام) وبين وجود فرصة للحواريين في أن يتحدثوا مع الناس.

وهذا الخطر واجه الشريعة الإسلامية في مجال السنة. ومجال السنة واسع، ففيها التفصيلات والتفريعات.


مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والسنة الشريفة

وكان أهل البيت (عليهم السلام) هم الذين حفظوا الشريعة، فقد دون الإمام علي (عليه السلام) كل ما سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكان يقول: «حتى أرش الخدش»، أي إنّ الإمام عليا (عليه السلام) سجل حتى حكم الخدشة البسيطة التي تصيب الإنسان.

وقد كان الإمام علي (عليه السلام) يجلس مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) جلسات طويلة ويسمع منه هذه التفاصيل ويدوّنها، وبقي أهل البيت (عليهم السلام) يتناقلون هذا الأمر واحداً من الآخر حتى زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، الذي قام ببيان هذا الأمر إلى الناس في مدرسة واسعة كبيرة، يقول فيها المحدث، عندما يدخل مسجد الكوفة: «إني دخلت المسجد فوجدت أربعة آلاف شيخ كل واحد يقول: حدثني جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)».

وقد قامت هذه المدرسة بنشر السنة الصحيحة وبيان تفاصيلها وخصوصياتها، فأدّى ذلك إلى أن يهيمن الإمام الصادق (عليه السلام) على كل المدارس الفقهية التي كانت موجودة في ذلك الوقت.


ارتباط الإمام الصادق (عليه السلام) بالمدارس الأُخرى

وهناك ارتباط بين عمل الإمام الصادق (عليه السلام) وبين مجمل ما هو موجود في المدارس الفقهية في زماننا، بحيث إن دور الإمام الصادق (عليه السلام) حفظ هذا القدر من الصحة الموجودة في المدارس الفقهية للعالم الإسلامي، بحيث لولا الإمام الصادق (عليه السلام) لضاع هذه القدر الموجود من الصحة في المدارس الأُخرى.

فأنس بن مالك الذي هو تلميذ الإمام (عليه السلام)، هو أول من دون الفقه على شكل الحديث، وبقي كتابه حتى الآن متداول، ويمكن أن نفترض بأن أنس إنما عمد للقيام بمثل هذا العمل باعتبار الخط الذي رسمه الإمام الصادق (عليه السلام)، والتوجيه والهواية منه، بحيث أدّى إلى أن يقوم أنس بهذا العمل، وبهذا الدور حفظ الفقه ولو بشكل نسبي، ويعتبر كتابه الآن من أهم المصادر المعروفة بين المذاهب الإسلامية والسنية.


دور مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في الحفاظ على هوية الأُمَّة الإسلامية

النقطة الثانية: المحافظة على هوية الأُمَّة الإسلامية. أما في موضوع حفظ الأُمَّة الإسلامية والدفاع عن وحدتها، فهناك مجموعة من الأعمال العظيمة التي قام بها أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المجال، وسوف أُشير إلى عملين رئيسيين فقط لعدم وجود فرصة لتناول كل الأعمال:


وحدة الأُمَّة الإسلامية

العمل الأول: وكان على مستوى حفظ وحدة الأُمَّة، حيث برزت في العصور الأُولى للدولة الإسلامية مشكلة عويصة ومعقدة، وهي مشكلة القوميات في هذه المجتمع الكبير، ولم يكن للدولة إمكانيات يمكن أن تجمع بها هذه القوميات المختلفة، من فارسية ورومية وأقباط وأحباش، فضلاً عن العرب الذين كان منطلق الإسلام من بلادهم. فانتشر الإسلام في مختلف القوميات.

وقد واجه هذا الانتشار مشكلة، وهي حفظ هذه القوميات بثقافتها واتجاهاتها النفسية والعاطفية، وقضاياها اللغوية والسياسية، فانعكست هذه المشكلة على الأُمَّة الإسلامية، كانعكاسها على اللغة العربية، ثم على الحالة السياسية، ثم على العلاقات الاجتماعية بين هؤلاء الناس.

وعندما ندرس الحالة الغربية، نجد أمريكا - مثلاً - التي تعتبر أكبر بلد في العالم الغربي، وتعتبر قاعدة العالم الغربي، بعد حروب طويلة و معقدة على أساس الحرب العنصرية بين السود والبيض، لم تتمكن أن تتغلب على حالة الفصل العنصري، ولا زال هناك أُناس كثيرون ومجتمعات في الولايات المتحدة تعيش حالة انفصال نفسي وروحي بعضها عن البعض الآخر.

فالأبيض غير مستعد أن يتعايش مع الأسود، ويقوم بإجراءات قاسية وشديدة ضده، فمثلاً تجري إجراءات قاسية في معظم المستشفيات الأمريكية لقتل أبناء السود، سواء على مستوى الإجهاض أم قتل الطفل بعد ولادته بطريقة ما، من أجل أن لا يزداد عدد السود في الولايات المتحدة الأمريكية. فالسود يحاربون ويعزلون في أوساط معينة.

وفي الحرب العالمية الثانية دخل العالم كله في صراع معقد، وأوربا كانت في أوج تقدمها وعظمتها، فدخلت في حرب مدمرة لأسباب عنصرية. والحرب النازية التي قادها هتلر كانت لأسباب قومية.

فالمشكلة القومية ليست هينة وبسيطة، والعالم الإسلامي واجهها بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووجدنا بعض مايسمى بقادة العالم الإسلامي يحاول أن يتخذ قرار إبادة مطلقة. وقد كان عمر بن الخطاب يفكر بذلك، ولكن منعه بعض الصحابة، حيث أراد عمر أن يقتل الناس المسمون بـ (الحمر)، وهم غير السمر من عرب الجزيرة العربية، وكان عمر يقول: إن هؤلاء تغلبوا على الأسواق وعلى الأوضاع الاجتماعية في البصرة والمدينة ومكة.

وفي زمن معاوية، اتخذ معاوية قراراً بذلك، ولكن تدخل بعض الناس لإيقاف هذا القرار، فوجد نفسه غير قادر على تنفيذه. هذا فضلاً عن الصراعات التي كانت تدور بين العرب أنفسهم، بسبب الحالة العنصرية أو القومية أو القبلية.

وكان لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) - خصوصاً الإمام الصادق (عليه السلام) - دور عظيم في حفظ وحدة الأُمَّة الإسلامية في هذا المجال.

وعندما يذهب الشيعي حاجاً لمكة المكرمة لا يشعر بأي شيء يمس قلبه عندما يجلس إلى جانبه رجل أسود; لأنّ الإنسان المسلم لا يرى أي إباء في أن يتعايش مع أي لون من الألوان.

نعم قد تكون هناك حساسية تجاه ثقافة أو أخلاق أو سلوك، لكن لا توجد هناك حساسية من كون هذا أسود أو أبيض، وقد كانت هذه العملية معقدة، لكن أهل البيت (عليهم السلام) كان لهم دور عظيم في حفظ الوحدة الإسلامية.


الاتجاهات الفكرية والثقافات المتعددة

العمل الثاني: الاتجاهات الفكرية والثقافات التي غزت العالم الإسلامي، بسبب توسع الدولة الإسلامية، فالفرس لهم فلسفة وثقافة، وكذلك الرومان والهنود والمصريون.

وفي البداية اتخذ الخليفة الثاني عندما صدم بهذه المشكلة قرارين:

الأول: قرار سياسي، فلم يسمح لأي شخص في أن يتكلم في قضايا الفلسفة والعقيدة، وأخذ يعاقب من يتحدث بهذا الموضوع.

الثاني: قرار ثقافي، فأخذ يدمر كل التراث والمكتبات الموجودة. وأضخم مكتبة كانت في العالم في ذلك الوقت هي مكتبة الإسكندرية، التي تضم عشرات الآلاف من كتب التراث الإنساني في مختلف العلوم، فاتخذ قراراً بحرق هذه المكتبة وتدميرها تدميراً كاملاً.

وبعض الناس يستغرب من اتخاذ الخليفة لمثل هذا القرار، فما هي عداوته مع هذه المكتبات!

لكن هذا القرار له خلفية، فالخليفة الثاني كان يرى خطراً على وحدة الأُمَّة الإسلامية من خلال هذه الثقافات، ولم يكن لديه القدرة على مواجهة هذا الخطر، فأفضل طريقة أن يسد الباب من أصله، ويمنع هذه الثقافات بـ أولاً: منع الحديث، فلا يحق لأي أحد أن يتكلم، وثانياً: تدمير أصول هذه الثقافات - وهي الكتب - تدميراً كاملاً، وتتم العملية بجيل أو جيلين، لأن الحديث غير موجود، وكذلك الكتب والأُصول.

والطريقة نفسها اتخذها (كمال مصطفى) في تركيا، حيث غير اللغة، فجعل الإنسان التركي - بعد جيل أو جيلين - غير قادر على أن يقرأ الثقافة الماضية، باعتباره يقرأ بالحروف اللاتينية، وكل الثقافة الإسلامية مكتوبة بالحروف العربية، أو ما يسمى بـ (الهندية)، وحتى اللغة التركية والفارسية والعربية تكتب بهذه الحروف.

وهذا الإجراء هو الإجراء المنطقي الذي يفهمة إنسان غير قادر على مواجهة هذه الثقافة.

وأما أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فقد كان لهم دور في حفظ الأُمَّة الإسلامية مع الاحتفاظ بهذه الثقافات، لأنها ليست كلها خطأ، بل فيها أمور كثيرة مفيدة وصالحة ونافعة، باعتبار أنها تراث الأنبياء (عليهم السلام) والعلماء والصالحين، وفيها - أيضاً - أمور فاسدة وباطلة ومنحرفة، ولكن تدميرها بهذا الشكل الواسع لم يكن أمراً منطقياً.

وكان هناك دور عظيم لأهل البيت (عليهم السلام) في تربية العلماء والمثقفين القادرين على مواجهة هذه الثقافات، والاستفادة منها وتحويلها إلى ثقافة مفيدة للإسلام وللأُمَّة، وحفظ الأُمَّة الإسلامية في أصل خطوطها وتوجهاتها.

وقد كان للإمام الصادق (عليه السلام) دور عظيم بالخصوص; لأنه جاء في فترة حساسة جداً، ولأن بعض الزنادقة والمتفلسفين الذين تأثروا بهذه الثقافات وصلوا إلى مستويات عالية جداً في الحكم، فعبد الله بن المقفع كان كاتباً للخلفاء، والكاتب دوره كدور وزير الإعلام حالياً، وقد وصل هذا الكاتب إلى هذه الدرجة وهو زنديق، وأمثاله من المتأثرين بالثقافة الفارسية والرومانية وصلوا إلى درجات عالية في الحكم، ومع ذلك تمكن الأئمة (عليهم السلام) من أن يقوموا بدور عظيم جداً في توجيه الأُمَّة وحفظ ثقافتها وفهمها للإسلام.

____________

1- إشارة إلى قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى. إن هو إلاّ وحي يوحى}، النجم: 3 ـ 4.

2- الحجر: 9.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية