الاتجاهات الفكرية والثقافات المتعددة
العمل الثاني: الاتجاهات الفكرية والثقافات التي غزت العالم الإسلامي، بسبب توسع الدولة الإسلامية، فالفرس لهم فلسفة وثقافة، وكذلك الرومان والهنود والمصريون.
وفي البداية اتخذ الخليفة الثاني عندما صدم بهذه المشكلة قرارين:
الأول: قرار سياسي، فلم يسمح لأي شخص في أن يتكلم في قضايا الفلسفة والعقيدة، وأخذ يعاقب من يتحدث بهذا الموضوع.
الثاني: قرار ثقافي، فأخذ يدمر كل التراث والمكتبات الموجودة. وأضخم مكتبة كانت في العالم في ذلك الوقت هي مكتبة الإسكندرية، التي تضم عشرات الآلاف من كتب التراث الإنساني في مختلف العلوم، فاتخذ قراراً بحرق هذه المكتبة وتدميرها تدميراً كاملاً.
وبعض الناس يستغرب من اتخاذ الخليفة لمثل هذا القرار، فما هي عداوته مع هذه المكتبات!
لكن هذا القرار له خلفية، فالخليفة الثاني كان يرى خطراً على وحدة الأُمَّة الإسلامية من خلال هذه الثقافات، ولم يكن لديه القدرة على مواجهة هذا الخطر، فأفضل طريقة أن يسد الباب من أصله، ويمنع هذه الثقافات بـ أولاً: منع الحديث، فلا يحق لأي أحد أن يتكلم، وثانياً: تدمير أصول هذه الثقافات - وهي الكتب - تدميراً كاملاً، وتتم العملية بجيل أو جيلين، لأن الحديث غير موجود، وكذلك الكتب والأُصول.
والطريقة نفسها اتخذها (كمال مصطفى) في تركيا، حيث غير اللغة، فجعل الإنسان التركي - بعد جيل أو جيلين - غير قادر على أن يقرأ الثقافة الماضية، باعتباره يقرأ بالحروف اللاتينية، وكل الثقافة الإسلامية مكتوبة بالحروف العربية، أو ما يسمى بـ (الهندية)، وحتى اللغة التركية والفارسية والعربية تكتب بهذه الحروف.
وهذا الإجراء هو الإجراء المنطقي الذي يفهمة إنسان غير قادر على مواجهة هذه الثقافة.
وأما أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فقد كان لهم دور في حفظ الأُمَّة الإسلامية مع الاحتفاظ بهذه الثقافات، لأنها ليست كلها خطأ، بل فيها أمور كثيرة مفيدة وصالحة ونافعة، باعتبار أنها تراث الأنبياء (عليهم السلام) والعلماء والصالحين، وفيها - أيضاً - أمور فاسدة وباطلة ومنحرفة، ولكن تدميرها بهذا الشكل الواسع لم يكن أمراً منطقياً.
وكان هناك دور عظيم لأهل البيت (عليهم السلام) في تربية العلماء والمثقفين القادرين على مواجهة هذه الثقافات، والاستفادة منها وتحويلها إلى ثقافة مفيدة للإسلام وللأُمَّة، وحفظ الأُمَّة الإسلامية في أصل خطوطها وتوجهاتها.
وقد كان للإمام الصادق (عليه السلام) دور عظيم بالخصوص; لأنه جاء في فترة حساسة جداً، ولأن بعض الزنادقة والمتفلسفين الذين تأثروا بهذه الثقافات وصلوا إلى مستويات عالية جداً في الحكم، فعبد الله بن المقفع كان كاتباً للخلفاء، والكاتب دوره كدور وزير الإعلام حالياً، وقد وصل هذا الكاتب إلى هذه الدرجة وهو زنديق، وأمثاله من المتأثرين بالثقافة الفارسية والرومانية وصلوا إلى درجات عالية في الحكم، ومع ذلك تمكن الأئمة (عليهم السلام) من أن يقوموا بدور عظيم جداً في توجيه الأُمَّة وحفظ ثقافتها وفهمها للإسلام.
____________
1- إشارة إلى قوله تعالى: {وما ينطق عن الهوى. إن هو إلاّ وحي يوحى}، النجم: 3 ـ 4.