خصائص الإمام الباقر(عليه السلام) | بشارة الرسول (صلى الله عليه وآله) بالإمام الباقر (عليه السلام) | سمرة بن جندب | جابر بن عبد الله الأنصاري وروايته | حضور الإمام الباقر(عليه السلام) في حادثة كربلاء | هيمنة الإمام الباقر (عليه السلام) على فقهاء عصره | تأسيس الإمام الباقر (عليه السلام) للمدرسة العلميّة | دور الإمام الباقر (عليه السلام) في توحيد مراسيم الحج | أمثلة على الهيمنة العلمية للإمام الباقر (عليه السلام)  
 
 
 

محاضرة سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) في مكتبه في مدينة قم المقدسة، وهي رد على سؤال وُجِهَ إلى سماحته حول
معالم الدور الذي قام به الإمام الباقر (عليه السلام) وهل كان دوراً علمياً جهادياً حددته طبيعة ظروفه.
وذلك في يوم الأربعاء المصادف 5 ذي الحجة 1416 هـ ق. الموافق 24 / 4 / 1996 - م


معالم الدور الذي قام به الإمام الباقر (عليه السلام)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) باقر علوم الأولين والآخرين.

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا بقية الله في أرضه الحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

والسلام على شهداء الإسلام في كل مكان، منذ الصدر الأول للإسلام، وحتى شهداء هذا العصر.

والسلام على سادتي العلماء وإخواني وأعزائي المؤمنين الكرام ورحمة الله وبركاته.


خصائص الإمام الباقر(عليه السلام)

في هذه الأيام تمر علينا ذكرى وفاة سيدنا ومولانا أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام)، فعلى ما تذكر الروايات أنّ وفاته كانت في السابع من ذي الحجة الحرام.

ومرحلة الإمام الباقر (عليه السلام) هي المرحلة الثانية من مراحل أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، ويتميز (عليه السلام) بعدّة ميزات عن بقية الأئمة (عليهم السلام)، ومن خلال هذه الميزات يمكن معرفة الدور الذي قام به في هذه المرحلة:


بشارة الرسول (صلى الله عليه وآله) بالإمام الباقر (عليه السلام)

الميزة الأولى:

أنه كان يمثل بشارة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وجوده الميمون المبارك، فعلى ما يُذكر في تاريخ الإمام الباقر (عليه السلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشَّر الصحابي جابر بن عبد الله الأنصاري بالإمام الباقر، وجابر الأنصاري من معمري الصحابة، حيث بقي بعد الرسول فترة طويلة من الزمن حتى أدرك الإمام الباقر (عليه السلام)، فأخذ منه الإمام الباقر، وأخذ هو من الإمام الباقر (عليه السلام) - وسأشير إلى هذا الموضوع تاريخياً وحديثياً - فكان لهذا (الأخذ) دور مهم جداً في العالم الإسلامي والأُمّة الإسلامية.

فجابر بن عبد الله الأنصاري صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد تميز عن بقية الصحابة بطول عمره وبقائه بعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكان أيضاً موضع احترام وتقديس وتقدير عند كل المسلمين في ذلك العصر، بخلاف بعض الأشخاص من الصحابة الذين بقوا بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ولم يتمكنوا من الاحتفاظ بهذا التقدير والاحترام في الأوساط الإسلامية؛ حيث إنّ بعضهم ذهب وداهن الحكام والظلمة والطغاة الذين حكموا العالم الإسلامي، وبعضهم أوغل في هذه المداهنة حتى باع نفسه بالأموال؛ ليروي روايات عن الرسول (صلى الله عليه وآله) كذباً وزوراً، وباع دينه بدنياه. وهذا ما ظهر عند بعض من يسمون بالصحابة، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) بعيدٌ عنهم وبريءٌ منهم ومن صحبتهم.

ولكن الحكم الذي جاء بعده أعطاهم حالة من القدسية وعرّفهم للمجتمع واستفاد من وجودهم فيه، حتى أعطى للصحابة مفهوماً واسعاً، وهو أنّ كل من عاش في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) وعاصره في حياته فهو صحابي، سواء كان قد صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأخذ منه وتربّى على يديه أم لا، وربما كان في فترة من الزمن معادياً ومحارباً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وللإسلام ومن ثم عاصر رسول الله؛ باعتبار أن الإسلام قوي وسيطر على كل الأوضاع.

فبعض هؤلاء دخل في الإسلام باعتبار أنّ الحالة الاجتماعية العامة أصبحت هي الإسلام، وقد مُنحوا شرف عنوان الصحابة، وعرفهم به المسلمون بعد انتشار الإسلام وسعة دائرته، خصوصاً المسلمين الجدد الذين دخلوا الإسلام ولا يعرفون الحقائق والأوضاع التاريخية.

وقد أخذ هؤلاء ينسبون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحديث والأحكام الشرعية، ويذكرون عنه سنةً وأقوالاً يروّج بها أحياناً الحكّام الظلمة ويثبتون حكوماتهم.


سمرة بن جندب

وبعض هؤلاء من هو معروف، كـ (سمرة بن جندب) الذي عاصر الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكانت له قصة مشهورة وردت فيها القاعدة المعروفة عنه (صلى الله عليه وآله) وهي: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام».

والقصة هي: إنّ سمرة بن جندب كان يملك بستاناً - أو (حائطاً) كما يسمونه آنذاك؛ باعتبار أن الجدار يحيطه - فباعه على أنصاري واستثنى منه نخلة في وسطه، وقال: هذه تبقى لي، فوافق الأنصاري واشترى دون الانتباه إلى ما سيحدث بعدها.

وبما أنه كان لسمرة قلب مريض، أخذ يدخل هذا البستان الذي يعيش فيه الأنصاري وزوجته وأهل بيته، بذريعة نخلته بدون استئذان ليطَّلع على عورات هذا الأنصاري، فطلب الأنصاري من سمرة أن يستأذن عندما يريد الدخول إلى البستان، فيقول: يا الله مثلاً أو يطرق الباب، وما شابهه.. لكن سمرة امتنع، وقال: هذه النخلة لي والطريق طريقي، ولا يوجد داع للاستئذان، فتوسل به الأنصاري فلم يقبل، حتى رفع الأنصاري هذا الأمر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشكاه إليه، وطلب منه حلاً لهذه المشكلة، فدعا الرسول (صلى الله عليه وآله) سمرة وطلب منه أن يستأذن إذا أراد الدخول على البستان، لكنه رفض وقال: النخلة ملكي وأنا مسلط عليها، أدخل البستان كيفما أشاء.

فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): بعني هذه النخلة بنخلة في الجنة، قال: لا أبيعها! فقال (صلى الله عليه وآله): بعشرة، قال: لا!! وكان مصرّاً، مما يبين أن لديه شيئا في نفسه من ذلك، حينئذ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) للأنصاري: اذهب واقلع هذه النخلة وارمها في وجه سمرة، فإنه لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، وقال لسمرة: أنت رجل مضار تريد الإضرار بالآخرين، وليس هدفك هو أخذ التمر من نخلتك. وأصبحت هذه القاعدة من القواعد الفقهية المعروفة المطبَّقة.

فسمرة هذا أصبح صحابياً من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع ما لديه من موقف مريض كهذا، وذلك ما يرويه كل المسلمين عنه!.

ففي زمن معاوية عُرف بأنه صحابي، وكان يروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وتأتي الرواية عنه في الكتب المعروفة والمتداولة في الحديث، وهو نفسه الذي أُعطي مالاً ودراهماً على أن يروي في حق ابن ملجم قوله تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللّهِ}(1) باعتباره مصداقاً لهذه الآية، ويروي في حق علي (عليه السلام) قوله تعالى: {وَمِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى‏ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدّ الْخِصَامِ}(2).

وعلى كل حال، فسمرة بن جندب أخذ يروي مثل هذه الروايات ترويجاً لحكم معاوية ووضعه. وهناك نماذج أُخرى من الصحابة من هذا القبيل.


جابر بن عبد الله الأنصاري وروايته

أما جابر بن عبد الله الأنصاري، فقد كان يختلف عن مثل هؤلاء في أنه كان موضع احترام عند جميع المسلمين، باعتبار أن سلوكه في حياته كان معروفاً بالاستقامة، ولذلك فالمسلمون جميعهم يروون عنه باحترام، ويقرّون أيضاً بوثاقته وصلاحه وتقواه وعلاقته برسول الله (صلى الله عليه وآله) وصحبته الحقيقية له.

فجابر هذا يأتي على رؤوس الأشهاد في المدينة ويقول بأنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال لي: ستدرك واحداً من ولدي، اسمه اسمي، وشمائله شمائلي، يبقر العلم بقراً، ويكون له دور عظيم في العلم.

وتُنقل قصص في لقائه بالإمام الباقر (عليه السلام) وهو صبي صغير في أزقة المدينة، وهناك روايات عديدة في هذا الموضوع، وهذه من الخصوصيات التي تميز بها الإمام الباقر (عليه السلام) في ذلك العصر وفي ذلك المجتمع، إذ لم تُعرف بحق أحد من الأئمة (عليهم السلام) بعد الحسنين (عليهما السلام) الذين عرّفهما الرسول (صلى الله عليه وآله) بشكل مباشر لأنهما عاصراه في حياته، حيث إنّ باقي الأئمة (عليهم السلام) ورد تعريف عام من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهم، يروى عن أكثر من شخص حتى يصل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بأنّ الأئمة اثنا عشر، ويذكر أسماءهم.

فمسألة كون هذا الصحابي حي يرزق بين المسلمين، وهو موضع احترام وتقدير وتقديس عندهم، ويعاصر الإمام الباقر (عليه السلام)، ثم يبيِّن هذا الأمر على رؤوس الأشهاد وفي الأوساط العلمية في المدينة، التي هي المركز العلمي الأول في العالم الإسلامي في ذلك الوقت، ويعرف المسلمون عن جابر بن عبد الله الأنصاري موقع الإمام الباقر (عليه السلام) وهو لا يزال طفلاً يعيش في أزقة المدينة. هذه مسألة مهمة جداً في موقعية الإمام الباقر (عليه السلام).


حضور الإمام الباقر(عليه السلام) في حادثة كربلاء

الميزة الثانية:

إنّ الإمام الباقر (عليه السلام) كان البقية الباقية من حادثة كربلاء، فكما نعرف أنه تعرض للأسر وهو طفل صغير في هذه الحادثة. وبما أنه (عليه السلام) شهد هذه الحادثة، كان فيه نَفَسُ كربلاء وروحها ودمائها.

وهذه مسألة مهمة جداً في شخصيته (عليه السلام)؛ باعتبار أنه عاش هذه الحادثة وعرف تفاصيلها وخصائصها وتحمل آلامها ومعاناتها.

وكان لهذا الأمر موقع خاص بين المسلمين؛ لأنّ هذه الحادثة كما يعرف كل المسلمين أصبحت ذات تأثير في المجتمع الإسلامي، دون فرق بين المجتمع الذي ينتمي للحكم والمجتمع الذي لا ينتمي إليه، فهذه الحادثة كان لها هذا الموقع بين المسلمين؛ لذلك فمن بقي منها كان له دور وأهمية خاصة من الناحية الروحية والمعنوية بين المسلمين.


هيمنة الإمام الباقر (عليه السلام) على فقهاء عصره

الميزة الثالثة:

إنّ الإمام الباقر (عليه السلام) جاء في بداية الانفتاح النسبي الذي عاشه المجتمع الإسلامي بعد الظلم والقسوة التي عاشها في عهد معاوية ومن بعده بوقت قصير، عهد يزيد الذي ارتكب تلك الفاجعة الأليمة، وهي قتل الحسين (عليه السلام) التي أصبح المجتمع الإسلامي فيها مضطرباً في الكثير من الثورات والانتفاضات والحركات، وكانت هناك حالة عدم استقرار من الناحية الأمنية في كل المجتمع، فهناك حركة الخوارج التي بدأت تنمو بشكل كبير من ناحية، وحركة الزبيريين (عبد الله بن الزبير) من ناحية أُخرى، وحركة التوابين والثوار الذين كانوا يطالبون بدم الإمام الحسين (عليه السلام)، وامتداداتها بعد ذلك إلى ثورة المختار إلى غير ذلك مما انتشر في العالم الإسلامي.

وفي التطورات التي حصلت بعد يزيد، جاء مروان بن الحكم، ثم عبد الله بن مروان، والحجاج بن يوسف الثقفي، وحاولوا توطيد الأوضاع حتى تستقر. فهذه الأوضاع غير المستقرة بقيت لفترة من الزمن تؤثر في الحالة العامة للمجتمع، ومن الطبيعي أن عدم الاستقرار السياسي والأمني له آثار سلبية كبيرة على الجانب العلمي والاقتصادي والاجتماعي.

فبدأ بروز الإمام الباقر (عليه السلام) في فترة أخذ الوضع يستقر بشكل عام في المجتمع الإسلامي، فالأُمويون أخذوا يهيمنون على المجتمع عموماً، وإن كانت قد بدأت فيهم معالم الضعف، ولكن الهيمنة والسيطرة العامة كانت لهم، حتى انتشروا في العالم ووصلوا إلى الأندلس، وحكموا في مناطق واسعة من العالم.

ومن هنا نجد هذا النمو والتطور العلمي الذي حصل في مدرسة المدينة الفقهية، بحيث بدأت مسألة الفقهاء والعلماء والمدارس الفقهية تنفرز في هذه الفترة. نعم كان هناك فقهاء قبل الإمام الباقر (عليه السلام) وكان يُرجع إليهم، ولكن لم تكن هذه الفكرة متبلورة ومغروزة بالشكل الذي تأخذ فيه حالة مدرسة وحالة استقرار من الناحية العلمية والثقافية والفكرية. ففي أيام الإمام الباقر (عليه السلام) بدأت هذه المسألة تأخذ نوعاً من الاستقرار، وهنا برز الإمام الباقر (عليه السلام) كممثل لأهل البيت (عليهم السلام) في هذا الجو العلمي.

ومن جملة العلامات الموجودة في هذه الفترة، هي أنّ كتابة الحديث مُنعت في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، وبقيت كذلك حتى الفترة المتأخرة التي أعلن فيها عمر بن عبد العزيز الإذن العام - على المستوى الرسمي - لكتابة الحديث.

نعم كانت كتابة الحديث وتدوين الرواية موجودة قبل هذه الفترة، ولكن في أيام عمر بن عبد العزيز أخذت المسألة طابعاً رسمياً. وهذا الجانب من الإصلاح هو أحد الجوانب الإصلاحية الكثيرة التي قام بها عمر بن عبد العزيز، وهو وإن كان متأخراً نسبياً في زمانه، إلاّ أن هذه الفترة تمثل فترة خاصة في التبلور للمدرسة العلمية.

إذن هذه ميزة أُخرى للإمام الباقر (عليه السلام)، وهي أنه جاء في فترة أصبحت المدارس الفقهية فيها متميزة وواضحة، ولها رموزها وأشخاصها، وقد برز (عليه السلام) ممثلاً لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وتمكن من الهيمنة على كل الفقهاء الموجودين في عصره. ولعل ما ذكرته في الميزة الأولى والثانية يشير إلى هذه الهيمنة، فعندما يأتي شخص مثل جابر بن عبد الله الأنصاري وينقل هذه الشهادة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحق الإمام الباقر (عليه السلام) بأنه يبقر العلم بقراً، فلا شك أن لذلك تأثيراً كبيراً جداً في حالة الهيمنة العلمية.


تأسيس الإمام الباقر (عليه السلام) للمدرسة العلميّة

الميزة الرابعة:

إنّ بعض طلابه (عليه السلام) أخذوا موقعاً عند المسلمين جميعاً حتى أصبحوا هم المعلمون والمدرسون الرسميون في المجتمع الإسلامي والعلمي، كـ (أبان بن تغلب) الذي - حينما نرجع إلى ترجمته وتأريخه - نجده يتميز بأنه عالم بكل العلوم الإسلامية المعروفة في ذلك الوقت، كالتفسير، والفقه، واللغة العربية، أي: العلوم الأساسية، وكان أُستاذاً في المسجد، يرجع إليه الناس في العلوم ويدرسون عنده ويأخذون منه.

فالإمام الباقر (عليه السلام) تمكن أن يضع معالم المدرسة العلمية - ما نعبر عنها الآن بـ (الحوزة العلمية) - كمدرسة لا كخط، وإلاّ فالإمام زين العابدين (عليه السلام) كان له دور في ذلك، وكذلك الأئمة السابقون (عليهم السلام) كالإمام علي (عليه السلام) في وضع مناهج مدرسة الكوفة. فالإمام الباقر (عليه السلام) إذن، هو المؤسس لهذه المدرسة.


دور الإمام الباقر (عليه السلام) في توحيد مراسيم الحج

وهنا أُشير إلى نقطة ربما تكون لها علاقة بهذه الأيام التي نعيشها والتي كانت فيها وفاة الإمام الباقر (عليه السلام)، وهي أنّ الإمام الباقر (عليه السلام) كان له دور لعله مهم في موضوع توحيد مراسيم الحج.

فإنّ من جملة المعالم التي توحد المسلمين والأُمّة الإسلامية الآن هو أنّ الحج الذي يمارسه المسلمون في كل العصور وحتى عصرنا الحاضر، هو كونه على نهج وشكل واحد.

والحج يختلف عن الصلاة التي يكون دور التوحيد فيها أمراً طبيعياً؛ باعتبار أنها كانت تمارس يومياً خمس مرات، ولذا فوجود صيغة واحدة للصلوات الخمس تصبح أمراً طبيعياً باعتبار عملية التكرار اليومي المعاش من قبل النبي (صلى الله عليه وآله). والصوم أيضاً هو حالة صامتة ليست فيه مظاهر، فهو عبارة عن إمساك عن المفطرات.

ولكن الحج فيه الكثير من التعقيدات:

أولاً: إنه عبادة تمارس في السنة مرة واحدة.

ثانياً: إن له أشكالاً متعددة، ففيه حج التمتع والإفراد والقِران.

ثالثاً: إن فيه عبادات متعددة ومفردات كثيرة، وتؤدّى في أوقات مختلفة. فالعمرة مثلاً تؤدّى في أوقات متعددة وليس في وقت واحد، فيمكن أن تؤدّى في أشهر الحج، حتى الحج للمعتمر أن يؤدّى عمرة التمتع في كل وقت، فالحج وإن كانت بعض مفرداته تؤدّى في أوقات معينة كموقف عرفات والمشعر وأعمال منى، ولكن بعد أعمال منى لا تؤدّى أعمال الحج كالطواف والسعي في وقت واحد، وإنما في هذا اليوم والذي بعده.

ولكن مع وجود هذه الأعمال المتعددة والظروف المختلفة، نجد أن هناك اتفاقاً بين المسلمين جميعاً على الأعمال الرئيسية في الحج.

فكل المسلمين الآن يتفقون على المواقيت الخمسة - مثلاً - ويقيمونها في مكان واحد. ولو افترضنا أنهم الآن يختلفون في موضع المواقيت لحصلت حالة هرج ومرج بينهم.

وهكذا كيفية الطواف والسعي، وحدود عرفات ومنى، والأوقات، والوقوف في عرفات والمشعر، وحدود المشعر... فكل هذه الأمور الآن متفق عليها عند المسلمين.

فلو افترضنا في الطواف - مثلاً - أن بعض المسلمين يرى البدء من الحجر مع وضع البيت على اليسار - كما هو في الشريعة - وبعضهم يرى العكس بأن يبدأ من الحجر مع وضع البيت على اليمين، فحينئذ كيف تصبح حالة الحجاج؟! وهكذا السعي، فلو كان هناك اختلاف فيه لحدثت الكثير من المشكلات للحجاج!

ولكننا نرى أن صيغة الحج واحدة، مع أن المسلمين في مذاهبهم يختلفون في آرائهم ونظرياتهم بالنسبة إلى مختلف الأُمور العبادية، حتى في الصلاة أو الوضوء، فالمسلمون لديهم صيغتان للوضوء:

فمثلاً: الإمامية يغسلون اليدين من المرفق إلى أطراف الأصابع، وأبناء السنة بالعكس.

ولو كان الحج بهذه الطريقة من الاختلاف لأدّى إلى اختلاف عظيم وتباعد بين المسلمين؛ لأنّ الصلاة يمكن أن يؤديها الإنسان في بيته، بينه وبين نفسه، أما الحج فهو حالة جماعية، إن حصل فيه اختلاف، حدث فيه تنازع وتضارب وانشقاقات ومشكلات كثيرة.

والفضل في هذه الوحدة يعود إلى الإمام الباقر (عليه السلام)، وبالتأكيد أن الفضل يعود لله (سبحانه وتعالى) ولنبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) الذي جاء بهذه الشريعة السمحاء، وبما علّم المسلمين به، ولكن الذي حفظ هذه الوحدة هو الإمام الباقر (عليه السلام)، حيث إنّ المسلمين اختلفوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تفاصيل الشريعة على آراء ومذاهب؛ للظروف التي مرّت بهم، ولكن الإمام الباقر (عليه السلام) استطاع أن يوحِّد الحج، فقد روي في كتب الصحاح لدى العامة، عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري، حج رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أي إنّ الإمام الباقر (عليه السلام) يرويه مسنداً، ثم أخذ المسلمون جميعا بهذه الطريقة والتفاصيل.

نعم أتباع أهل البيت (عليهم السلام) أخذوا الحج عن الإمام الباقر (عليه السلام) بطرقهم الخاصة، باعتبارهم يؤمنون بعصمته، وأنه لا ينطق عن الهوى، ويأخذ العلم من مصادره ومنابعه الصحيحة. وبالتالي فهم يأخذونه منه ويسلمون تسليماً ويكتفون بأنه من الإمام الباقر (عليه السلام)؛ لأنه المنبع الصحيح.

أما بقية المسلمين الذين لا يوجد لديهم هذا النوع من الإيمان، فهم يروون الحج عن الإمام الباقر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري عن رسول الله (صلى الله عليه وآله). وهذا الأخذ عن جابر معناه أن الإمام الباقر (عليه السلام) مستغن؛ لأنّ جابر يشهد في حقه بأنه يبقر العلم بقراً، وليس بحاجة إلى أن يروي عن جابر أو غيره.

ولعل الإمام الباقر (عليه السلام) كان ينظر إلى عمق التاريخ وظروف المسلمين، فروى هذه الرواية عن جابر عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وعرّف بها المسلمين، لكي تحصل الوحدة بينهم في هذه العبادة الجماعية المهمة التي تتفرد في أدائها الجماعي عن بقية العبادات.

نعم، عبادة صلاة الجمعة أو العيد تؤدّى بشكل جماعي إلاّ أن شكلها محدود في مدينة أو قرية، أما أن يجتمع المسلمون من كل فج عميق ومن كل البلاد، ويؤدون عبادة واحدة، فذلك لا يوجد إلاّ في الحج.

وكما قلت، لو حصل هناك اختلاف في هذه العبادة - لا سامح الله -، كما حصل في غيرها، لكانت هناك كارثة بالنسبة إلى المسلمين، ولكن الإمام الباقر (عليه السلام)كان له دور عظيم جداً في حفظ وحدة المسلمين من خلال حفظ وحدة شعائر الحج، وهذا ما يتفق عليه المسلمون جميعاً.


أمثلة على الهيمنة العلمية للإمام الباقر (عليه السلام)

يمكن أن نرى للإمام الباقر (عليه السلام) دوراً مهماً جداً في بناء الجماعة الصالحة، إذ إنه قد وضع أُسس المدرسة العلمية كأسس ومناهج لهذه الجماعة، وكان له دور عظيم جداً في الحالة العلمية للمسلمين جميعاً؛ لأنه كان مصدراً بشهادة جابر بن عبد الله الأنصاري، مهيمناً على الحالة العلمية بالنسبة إلى كل العلماء والفقهاء الذين كانوا يعيشون في ذلك العصر والذين كانوا يؤمنون به أيضاً، حتى إنّ شخصاً كمحمد بن السكندر الذي هو من كبار علماء العامة آنذاك، يقول: عندما توفي علي بن الحسين (عليهما السلام)لم أكن أظن أن يأتي شخص بهذا العلم والمعرفة، حتى رأيت ولده محمد بن علي الباقر (عليهما السلام) ورأيت فضله وعلمه.

وكذلك قتادة الذي هو من كبار المفسرين، الذي سأله الإمام (عليه السلام) تلك الأسئلة: أأنت تفسر القرآن؟ قال: نعم، فقال (عليه السلام): أتعرف تفسير كل القرآن؟ قال: نعم، فقال (عليه السلام): أأسألك؟ قال: نعم اسأل، فأخذ الإمام يسأله وهو يجيب، فقال له (عليه السلام): أتفسر عن علم أم جهل؟ من عندك هذا التفسير أم تأخذه من مصادره الحقيقية؟ قال: لا، من عندي، فقال (عليه السلام) إذن كيف تنسب هذا التفسير إلى الحقيقة؟!

ثم أخذ الإمام الباقر (عليه السلام) يسأل وقتادة يقف عاجزاً أمام أسئلته، فيؤنبه (عليه السلام) ويعلمه كيف يفسر ويأخذ التفسير الصحيح.

وهكذا بالنسبة إلى عكرمة، حيث يقال: عندما يقف عكرمة أمام الإمام الباقر (عليه السلام)، تصيبه هيبته ويرتجف من علمه، فيقال له: ما بك؟ فيقول: لقد رأيت كثيراً من العلماء والشخصيات ولكن لم تصبني كهذه الهيبة!

وهناك الكثير من الأمثلة التي تضرب عن هيمنة شخصية الإمام الباقر (عليه السلام) في المجتمعات العلمية.

وكان للإمام الباقر (عليه السلام) دور كبير أيضاً في حفظ وحدة الأُمّة الإسلامية والذي يعتبر توحيد شعائر الحج أحد معالمه، وهناك معالم أُخرى لا يسع الوقت لبيانها، وإنما ذكرنا مثال الحج باعتبار أننا في أيام الحج، وهذا هو من أوضح الأمثلة التي يمكن أن يراها الإنسان في دور الأئمة (عليهم السلام) في حفظ وحدة المسلمين، فالأئمة (عليهم السلام) في مختلف أدوارهم كان لهم دور في حفظ وحدة الأُمّة الإسلامية وجعلها أُمّة واحدة ومعالمها واحدة.

نسأل الله تعالى أن يوفقنا للاقتداء بهم والأخذ بهديهم والالتزام بسيرتهم وسنتهم. كما نسأله تعالى أن يحقق النصر للمسلمين في جميع مواقعهم، خصوصاً في هذه المعركة التي يخوضها المسلمون في هذه الأيام، فهي وإن كان مركزها الشعب اللبناني المسلم، لكنها معركة عامة يخوضها المسلمون جميعاً في مواجهة الصهيونية العالمية والاستكبار العالمي، ولو لم تكن بهذا العمق لما جاءت أمريكا وأوربا بثقلهما، فكما رأيتم أن وزير الخارجية الفرنسي ونظيراه الإيطالي والروسي، يأتون جميعاً إلى المنطقة ليبحثوا هذه الأُمور ويواكبوها. فهي معركة المسلمين جميعاً في مقابل الكفر العالمي، وبإذن الله تعالى يكون النصر للمسلمين.

نسأل الله تعالى أن يحقق النصر العاجل لهم وأن يخذل عدوهم الكفر العالمي.

كما نسأله تعالى أن يحقق النصر للمسلمين في العراق وأن ينتقم من الطاغية صدام ويجمع شملنا ويفرج عنا وعن جميع المسلمين، ويفرج عن المسجونين والأُسارى، وينزل السكينة والصبر على قلوب المؤمنين خصوصاً عوائل الشهداء والمسجونين والمفقودين.

كما نسأله تعالى أن يحفظكم ويرعاكم ويتقبل منكم أعمالكم، وأن يوفقنا لما يحبّ ويرضى من عمل صالح خصوصاً في هذه الأيام، فهي أيام دعاء ومناجات وتوجه إلى الباري (جل وعلا) بالمسألة، وأيام تأمل أيضاً ومراجعة للنفس والسلوك، وأيام عودة الإنسان إلى الله تعالى. وسيقبل علينا يوم عظيم جداً وهو يوم عرفة، وكذلك يوم عيد الأضحى، فهذه أيام شريفة أعدها الله تعالى لعبادته ومناجاته.

نسأله تعالى أن يوفقنا فيها لما يحب ويرضى من توبة وإنابة إليه ودعاء ومناجاة، ومن الاستجابة للدعاء والتوفيق للأعمال الصالحة. ونسأله تعالى أن يوفقكم جميعاً لذلك. وأن يتغمد شهداءنا الأبرار وسلفنا الصالح برحمته الواسعة، لاسيما إمام الأُمّة والشهيد الصدر، كما نسأله تعالى أن يرحمنا برحمته الواسعة ويفرج عنا فرجاً قريباً ويرجعنا إلى بلادنا غانمين منتصرين بالإسلام.

____________

1- البقرة: 207.

2- البقرة: 204.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية