ولادة الإمام السجاد(عليه السلام) ووفاته | نسب الإمام السجاد(عليه السلام) من ناحية الأم | الظروف المعقَّدة التي عاصرها الإمام السجاد(عليه السلام) | القمع والإرهاب | الفوضى السياسية | الانهيار الأخلاقي والروحي في المجتمع الإسلامي | المشاكل التي واجهها الإمام السجاد(عليه السلام) | دم الإمام الحسين(عليه السلام) | الانهيار الأخلاقي | تسليم المجتمع للطاغوت | استئصال الخيرين والطيبين والنخبة الصالحة من المسلمين | دور الامام السجاد(عليه السلام)في مواجهة المشاكل  
 
 
 

محاضرة سماحة السيد الحكيم(قدّس سرّه) في مؤسسة الشهيد الصدر
بتاريخ: 10 / 10 / 1985م - 24 / 1 / 1406 هـق


ظروف الإمام السجاد(عليه السلام) وأدواره المختلفة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.

السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا بن رسول الله. السلام عليك وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك وأناخت برحلك، عليك منّي سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتكم. السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.


ولادة الإمام السجاد(عليه السلام) ووفاته

في هذه الأيام تمرّ علينا ذكرى وفاة الإمام زين العابدين وسيد الساجدين أبي محمد علي بن الحسين(عليهما السلام)، الذي كان تأريخه يمثل امتداداً لمأساة كربلاء التي نعيش أيضاً هذه الأيام ذكراها.

وقد أجمعت الروايات على أنَّ الإمام زين العابدين(عليه السلام) توفي في شهر محرم، واختلفت -كما يذكر المؤرخون - في تحديد اليوم الذي توفي فيه، فبعضها تقول: إنَّه توفي في الثاني عشر من شهر محرم الحرام، وبعضها في الثامن عشر، والبعض الاخر في الثاني والعشرين، وقد ذهبت بعضها إلى أنه توفي في: الرابع والعشرين من شهر محرم الحرام. أمّا اليوم المتعارف عليه عندنا في العراق فهو: الخامس والعشرين من شهر محرم الحرام.

أمّا ولادته فكانت في العقد الرابع من الهجرة على ما تذكر الروايات. وقد اختلفت في سنة ولادته، فبعضها قالت في سنة 37، ومنها من قالت في سنة 38 للهجرة. وقد اختلفت الروايات أيضاً في يوم ولادته فمنها من قالت إنَّ ولادته كانت في السابع عشر من شعبان، ومنها من قالت خلاف ذلك.


نسب الإمام السجاد(عليه السلام) من ناحية الأم

وكما يبدو من الروايات إنَّ الإمام زين العابدين(عليه السلام) هو الإمام الأول الذي ولِد من أم غير عربية، أي مملوكة ـ على ما يُذكر في التأريخ ـ وهذا ما يشكل معلماً من معالم شخصيته(عليه السلام).

ففي ذلك العصر، باعتبار بقاء جذور الجاهلية في نفوس الناس، كانوا يستحقرون ويشعرون بالصغر وبشيء من الذل ـ خصوصاً الشخصيات البارزة منهم ـ، إذا كانت أم أحدهم جارية، غير عربية.

لقد كانت اُمهات الأئمة(عليهم السلام) قبل الإمام زين العابدين(عليه السلام) عربيات، فأم الإمام علي(عليه السلام) فاطمة بنت أسد، وأم الحسنين(عليهما السلام) فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله)، أشرف امرأة في الخليقة، وهكذا اُمهات أولاد هؤلاء الأئمة(عليهم السلام)، إلاّ أنّهنّ لم يكنّ بمستوى الزهراء(عليها السلام) وفاطمة بنت أسد، فأم البنين كانت تنتمي إلى قبيلة عربية معروفة، وأم محمد بن الحنفية بن أمير المؤمنين(عليه السلام) من بني حنيفة، وهي قبيلة عربية معروفة أيضاً.

أمّا الإمام زين العابدين(عليه السلام) فباعتباره شخصية بارزة ومهمة وكان متميزاً على جميع الناس في عصره ـ ليس بحسب نظرنا كمعتقدين بإمامته فحسب، وإنّما حتى بنظر المجتمع الذي كان يعيش فيه(عليه السلام) ـ فعندما ولد من أم غير عربية، لم يستنكف الناس حينئذ من انتسابهم لاُمهات غير عربيات ولم يشعروا بالصغر والذل، بل أخذوا يفتخرون بذلك.

وأمه على ما هو معروف هي بنت أحد أكاسرة الملك الأخير للفرس في العراق، وقيل اسمها شاه زنان «ملكة النساء»، وقيل شهربانو أو شهربانوية، على اختلاف في تشخيص اسمها، واتفاق على إنّها ابنة يزدجر الملك الأخير للفرس على العراق.

وهناك قصص تذكر حالها، ولكن يبدو أنّها كانت امرأة شريفة، ليس باعتبار انتسابها لملك من الملوك فحسب، وإنّما باعتبار اتصافها بمواصفات ذاتية أيضاً.


الظروف المعقَّدة التي عاصرها الإمام السجاد(عليه السلام)

إنَّ الإمام زين العابدين(عليه السلام) باعتبار الخصوصيات التي يتميز بها ـ فهو من الأئمة المتميِّزين في التأريخ ـ فالحديث حول خصائص شخصيته طويل.

وبالتأكيد إنّ كون بعض الأئمة لهم حالة من التميز والبروز إنما هو باعتبار الظروف التي أحاطت بهم(عليهم السلام)، وإلاّ فكل الأئمة على مستوى عال عند الله تعالى، ولا يمكن أن ندرك حقائقهم وصفاتهم وخصائصهم بشكل كامل.

فالظروف الاجتماعية التي عاشها الأئمة، جعلت لبعضهم بسبب أو بآخر حالة من البروز والتميز، فالإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) له حالة من التميز، وكذلك الإمام الحسين(عليه السلام)، ومن قبله الإمام الحسن(عليه السلام)، وهكذا الإمام الصادق(عليه السلام) ـ مثلا ـ له خصائص تميزه على الإمام الباقر(عليه السلام)، ولكن ليس معنى ذلك أنَّ الإمام الصادق هو الأفضل، وإنّما باعتبار أنَّ طول عمره(عليه السلام) والظروف التي أحاطت به، جعلته يتميَّز بشكل معين. وكذلك الإمام الرضا(عليه السلام)ربما لا يكون ما يتميز به موجود بالنسبة إلى الإمام الهادي أو الحسن العسكري(عليهما السلام).

والإمام السجاد (عليه السلام)من هؤلاء الأئمة، فكان له تميّز، خصوصاً فيما يتعلق بموضوع العبادة والتهجد والسلوك الأخلاقي العالي، حتى إنَّ نظر الناس والعلاقات الاجتماعية القائمة آنذاك، كان يرى إنَّ له تميزاً خاصاً لم يكن موجوداً بالنسبة إلى الأئمة الآخرين.

وبودي أن أشير هنا إلى بعض معالم الإمام السجاد(عليه السلام) لنتعرف على جانب من شخصيته، باعتبار أننا نعتقد بإمامة هؤلاء الأئمة(عليهم السلام)، فمن الضروري جداً التعرف على طبيعة شخصياتهم(عليهم السلام) ولو بالقدر المناسب لأوضاعنا:

إنَّ الإمام السجاد(عليه السلام) جاء في ظروف معقّدة جداً، أشير إلى ثلاثة أبعاد منها:


البعد الاول:

القمع والإرهاب

فالإمام السجاد(عليه السلام) واجه ظروف القمع والإرهاب والاستهتار بمختلف القيم المعروفة بين الناس بشكل بلغ الحد الأعلى الذي لا يمكن تصوره، ففي زمن معاوية وقبل مجيء يزيد كان هناك قمع ايضاً، ولكنه لم يبلغ هذه الدرجة العالية من الاستهتار بكل القيم والمثل أمام أعين الناس.

فقد واجه الإمام زين العابدين(عليه السلام) مقتل الإمام الحسين(عليه السلام) ومأساة كربلاء المعروفة، وبعدها واجه مصارع الصالحين من المسلمين في المدينة على يد جيش يزيد بن معاوية، واستباحة المدينة بشكل علني.

فقد تقع اعتداءات على الأعراض والنواميس ولكن بشكل غير رسمي فيعتدي هذا الجندي أو ذاك، أمّا أن يكون الاعتداء بشكل رسمي وفي بيان عسكري صريح فهذا يمثِّل درجة عالية من الاستهتار.

وقد بلغ الاستهتار هذه الدرجة عند إباحة المدينة ثلاثة أيام بشكل رسمي، ثم أخذ هذا الجيش من أهل المدينة، صك يوقع فية كل إنسان على إنّه عبد؟ «مملوك» ليزيد بن معاوية يتصرف فيه كيفما يشاء، وبهذا يحوّل الأحرار، أبناء الذين قاتلوا في سبيل الإسلام وأسسوا أساسه وقاموا بالخدمات له ـ للإسلام ـ، إلى عبيد رسميين، وهذا يمثِّل درجة عالية من الاستهتار بالقيم والمثل ودرجة عالية من القمع والارهاب. واستمر يزيد على هذا المنهج بشكل أو بآخر وربما لم يكن بهذا العنف.

وفي السنة الثانية ذهب مسلم بن عقبة ـ أو كما يسمّيه بعض المؤرخين بالمسرف ـ لإسرافه في القتل والعدوان ـ، وهدم الكعبة لصراع بينه وبين عبد الله بن الزبير.

وبعد عدّة سنوات قام الحجاج بن يوسف بنفس ما قام به مسلم بن عقبة، فهدم الكعبة عندما قضى على ثورة عبد الله بن الزبير وجعل ذلك سُنّة، والآخرين كانوا مستعدين أيضاً لارتكاب مثل هذه الجرائم، ومن المعروف ماذا صنع الحجاج في العراق طيلة عهد عبد الملك بن مروان.

فظروف القمع والإرهاب والاستهتار بالقيم والمثل إذن هي ظروف جديدة واجهها الإمام السجاد(عليه السلام)، إذ لم يواجهها أحد من الائمة(عليهم السلام) قبله، صحيح أنَّ الإمام الحسين(عليه السلام)واجه هذه الظروف، ولكن في فترة قصيرة قياساً بفترة الإمام السجاد(عليه السلام)، فالإمام الحسين(عليه السلام)واجه هذه الظروف منذ خلافة يزيد في رجب وحتى استشهاده(عليه السلام)في محرم، وهي فترة ستة أو سبعة أشهر، أمّا الإمام السجاد(عليه السلام)فقد عاش بعد أبيه - كما يُذكر- عشرون عاماً أو تزيد بسنتين، لوجود اختلاف عند المؤرخين في وفاته(عليه السلام).وهذا ما يعطينا صورة عن الوضع الذي كان يعيشه (عليه السلام) من ناحية النظام الحاكم.


البعد الثاني:

الفوضى السياسية

ما يمكن أن نعبر عنه بـ الفوضى السياسية في الأمة بعد النبي(صلى الله عليه وآله).

فإنَّ الحكم استقر بعد النبي(صلى الله عليه وآله) لأبي بكر بصورة واضحة، ثم لعمر، ثم لعثمان، صحيح إنَّه في آخر أيام عثمان قامت ثورة، إلاّ إنّها كانت محدودة بالقضاء على الحاكم فقط، أمّا البلاد الإسلامية الأخرى فكانت أوضاعها مستقرة من الناحية السياسية، وهكذا في فترة أمير المؤمنين(عليه السلام) على ما فيها من صراع بينه وبين معاوية إلاّ إنّه لم يدم طويلاً وكان محدوداً ايضا في بعض المناطق ولم ينتشر إلى كل المنطقة، ثم استقرت بعد ذلك الأوضاع السياسية لمعاوية ـ مع قطع النظر عن صحة هذا الحكم وعدمه ـ.

أمّا الإمام زين العابدين(عليه السلام) فقد واجه أوضاعاً غير مستقرة من الناحية السياسية وتسودها الفوضى، وحينما نرجع إلى تأريخ الفترة التي عاشها الإمام زين العابدين(عليه السلام)، نجد قيام انتفاضات وثورات في كل مناطق العالم الإسلامي تقريباً، ووجود تحرك دائمي، فبعد ثورة الحسين(عليه السلام) حدثت وقعة الحرة التي اُبيحت فيها المدينة، ثم الصراع مع عبيد الله بن زياد، وبعد موت يزيد بدأت انتفاضة التوابين ثم إنتفاضة المختار، وبعدها تحرك عبد الله بن الزبير في مناطق مختلفة من العالم الإسلامي، وبعد القضاء على ثورته قام عبد الرحمن بن الأشعث بحركة واسعة بدأ فيها من فارس وامتدت حتى شملت العراق كله تقريباً عدا مركز الكوفة، واستمرت طيلة فترة الإمام السجاد(عليه السلام).

إذن فهناك انتفاضات وثورات وحروب وصراعات في فترة إمامة السجاد(عليه السلام)، وهناك قصة معروفة بالنسبة إلى قصر الإمارة، وهي بنفسها مؤشر على طبيعة الظروف المضطربة التي كانت موجودة في الوضع السياسي آنذاك، وهي أنَّ شخصاً دخل على الحجاج بن يوسف الذي فتح العراق، في قصر الإمارة، ووجد أمامه رأس مصعب بن الزبير، فقال له: لقد دخلت هذا القصر يوماً فوجدت رأس الحسين(عليه السلام) بين يدي عبيد الله بن زياد، ثم دخلته مرّة أخرى فوجدت رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار، ثم دخلته مرّة ثالثة فوجدت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير، ودخلته الآن فوجدت رأس مصعب بن الزبير بين يديك. وهذا ما جعل الحجاج يهدم قصر الإمارة ويبدله بآخر.

فالإمام السجاد(عليه السلام) جاء في مثل هذا الوضع وعليه أن يقوم بمهماته مهما يزيد ذلك الوضع تعقيداً!.


البعد الثالث:

الانهيار الأخلاقي والروحي في المجتمع الإسلامي

الانهيار الأخلاقي والروحي في المجتمع الإسلامي.

إنَّ النبي(صلى الله عليه وآله) بدعوته ورسالته بنى المجتمع ووضع له اُسساً وقواعد أخذت تنمو تدريجيا فيه، وبالرغم من وجود بعض الانتكاسات في تصرفات هذا الخليفة وذاك الحاكم إلاّ إنَّ هذه الاسس والقواعد كانت موجودة، ثم بدأ هذا البناء الأخلاقي يتنازل بعدما يُعبَّر عنه بـ: (الخلافة الراشدة)، أي: بعد مقتل أمير المؤمنين(عليه السلام).واستشهاده.

وأقصد بذلك الوضع العام في المجتمع مع قطع النظر عن مواقف بعض الولاة والحكام، فالمجتمع تارة يأخذ حالة الرشد وأخرى حالة التدهور، وفي هذه الفترة بدأ المجتمع يتدهور من الناحية الأخلاقية والروحية ويأخذ طريق النزول لا الصعود في التكامل الأخلاقي بسبب المخطط الخبيث الذي وضعه معاوية لإفساد المجتمع أخلاقياً وروحياً، حتى انهار الجتمع ووصل إلى شفير الهاوية وسقط فيها من خلال مقتل الإمام الحسين(عليه السلام).

وهذا ما كان يمثل منعطفاً في انهيار المجتمع من الناحية الأخلاقية والدينية والروحية، فقد كان هذا المجتمع على استعداد لقتل الحسين بن علي(عليه السلام)بخصوصياته التي تحدثنا عنها كثيراً، وكان بذلك على استعداد للتمرد بشكل صريح على أوامر الله تعالى باعتبار إنَّ حقيقة الحسين(عليه السلام)كانت معروفة وأنَّ قتله أمر غير جائز.

وكان هذا المجتمع يتحدى الأمر الإلهي ليستجيب لأمر الطاغوت، وكما قيل «قلوبهم معك وسيوفهم عليك » أي: إنَّ سيوفهم كلها كانت تتمرد على الأمر الإلهي وتتحداه. حتى انَّ أحد الأشخاص جاء بعد مقتل الإمام الحسين(عليه السلام)وأمام أعين الناس، ليقطع أصبع الحسين(عليه السلام)ويحصل على خاتمه، فلم يكن بين الناس من يضربه بسكين ويقتله، ويقول له: هذا اصبع ابن بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) فلماذا تقطعه لتحصل على خاتم؟!، فلو كان المجتمع بشكل عام لا يقبل بمثل ذلك لما حصل، ولكن سكوت الناس كان مشجعا لهؤلاء الأشخاص.

أو أن يُسلب الحسين(عليه السلام)ذلك الثوب الذي مزقه(عليه السلام)إلى حد ما ليستر نفسه، وهكذا توجد معالم كثيرة لا أريد ذكرها كاملة، ولكن اُشير بذلك إلى الحالة الأخلاقية والروحية المتردية التي كان يعيشها ذلك المجتمع.

وعندما يريد الإمام زين العابدين(عليه السلام)أن يقوم بدوره كإمام في مثل هذا المجتمع، فستصبح المسأله معقدة جداً، وذلك بخلاف المجتمع الذي كان في بداية بناء رسول الله(صلى الله عليه وآله).

وقد أشرت إلى هذه المعالم الثلاثة; لأنَّ دراسة شخصية الإمام زين العابدين(عليه السلام)- كما قلت - ومهماته ومسؤولياته دراسة معقدة جداً، ولم يكن لدي وقت للمطالعة، ولكني التقطت هذه المعالم من مجمل التأريخ الموجود في أذهان كل الإخوة، ولا يحتاج إلى ذكر شواهد; لأنَّ المسألة واضحة.


المشاكل التي واجهها الإمام السجاد(عليه السلام)

وهنا واجه الإمام زين العابدين(عليه السلام)مشكلات عديدة، تتبين من خلال ما أشرت له في ظروفه المعقدة التي عاصرها، وكان الإمام زين العابدين(عليه السلام)يريد التغلب على هذه المشكلات لينقل المجتمع من خلالها خطوة للأمام، وبالتأمل يمكن أن نجد مشكلات أخرى، ولكنّ المشكلات الأساسية والرئيسية هي:


المشكلة الاولى:

دم الإمام الحسين(عليه السلام)

فهذه مشكلة للإمام زين العابدين(عليه السلام)، وبتعبير آخر مسؤولية عظيمة كان يتحملها(عليه السلام).

إنَّ الإمام زين العابدين(عليه السلام)كان يمكنه أن يكون أحد الأبطال الأبرار الذين استُشهدوا في كربلاء وتنتهي القضية بالنسبة له، وتصبح كما يقول بعض أصحاب الإمام الحسين(عليه السلام) ساعة ونكون بين أحضان الحور العين أو نشرب من الكأس الذي يقدمه علي بن أبي طالب(عليه السلام)، أونكون إلى جوار رسول الله(صلى الله عليه وآله).

فالمسألة بالنسبة للشهيد مسألة عزم وتصحيح، وما هي إلاّ ساعة أو ساعتين حتى ينال هذه الدرجة. والإمام زين العابدين(عليه السلام) كان يمكنه أن يكون كعلي الأكبر أو أبي الفضل العباس (عليهما السلام) ويقوم بعمل بطولي. ولا أقصد من ذلك التقليل من أهمية الشهادة، وإنّما أريد أن أبيّن الجانب المشكل في عمل الإمام زين العابدين(عليه السلام)الذي أعدّه الله له ولم يعد له غيره كأبي الفضل أو علي الأكبر أو كبار الصالحين الذين استُشهدوا بين يدي رسول الله(صلى الله عليه وآله).

وكما يقال فيه(عليه السلام): إنَّه لم يهدأ له حال من شدّة البكاء; لأنَّه كان يرى أمامه أباه وإخوانه وأهل بيته والبررة من أصحاب أهل البيت صرعى، والعيالات مسبية.

وهذا الدم ليس المقصود منه أن يصل هؤلاء إلى أعلى عليّين في الدار الآخرة، وإنّما المقصود الاستفادة منه في توعية الأمة والتأثير فيها. وهذه المسألة كلها كانت أمام زين العابدين(عليه السلام)، فالإمام الحسين(عليه السلام)وضع بين يديه رأس المال العظيم هذا ليستثمره في توعية الأمة وفي خدمتها.

وهذه المسؤولية كان يتحملها الإمام زين العابدين(عليه السلام) باعتباره الإمام القائد. صحيح أنَّ زينب(عليه السلام) تحملت قسطا كبيراً من هذه المسؤولية، ولكن ذلك كان في إطار إمامة زين العابدين (عليه السلام)، المحور المركزي للعملية، وكان دور زينب(عليه السلام)محوراً في فترة السبي عندما كان الإمام السجاد(عليه السلام)مريضاً، أما بعد ذلك فقد استلم الإمام(عليه السلام)هذه المهمة بنفسه.


المشكلة الثانية:

الانهيار الأخلاقي

فالإمام السجاد(عليه السلام)كان علية معالجة التردي الأخلاقي وإخراج الناس من الهاوية التي سقطوا فيها إلى الطريق السوي. وهذه عملية معقدة جداً في مجتمع مضطرب يُمارس ضده القمع بمستوى عال، فلا يتمكن من التحرك بشكل علني، وفي مجتمع غُلِّفت فيه الكثير من الحقائق; لأنَّ الدجالين الذين استأجرهم معاوية أخذوا يُلبسون هذا الانهيار الأخلاقي لباساً دينياً منتسباً لرسول الله(صلى الله عليه وآله).


المشكلة الثالثة:

تسليم المجتمع للطاغوت

فالإمام زين العابدين(عليه السلام)واجه مشكلة إعادة المجتمع إلى الإسلام وإلى التسليم لله تعالى والارتباط به بعدما كان مُسلِّماً للطواغيت والأمراء الظالمين الحاكمين.


المشكلة الرابعة:

استئصال الخيرين والطيبين والنخبة الصالحة من المسلمين

إنَّ المعارك التي دارت في هذه الفترة تسببت في مقتل قدر كبير من الصالحين مما أحدث فراغاً في المجتمع، فالوجبة الاولى وهم القمة الذين قُتلوا مع الحسين(عليه السلام)أو قبله(عليه السلام)كمسلم، ثم ما بعد الحسين(عليه السلام) من قبيل: عفيف الأزدي وما شابهه. ثم إنَّ هناك حوالي ثلاثة أو خمسة آلاف شخص - كما يقال - من خيرة أصحاب الإمام علي(عليه السلام)وما أنتجته مدرسة علي(عليه السلام)، وكانوا من بعده يشكلون العمود الفقري لحركة التوابين، وكلهم استُشهدوا تقريباً، وهكذا الحركة التي كان يقودها محمد بن الأشعث، وهو وإن كان خبيثاً لكن كانت في حركته عناصر معروفة بارتباطها بمدرسة أهل البيت(عليهم السلام)وبمدرسة أمير المؤمنين(عليه السلام)، كسعيد بن جبير وأمثاله. وفي حركة المختار استُشهد أيضاً عدد كبير خصوصاً في الصراع مع عبد الله بن الزبير.

فهذه النخبة الصالحة قُتل منها عدد كبير جداً واستُأصل آخر، ممّا أحدث فراغاً كبيراً كان على الإمام أن يملأه، فربّى كثيرين من الناس لذلك.

وهذه مشكلة معقّدة جداً لذلك وكل الله وكل؟؟؟ الأنبياء لعملية تربية الإنسان وهم يمثلون القمة الصالحة في البشرية.


دور الامام السجاد(عليه السلام)في مواجهة المشاكل

1- ربط الأمة بخط الحسين(عليه السلام)

وهنا تجلّت شخصية الإمام زين العابدين(عليه السلام)وعظمته، ففي مثل هذه الظروف والمشاكل المعقّدة تمكن أن يحقق إنجازات عظيمة فيما يتعلق بهذا الموضوع (كحل للمشكلة الأولى)، فكان(عليه السلام)يبكي على الحسين ويربط الناس بخط الشهادة بالرغم من الظروف القمعية التي كان يواجهها، فنحن في ظروفنا الحالية حيث إذاعات بأيدينا نتكلم من خلالها ونتحدث ونخطب، ومع ذلك نجد الصعوبات الكبيرة في شد الناس إلى خط الشهادة، فكيف بالظروف القمعية التي أشرت إليها؟!

ومع ذلك تمكن الإمام زين العابدين(عليه السلام)أن يبقي هذا الخط حتى عصرنا الحاضر، بالرغم من أنَّ فترته كانت طويلة جداً وحتى الفترة التي قلتها كانت تواجه ظروفاً شبيهة بتلك الظروف القمعية وإن لم تكن بتلك الشدة.

وذلك إنّه(عليه السلام)كان يتوسل بأساليب دقيقة وذكية جداً للوصول إلى هذه الغاية، فكان يُقدَّم له الطعام فيبكي. وعندما تؤخذ شاة للذبح - مثلاً - كان يوقف صاحبها في السوق ويقول له: أسقيتها ماءً أم لا؟ يقول له: نعم، سقيتها. فيأخذ يبكي ويقول: إنَّ أبي الحسين ذُبح وهو عطشاناً. فكان(عليه السلام)يثير مشاعر الناس بذلك ليربطهم بالمنهج الذي اتّبعه الحسين(عليه السلام)، وقد تمكن من ذلك. وكذلك روايته لتفاصيل واقعة كربلاء كان لها أثر في ذلك; لأنّه لم يبق شاهد على هذه الحادثة في الجانب الذي يُمثل الحسين(عليه السلام)إلاّ هو ومجموعة من النساء، وكما تعرفون إنَّ علاقات النساء في المجتمع كانت محدودة، فزينب(عليه السلام)لاضطرارها خطبت في الكوفة والشام، ولكن لا توجد وسائل إعلام أو إذاعات ولا صحف ولا طباعة ولا كتب في ذلك العصر، وكانت علاقة النساء في المجتمع محدودة جداً.

فالإمام زين العابدين(عليه السلام)كان يجب عليه تحمل هذه المهمة التبليغية وإيصالها للناس; لأنّه الوحيد الذي يمكنه رواية هذه الحادثة، أما الآخرون فكل منهم يرويها بطريقته وتوجهاته الخاصة; لأنّهم كلهم يمثلون ذلك الجانب، فأقل ما يقومون به هو التبرير لهذه الحادثة، فحتى الذي يحب أهل البيت(عليهم السلام) كان يرويها بشكل يبرر تردده عن نصرة أهل البيت(عليهم السلام).

فكان الإمام زين العابدين(عليه السلام)يتوسل بهذه الاساليب ليشد الناس إلى هذا الخط وأنتم تقرأون الرواية التي تقول: ماقُدِّم له الطعام إلاّ وبكى، وما قُدِّم له الماء إلاّ وبكى، وما فُرش له فراش إلاّ وبكى. فهذه - في الواقع - ليست مجرد حالة انفعالية، وإن كانت الحادثة توجب الانفعال، ولكنها تمثل حالة تحمل مسؤولية هذه الدماء. وإلاّ فلماذا لم يكن الإمام الباقر(عليه السلام)هكذا؟! كانوا يتخذون موسم محرم للبكاء؟؟؟ فلا توجد الضحكة على وجوههم كما يُروى عن الإمام الكاظم(عليه السلام).

أمّا أن يكون حاله ـ كما تذكر بعض الروايات ـ: إنّه بكى أباه الحسين(عليه السلام)عشرين سنة، فهو باعتبار شعوره بالمسؤولية، حتى قيل له: إلى متى تبكي؟ قال(عليه السلام): من رأى مثلما رأيت؟! أي: من رأى أباه وإخوانه وأصحابه مجزرين أمامه كالأضاحي؟!

فهكذا كان الإمام السجاد(عليه السلام)يتحمل المسؤولية، وتمكن بإصراره وصموده ومواصلته أن يوصل لنا هذه الحادثة بروحها وامتداداتها وآثارها.


2- السلوك الأخلاقي للإمام السجاد(عليه السلام)

والعمل الآخر الذي قام به(عليه السلام)لحل المشكلة الثانية، هو: سلوكه الأخلاقي العجيب. فمن يقرأ حياة الإمام زين العابدين(عليه السلام)يرى معالم من السلوك المقتدى به، والقدوة ما لايتمكن الظالم أن يحاسب عليها. فالظالم يمكن أن يُحاسب على الحديث أو الخطاب، أمّا القدوة الصالحة فلا.

إنَّ الإمام زين العابدين(عليه السلام)كان يدور على بيوت أهل المدينة وفقراءها فيعطيها الأموال والطعام، ومختلف الروايات تنقل ذلك وتقول إنّه كان يغطّي وجهه لكي لايُعرف من الذي يُقدم ذلك.

وهذا الشيء إمّا كان ناشئاً من القمع الشديد بحيث إنَّ الإمام زين العابدين(عليه السلام)كان يرى إنّه ربما يؤاخذ على ذلك، أو إنّه كان يريد إعطاء البعد الأخلاقي لهذا العمل، فهو يعطي لله تعالى وحده ولا يريد أن يطلع عليه أحد إلاّ الله.

وفي رواية من الروايات تقول: إنّ أحد أرحامه ـ أي من بني هاشم ـ كان ينتقد الإمام(عليه السلام)بشدّة تصل أحياناً إلى الدعاء عليه; لأنّه كان يعتقد بأنّ الإمام لم يُحسن إليه، وعندما توفي الإمام السجاد(عليه السلام)قُطعت عنه بعض الصلات المجهولة التي كانت تصل إليه، فتبيّن له إنّ تلك الصلات كانت تصله من الإمام زين العابدين(عليه السلام)، فالإمام(عليه السلام)كان يسمع انتقاده له، ولكنّه لم يبيِّن له إنّ الذي يصله هو حتى بسكته فقط؟؟؟، وهو ابن عمه، فعندما يتكلم عليه يشكل عاملاً من عوامل الضغط، ولكنه(عليه السلام)كان يعطي هذا الجانب من القدوة.

وهناك مسائل كثيرة جداً تُذكر في شخصيته(عليه السلام)فيما يتعلق بالسلوك الأخلاقي; لأنّه كان يريد من هذه الأبعاد الأخلاقية هز ضمير المجتمع وإعادته إلى ذلك الجانب الأخلاقي الذي انهار فيه.

ويُذكر في التأريخ عن حلمه(عليه السلام): إنّه جاء شخص يسبه ويشتمه، وهو يجعل نفسه وكأنه لم يسمعه، حتى يمسكه هذا الشخص ويقول له: إياك أعني، فيقول له(عليه السلام): إياك اُعرض.

ومن خلال هذا السلوك الأخلاقي وأمثاله تمكّن الإمام(عليه السلام)أن يُدخل هيبته في نفوس الناس بدرجة هائلة جداً ورائعة.

ومن توفّق لحج بيت الله الحرام، لاحظ كيف إنّ الناس يزدحمون على الحجر فلا يُقدَّم كبير ولا يُؤخَّر صغير; لأنَّ المسألة دينية وشرعية وليست مسألة شهوات حتى يُقدَّم شخص على آخر، وفي ذلك الوقت كان هشام بن عبد الملك ولي العهد، فجاء إلى المسجد الحرام، وكلما حاول هو وجلاوزته أن يتناول الحجر بالطريقة المتعارفة فلم يتمكن، فجلس على كرسي تُحيط به جلاوزته بانتظار فرصة يخف فيها تواجد الحجاج ـ وكان بإمكانه أن يشق الصفوف ويصل إلى الحجر هو وجلاوزته عن طريق القتل والضرب، فيسد الأبواب ويمنع الناس، كما يصنع بعض الملوك الآن! لكنه لم يفعل ـ، وفي هذه الأثناء جاء الإمام زين العابدين(عليه السلام)بطريقة طبيعية يطوف، ثم توجه للحرم فأصبح الناس على شكل صفين وفتحوا الطريق له ليصل إلى الحجر، وأي أناس هؤلاء؟! هم أولئك الذين: قسم منهم قتل أباه، والقسم الآخر كان يسبه(عليه السلام)! فنحن الآن نعتقد به ونؤمن ونقبل تراب قدميه في مثل هذا الموقف، ولكن من يبتلي بنفس التجربة يعرف حقيقة نفسه.

ثم يأتي التساؤل من قبل أهل الشام: من هذا الشخص الذي تمكّن بكل بساطة أن يدنو من الحجر، مع إنّ هشاماً ومن معه لم يتمكنوا من ذلك؟! والقصة معروفة، وهي: إنّ هشاماً قال: لا أعرفه، فقال الفرزدق: أنا أعرفه، ثم أنشأ يقول:


هذا الذي تعرف البطحاء وطأتهوالبيت يعرفه والحل والحرم

فهذا الموضوع كان يعطي بعداً في سلوك الإمام زين العابدين(عليه السلام).

وكما قلت: إنّ الأئمة كلهم كان لديهم هذا السلوك، ولكنه(عليه السلام) كان لديه سلوك اجتماعي خارجي، حتى كان يُمثِّل القدوة الكاملة ويهز ضمائر الناس، حتى كانوا ينفرجون من هيبته ويسمحون له بالوصول إلى الحجر.

وهذا العمل معقد جداً لشخص يقصد منه التأثير في الأمة وتربيتها. فالإمام زين العابدين(عليه السلام)صرف كل حياته لإعطاء هذا البعد.


3- أدعية الإمام السجاد(عليه السلام)

أما ما واجه به التخلف الديني في المجتمع (المشكلة الثالثة)، فهو الأدعية التي جاءت في المأثور عنه.

وربما نستغرب نحن القدر من الأدعية التي وجدت من قبل الإمام زين العابدين(عليه السلام)إذ لم يشبهه أحد من الأئمة(عليهم السلام) في ذلك، فحتى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)الذي كان يُمثل قمة عالية في الزهادة والمناجاة لله تعالى ـ كما هو معروف في تأريخه ـ لم يُعرف عنه هذا القدر من الدعاء.

وأحتملُ إنّ قسماً من دعاء الإمام زين العابدين(عليه السلام)هو من دعاء أمير المؤمنين(عليه السلام)وأبيه وعمه الحسن(عليهم السلام)، ولكن لم يكن هناك مقتض لإظهار هذا القدر من الدعاء بين الناس كما اقتضى ظرف الإمام زين العابدين(عليه السلام).

ولا نريد الآن أن ندخل الان في بحث أصل الدعاء، ولكن هذا القدر الكبير من الدعاء ظهر في أيام الإمام زين العابدين(عليه السلام) ولم يظهر في زمن أيٍّ من الأئمة(عليهم السلام)الآخرين، كما ظهر - مثلاً - في زمن الإمام الصادق(عليه السلام)مقدار كبير من زيارة الإمام الحسين(عليه السلام)ولم يظهر ذلك في زمن أيٍّ من الأئمة الآخرين; باعتبار إنّ دور الإمام الصادق(عليه السلام)كان في مسألة الزيارة وقصد حرم الحسين(عليه السلام). ففي زمن الإمام زين العابدين(عليه السلام)كانت مسألة الدعاء مطروحة من الناحية الاجتماعية، حتى إنّ هناك صحيفة سجادية كان الناس يتداولونها، وهناك صحف متعددة أيضاً يفهم منها: إنّ ذلك يُمثل خطاً من الخطوط السياسية التي كان يتحرك على أساسها الإمام زين العابدين(عليه السلام)بالمعنى الإسلامي للسياسة.

إنّ الإمام زين العابدين(عليه السلام)كان يشعر بأنّ هناك نقطة ضعف في الأمة، وهي ارتباطها بالله تعالى مما يهدد مصيرها. ومن خلال الدعاء كان(عليه السلام)يريد ربط الناس بالله تعالى، ولاحظوا أساليبه في المناجاة، حتى أصبح داوود أهل البيت(عليهم السلام) باعتبار هذه الخصوصية، فقد كان يحاول معالجة مشكلة أساسية كانت موجودة في المجتمع.


4- عتق الرقيق

إنّ المشكلة الرابعة كانت: الفراغ الذي تركته الأحداث في وسط النخبة الصالحة من أتباع أهل البيت(عليهم السلام)، والإمام زين العابدين(عليه السلام)كان يواجه هذه المشكلة بأساليب متعددة، وسأشير هنا إلى ظاهرة كانت واضحة جداً في حياته، وهي: عتقه للعبيد:

كان الإمام زين العابدين(عليه السلام)يشتري عدداً من العبيد، فيشتري قسماً منهم أول السنة ـ أي في الأول من شوال ـ وقسماً آخر وسط السنة، ثم يعتقهم، فيعتق قسماً منهم في الأيام الأخيرة لشهر رمضان، والقسم الآخر في يوم العيد، وهكذا كان يشتري كميات كبيرة وصغيرة أحياناً، ويعتقهم في تلك الأيام، ويعتق على شكل صدفة في أثناء السنة؟، وهذا ما يؤكد عليه الكثير من المؤرخين.

ومن خلال ذلك يستشعر الإنسان بأنّ الإمام زين العابدين(عليه السلام) كان يقوم بهذه العملية لإيجاد دورات تربوية وثقافية للمسلمين، ومثل هذه الدورات الثقافية لم يكن من المستطاع إيجادها على اُناس عاديين; لأنّ السلطة كانت تمنع من تأسيس مدرسة يجتمع بها الناس ويعلمهم الإمام(عليه السلام)، كما كان يصنع الإمام الصادق(عليه السلام); وذلك لأنّ الأوضاع السياسية كانت مختلفة، وإنّما هذه العملية بسيطة وعادية في ذلك الوسط الاجتماعي، وهي: أن يشتري مجموعة من العبيد يخدمون في بيته، ويقوم الإمام(عليه السلام)بتربيتهم وتغذيتهم بالأخلاق، ثم يعتقهم لينتشروا في مختلف أصقاع الأرض، إذ إنّ العبد لا ينتمي إلى بلد معين من بلاد العالم الإسلامي، وغالباً ما يأتون من خارج مناطق العالم الاسلامي، وبعد أن يصبح هؤلاء متدينين فلا يفكرون بالعودة إلى بلادهم الأصلية وإنّما يذهبون للمكان الذي يأمِّنون به حياتهم واستقرارهم، إلى الكوفة - مثلاً - أو المدينة أو البصرة أو مكة أو اليمن أو مصر، أو أي مكان يمكنه أن ينسجم فيه وقد أصبح حراً في التحرك في العالم.

وهكذا تمكّن الإمام زين العابدين(عليه السلام)بهذا الأسلوب وبأساليب أخرى أن يسدَّ مساحة واسعة من هذا الفراغ الذي خلّفته تضحيات أهل البيت(عليهم السلام) وأتباعهم، حتى اُوجدت قاعدة يمكن أن نُعبر عنها بأنّها تؤمن بالإسلام الأصيل وتتبنى تحرك أهل البيت(عليهم السلام) السياسي.

وأخذت هذه القاعدة تنمو وتتطور حتى إنّها بأول فرصة اُتيحت للإمام الباقر(عليه السلام)تحوّلت ـ فوراً ـ إلى مدرسة علمية نُعبِّر عنها الآن بـ (مدرسة الإمام جعفر بن محمد الصادق(عليه السلام))، فهذه المدرسة بدأها الإمام الباقر(عليه السلام)الذي جاء بعد الإمام السجاد(عليه السلام)، فالإمام السجاد(عليه السلام)هيأ القاعدة والإمام الباقر(عليه السلام)طوّرها إلى مدرسة جامعة ومتكاملة.

فسلام الله على الإمام زين العابدين(عليه السلام)، فقد كان يواجه كل هذه التعقيدات والمشكلات بالصبر، الأمر الذي ميّزه عن بقيّة الأئمة(عليهم السلام).

وهناك مسائل وإشارات أخرى في حياة الإمام السجاد(عليه السلام)، تحتاج إلى دراسة وتمحيص وتعقيب وليس هذا مجالها، كما إنّ الوقت قد انتهى ولعلنا نعالج هذه الاشارات في فرصة أخرى إذا وفقنا الله تعالى.

أسأل الله تعالى أن يجعلنا من أتباع أهل البيت(عليهم السلام) ومن أبناء مدرستهم، وأن يجعلنا من اُولئك الذين يملؤون الفراغ الذي أحدثوه ببعدهم عنا.

كما أسأله تعالى أن يمن علينا وعلى المسلمين جميعاً بالنصر العاجل لقوات الإسلام على أعداءها، وأن ينتقم من صدام ونظامه وجلاوزته، وأن يفرج عن إخواننا في العراق الذي يُعتبر مركزاً من مراكز مدرسة أهل البيت(عليهم السلام). كما أسأله تعالى أن يمن علينا بطول عمر إمام الأمة الذي يُمثِّل نائباً حقاً للأئمة(عليهم السلام).

وأسأله تعالى أن يمن على شهداءنا برحمته ورضوانه، خصوصاً سيدنا وشهيدنا الصدر(رضي الله عنه). كما أسأله تعالى أن يوفقكم جميعاً لمراضيه، وأن يتقبل منا ومنكم.

والحمد لله رب العالمين.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية