دور الامام السجاد(عليه السلام)في مواجهة المشاكل
1- ربط الأمة بخط الحسين(عليه السلام)
وهنا تجلّت شخصية الإمام زين العابدين(عليه السلام)وعظمته، ففي مثل هذه الظروف والمشاكل المعقّدة تمكن أن يحقق إنجازات عظيمة فيما يتعلق بهذا الموضوع (كحل للمشكلة الأولى)، فكان(عليه السلام)يبكي على الحسين ويربط الناس بخط الشهادة بالرغم من الظروف القمعية التي كان يواجهها، فنحن في ظروفنا الحالية حيث إذاعات بأيدينا نتكلم من خلالها ونتحدث ونخطب، ومع ذلك نجد الصعوبات الكبيرة في شد الناس إلى خط الشهادة، فكيف بالظروف القمعية التي أشرت إليها؟!
ومع ذلك تمكن الإمام زين العابدين(عليه السلام)أن يبقي هذا الخط حتى عصرنا الحاضر، بالرغم من أنَّ فترته كانت طويلة جداً وحتى الفترة التي قلتها كانت تواجه ظروفاً شبيهة بتلك الظروف القمعية وإن لم تكن بتلك الشدة.
وذلك إنّه(عليه السلام)كان يتوسل بأساليب دقيقة وذكية جداً للوصول إلى هذه الغاية، فكان يُقدَّم له الطعام فيبكي. وعندما تؤخذ شاة للذبح - مثلاً - كان يوقف صاحبها في السوق ويقول له: أسقيتها ماءً أم لا؟ يقول له: نعم، سقيتها. فيأخذ يبكي ويقول: إنَّ أبي الحسين ذُبح وهو عطشاناً. فكان(عليه السلام)يثير مشاعر الناس بذلك ليربطهم بالمنهج الذي اتّبعه الحسين(عليه السلام)، وقد تمكن من ذلك. وكذلك روايته لتفاصيل واقعة كربلاء كان لها أثر في ذلك; لأنّه لم يبق شاهد على هذه الحادثة في الجانب الذي يُمثل الحسين(عليه السلام)إلاّ هو ومجموعة من النساء، وكما تعرفون إنَّ علاقات النساء في المجتمع كانت محدودة، فزينب(عليه السلام)لاضطرارها خطبت في الكوفة والشام، ولكن لا توجد وسائل إعلام أو إذاعات ولا صحف ولا طباعة ولا كتب في ذلك العصر، وكانت علاقة النساء في المجتمع محدودة جداً.
فالإمام زين العابدين(عليه السلام)كان يجب عليه تحمل هذه المهمة التبليغية وإيصالها للناس; لأنّه الوحيد الذي يمكنه رواية هذه الحادثة، أما الآخرون فكل منهم يرويها بطريقته وتوجهاته الخاصة; لأنّهم كلهم يمثلون ذلك الجانب، فأقل ما يقومون به هو التبرير لهذه الحادثة، فحتى الذي يحب أهل البيت(عليهم السلام) كان يرويها بشكل يبرر تردده عن نصرة أهل البيت(عليهم السلام).
فكان الإمام زين العابدين(عليه السلام)يتوسل بهذه الاساليب ليشد الناس إلى هذا الخط
وأنتم تقرأون الرواية التي تقول: ماقُدِّم له الطعام إلاّ وبكى، وما قُدِّم له الماء إلاّ وبكى، وما فُرش له فراش إلاّ وبكى. فهذه - في الواقع - ليست مجرد حالة انفعالية، وإن كانت الحادثة توجب الانفعال، ولكنها تمثل حالة تحمل مسؤولية هذه الدماء. وإلاّ فلماذا لم يكن الإمام الباقر(عليه السلام)هكذا؟! كانوا يتخذون موسم محرم للبكاء؟؟؟ فلا توجد الضحكة على وجوههم كما يُروى عن الإمام الكاظم(عليه السلام).
أمّا أن يكون حاله ـ كما تذكر بعض الروايات ـ: إنّه بكى أباه الحسين(عليه السلام)عشرين سنة، فهو باعتبار شعوره بالمسؤولية، حتى قيل له: إلى متى تبكي؟ قال(عليه السلام): من رأى مثلما رأيت؟! أي: من رأى أباه وإخوانه وأصحابه مجزرين أمامه كالأضاحي؟!
فهكذا كان الإمام السجاد(عليه السلام)يتحمل المسؤولية، وتمكن بإصراره وصموده ومواصلته أن يوصل لنا هذه الحادثة بروحها وامتداداتها وآثارها.
2- السلوك الأخلاقي للإمام السجاد(عليه السلام)
والعمل الآخر الذي قام به(عليه السلام)لحل المشكلة الثانية، هو: سلوكه الأخلاقي العجيب. فمن يقرأ حياة الإمام زين العابدين(عليه السلام)يرى معالم من السلوك المقتدى به، والقدوة ما لايتمكن الظالم أن يحاسب عليها. فالظالم يمكن أن يُحاسب على الحديث أو الخطاب، أمّا القدوة الصالحة فلا.
إنَّ الإمام زين العابدين(عليه السلام)كان يدور على بيوت أهل المدينة وفقراءها فيعطيها الأموال والطعام، ومختلف الروايات تنقل ذلك وتقول إنّه كان يغطّي وجهه لكي لايُعرف من الذي يُقدم ذلك.
وهذا الشيء إمّا كان ناشئاً من القمع الشديد بحيث إنَّ الإمام زين العابدين(عليه السلام)كان يرى إنّه ربما يؤاخذ على ذلك، أو إنّه كان يريد إعطاء البعد الأخلاقي لهذا العمل، فهو يعطي لله تعالى وحده ولا يريد أن يطلع عليه أحد إلاّ الله.
وفي رواية من الروايات تقول: إنّ أحد أرحامه ـ أي من بني هاشم ـ كان ينتقد الإمام(عليه السلام)بشدّة تصل أحياناً إلى الدعاء عليه; لأنّه كان يعتقد بأنّ الإمام لم يُحسن إليه، وعندما توفي الإمام السجاد(عليه السلام)قُطعت عنه بعض الصلات المجهولة التي كانت تصل إليه، فتبيّن له إنّ تلك الصلات كانت تصله من الإمام زين العابدين(عليه السلام)، فالإمام(عليه السلام)كان يسمع انتقاده له، ولكنّه لم يبيِّن له إنّ الذي يصله هو حتى بسكته فقط؟؟؟، وهو ابن عمه، فعندما يتكلم عليه يشكل عاملاً من عوامل الضغط، ولكنه(عليه السلام)كان يعطي هذا الجانب من القدوة.
وهناك مسائل كثيرة جداً تُذكر في شخصيته(عليه السلام)فيما يتعلق بالسلوك الأخلاقي; لأنّه كان يريد من هذه الأبعاد الأخلاقية هز ضمير المجتمع وإعادته إلى ذلك الجانب الأخلاقي الذي انهار فيه.
ويُذكر في التأريخ عن حلمه(عليه السلام): إنّه جاء شخص يسبه ويشتمه، وهو يجعل نفسه وكأنه لم يسمعه، حتى يمسكه هذا الشخص ويقول له: إياك أعني، فيقول له(عليه السلام): إياك اُعرض.
ومن خلال هذا السلوك الأخلاقي وأمثاله تمكّن الإمام(عليه السلام)أن يُدخل هيبته في نفوس الناس بدرجة هائلة جداً ورائعة.
ومن توفّق لحج بيت الله الحرام، لاحظ كيف إنّ الناس يزدحمون على الحجر فلا يُقدَّم كبير ولا يُؤخَّر صغير; لأنَّ المسألة دينية وشرعية وليست مسألة شهوات حتى يُقدَّم شخص على آخر، وفي ذلك الوقت كان هشام بن عبد الملك ولي العهد، فجاء إلى المسجد الحرام، وكلما حاول هو وجلاوزته أن يتناول الحجر بالطريقة المتعارفة فلم يتمكن، فجلس على كرسي تُحيط به جلاوزته بانتظار فرصة يخف فيها تواجد الحجاج ـ وكان بإمكانه أن يشق الصفوف ويصل إلى الحجر هو وجلاوزته عن طريق القتل والضرب، فيسد الأبواب ويمنع الناس، كما يصنع بعض الملوك الآن! لكنه لم يفعل ـ، وفي هذه الأثناء جاء الإمام زين العابدين(عليه السلام)بطريقة طبيعية يطوف، ثم توجه للحرم فأصبح الناس على شكل صفين وفتحوا الطريق له ليصل إلى الحجر، وأي أناس هؤلاء؟! هم أولئك الذين: قسم منهم قتل أباه، والقسم الآخر كان يسبه(عليه السلام)! فنحن الآن نعتقد به ونؤمن ونقبل تراب قدميه في مثل هذا الموقف، ولكن من يبتلي بنفس التجربة يعرف حقيقة نفسه.
ثم يأتي التساؤل من قبل أهل الشام: من هذا الشخص الذي تمكّن بكل بساطة أن يدنو من الحجر، مع إنّ هشاماً ومن معه لم يتمكنوا من ذلك؟! والقصة معروفة، وهي: إنّ هشاماً قال: لا أعرفه، فقال الفرزدق: أنا أعرفه، ثم أنشأ يقول: