السيد الشهيد الصدر(قدّس سرّه)
إنّ استشهاد السيد الشهيد الصدر(قدّس سرّه) كان يمثل أيضاً خسارة كبيرة جداً ـ وكذلك أصحابه ومن سار بسيرته ـ في العراق وفي العالم الإسلامي كله، فمن يعرف خصائص الشهيد الصدر(قدّس سرّه)، علمه فضله، تقواه، حركته، الآمال التي كانت معقودة على يده في المستقبل، وغير ذلك من الخصوصيات يمكنه أن يفهم مدى الخسارة التي لحقت بالمسلمين عند استشهاده.
وهنا يطرح هذا السؤال: هل كان مثل هذا الأمر يستحق مثل هذه الخسارة الكبيرة التي لحقت بالمسلمين من خلال استشهاده؟
ألم يكن من الأولى أن يبقى الشهيد الصدر(قدّس سرّه) مجاملا وساكتاً ومحتفظاً بوجوده، يؤلف المؤلفات ويكتب النظريات ويربي الطلبة، ففي هذا أيضاً خدمة كبيرة للعالم الإسلامي؟ أمّا عندما يقتل فكل هذه الخدمات ستنتهي معه.
فهذا الشيء أيضاً يطرح كما طرحناه في قضية الحسين(عليه السلام) عندما قلنا: إنّ شهادة الإمام الحسين(عليه السلام) كانت خسارة كبيرة للمسلمين. صحيح أن هناك منفعة كانت للإسلام، لكن من ناحية أُخرى أنّ الحسين(عليه السلام) وأصحابه وهؤلاء العلماء المخلصين الذين كانوا من حوله يمثلون النخبة الصالحة، لو كانوا موجودين لقاموا بخدمة عظيمة جداً للعالم الإسلامي.
لكن عندما ننظر إلى جانب الخصوصيات التي كانت متوفرة في الشهيد الصدر(قدّس سرّه)، فقد كان مرجعاً متصدياً بين الناس، ويمثل امتداداً في تاريخه وفي وضعه العلمي والعائلي، وهو معترف به اعترافاً حقيقياً في الأوساط العلمية والحوزوية فالخط الأصيل للإسلام يقر ويعترف للسيد الشهيد(قدّس سرّه) بذلك.
فلا يمكن لأي شخص مهما كان موقفه من خط السيد الشهيد الصدر(قدّس سرّه) وتوجهاته أن ينكر أنه كان من المجتهدين والمحققين والفضلاء.
ربما توجه شكوك حول بعض الأشخاص الذين خدموا الإسلام.. لكن هذا الشخص باعتبار عمقه العلمي ونشأته الحوزية وغير ذلك من الخصوصيات التي لا أُريد الدخول في موضوعها....؟؟؟ لا يوجد من يشك في شخصيته.
لكن الموقف كان يفرض عليه هذه التضحية.
......؟؟؟ وهكذا بالنسبة إلى غيره من المخلصين، فعندما يكون لهم وضع متميز يفرض عليهم موقفاً معيناً فهم مسؤولون أمام الله سبحانه وتعالى ويجب عليهم التصدي.
ولا ينبغي أن يقول الإنسان: إذا تصديت سأقتل أو سيقتل أهلي ومن يتعلق بي، وهذا ما يشكل خسارة للإسلام، ولذلك سأبقى محتفظاً بحياتي وأقوم به ورى؟؟؟ في خدمة المجتمع.
بل لابد أن يتحمل مسؤوليته مهما كانت النتائج; لأنّ خط الحسين(عليه السلام) - كما قلت - هو خط حيّ، وقد عرفنا ذلك من وصية الحسين(عليه السلام) (إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا ظالماً ولا مفسداً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أُمّة جدي).
فلم يقل (عليه السلام): إنما خرجت لأنّ الله سبحانه أن أخرج مهما كانت النتائج بأعتبار أني؟؟؟ الحسين بن علي، وإنما كان هناك هدف مشخص ومعين كان يفرض عليه الخروج، وهو الإصلاح في أمة جده... (آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر. أسير بسيرة جدي وأبي، فمن قبلني بالحق فالله أولي بالحق) فالقضية إذاً هي القبول بالحق والإصلاح، وهذا ما يطرح أمامنا دائماً ولا يختص بذلك الزمان. فالإصلاح في أُمّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتجسيد سيرة النبي(صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين(عليه السلام) هي قضية مطروحة دائماً أمام المسلمين، وبالتالي فإن خط الحسين(عليه السلام) هو خط حي.
والنقطة الثالثة:
إننا يجب أن ننتبه لنميز الخط الحسيني والمجلس الحسيني والخطيب الحسيني الحقيقي والهيئة الحسينية الحقيقية، من الخط والمجلس والخطيب والهيئة الشكلية الصورية التي لا يكون فيها محتوى ومضمون ثورة الحسين(عليه السلام).
فالجماعة التي ننظر إلى القضية الحسينية أنها مستمرة ومتجددة، والأحداث القائمة دائماً تكون مطابقة للأحداث التي عاشها الحسين(عليه السلام) فهذا هو التوجه الحقيقي، والخطيب الحسيني الذي يؤكد دائماً على ذلك فهو يقترب من خط الحسين(عليه السلام)، كذلك الجماعة والهيئة الحسينية والشعر الذي يلقى والعزاء الذي يقام، كل ذلك هو توجه حقيقي. أما غيره فأنا أذكر بهذه المناسبة أنني حضرت أحد المجالس وكثيراً ما شعرت بالألم والحسرة، فهو مجلس يقام في العاشر من المحرم، وفي هذه الظروف التي نعيشها في أيامنا الحاضرة، من تكالب الأعداء على الإسلام ومحاولتهم تحطيمه، وظروف الثورة الاسلامية في إيران والثورة الإسلامية في العراق، وظلم صدام وقتله للمؤمنين وتشريده للمسلمين، ثم إنّ الخطيب يصعد المنبر ويتحدث عن الحسين(عليه السلام) ويذكر قصته التأريخية دون أن يذكر شيئاً مما يرتبط بكل هذه المجريات، فكأنه لم يكن هناك تهجير ولا قتل ولا سجن ولا مظلومون ولا معركة بين الكفر والإسلام، ولا ثورة... فلا قائد ولا مقود، بل وكأننا نعيش قبل مئة سنة.
ثم يقال: إنّ هذه المجلس هو مجلس حسيني. وهذا - في الواقع - أنا أعتبره بتراً لقضية الحسين(عليه السلام) مع قطع النظر عن شخصية هذا الخطيب، ومفهوم البتر أننا نمسك مقصاً ونقص قضية الحسين(عليه السلام) من كل جذورها وآثارها، فنجعلها معلقة بين الأرض والسماء، وحينئذ يمكن أن يقال بأنها كانت تستحق تضحية الحسين(عليه السلام) الكبيرة، فيقتل (عليه السلام) هو وأولاده وأهل بيته وأصحابه ويضحي بنفسه وبوجوده المبارك الذي كان يمكن أن يكون له تأثير في مسيرة التاريخ. بيد أن هذه القضية أنما تستحق هذه التضحية إذا كانت ممتدة مع التاريخ ولها آثارها وتفاعلاتها ومجراها.
إنّ كل واحد منا مسؤول أمام الله تعالى وكل حسب موقعه، الهيئة لها موقع والخطيب ومن يجلس تحت المنبر كذلك، فكلنا له موقع كما كان للحسين(عليه السلام) موقع متميز فرأى نفسه مسؤولا للقيام بهذا العمل.
وأنا أسألكم بالله ألم يكن الإمام الحسين(عليه السلام) بشراً له عواطف وأحاسيس؟
نعم، كان فوق الناس فهو معصوم، ولكنه على كل حال بشر، والبشر خلق فيه الله سبحانه عواطف وأحاسيس تميزه عن الملائكة الذين لم تخلق لهم العواطف والأحاسيس، وعن الوحوش التي لا تتأثر.
إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) عندما توفي ولده إبراهيم لمرض به وقف على قبره ودمعت عيناه - وهذا ليس ضعفاً وإنما هو عاطفة - فقيل له: يا رسول الله أتبكي على إبراهيم؟ قال: نعم، فقد تدمع العين ويحزن القلب - مضمون كلامه - ولكن لا نقول ما يغضب الرب.
فهو يلتزم بالموقف ولكنه يبقى بشراً يأكل ويتغذى ويتحسس.
والحسين(عليه السلام) أيضاً كانت عنده عواطف، فلم يكن من السهل عليه أن يذبح رضيعه عطشاناً؟؟؟ بهذا الشكل الفضيع تحت الشمس في ذلك القيض الحار، بدل أن يعطى اللبن ويظلل عن الشمس.
هل كان الإمام الحسين(عليه السلام) قليل الغيرة - والعياذ بالله - على نسائه وأخواته وبنات عمه وممن كن في حضانته ورعايته؟ كلاّ لقد كان سيد الغيورين.
فالرجال كان شأنهم أن يقاتلوا فيقتلون، لكن هناك مأساة أشد ألماً على الحسين(عليه السلام) من الجهاد والقتال.
هل كان لا يحب ابنه عليّاً الأكبر، وقد كان يقول له: (على الدنيا بعدك العفا)؟ أي أنّ تأثره وانفعاله كان بدرجة أنه يرى أنّ الدنيا قد خرجت من عينه بكل لذاتها لمشاهدته هذه المأساة.
لكنه مع ذلك تحمل الألم في سبيل القيام بوظيفته الشرعية وبالمسؤولية التي أُلقيت على عاتقه، ونحن كلنا مسؤولون. لا أقول كلنا متساوون في المسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، وإنما كل من موقعه وكل حسب قدرته وإمكانيته، فالعالم مسؤول وكذلك الوجيه ورئيس الهيئة الحسينية والشاعر والخطيب والمستمع و...، فعندما نقوم بمسؤولياتنا ووظائفنا نكون واقعاً حسينين مجسدين لخط الحسين(عليه السلام)
إنّ الحسين (عليه السلام) له كرامة عند الله تعالى; لأنه جسد الوظيفة الشرعية الشرعية وتحمل كل شيء في سبيل ذلك. فيجب علينا فهم محتوى قضية الحسين(عليه السلام) وفي مقابل هذا نقوم بوظيفتنا الشرعية، وبذلك نكون من أُولئك الذين خرجوا للإصلاح في أُمّة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وساروا بسيرة الإمام الحسين(عليه السلام)
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا قائمين بالوظائف الشرعية والمجسدين لخط الحسين(عليه السلام) وأن يحشرنا مع الحسين وأصحابه.
كما أسأله تعالى أن يمن على المسلمين بالنصر العاجل، وأن ينصر دولة الحسين على دولة يزيد.. دولة إمامنا على دولة صدام المجرم.
كما أسأله تعالى أن يتغمد شهداءنا الأبرار برحمته ويحشرهم مع الحسين وأصحابه.