ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) | نتيجة ثورة الإمام الحسين(عليه السلام) | العوامل التي أدّت إلى نتيجة الثورة الحسينية | مقارنة نتيجة الثورة الحسينية بالأوضاع الحاليّة | أوّلاً: شعارات حزب البعث | ثانياً: القمع الذي يقوم به النظام البعثي | مواجهة القمع | نتيجة التسليم للقمع | ثالثاً: شراء الضمائر | رابعاً: الإحساس بالضعف أمام القوى العظمى  
 
 
 

أسباب ونتائج الثورة الحسينية


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين أبي القاسم محمد وعلى وآله الطيبين الطاهرين.

السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليك مني سلام أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد مني لزيارتكم، السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين.

والسلام على بقية الله في أرضه صاحب العصر والزمان الحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، وعلى نائبه إمام الأُمة وأمل المستضعفين.

والسلام على شهداء الإسلام في كل مكان من شهداء الصدر الأول للإسلام إلى شهداء هذا العصر.

والسلام عليكم سادتي العلماء الأعلام وإخواني المؤمنين الكرام ورحمة الله وبركاته.

قال تعالى في محكم كتابه الكريم:

{يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أنّ الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون. واتقوا فتنة لاتصبين الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أنّ الله شديد العقاب واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون}.

بداية أشكر للإخوان الأعزاء حفاوتهم بي، وأعتذر عما تحدثوا به عنّي في هذا المجلس لأني لا أرى نفسي إلاّ خادماً من خدّام الحسين (عليه السلام) وكلُّ إنسان يتضاءل أمام ذكرى الحسين (عليه السلام).


ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)

في ليلة التاسع من محرم هذه ونحن نعيش ذكرى ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) العظيمة، بودي أن أتحدث للإخوة الأعزاء عن نقاط ثلاث ترتبط بثورة الإمام الحسين (عليه السلام) وأُقارنها بأوضاعنا الحاضرة التي نعيشها.

وقبل الحديث في هذا الموضوع أودّ الإشارة إلى نقطة أعتبرها ذات أهمية خاصة لكل الحسينيين الذين يرتبطون بالحسين (عليه السلام) ويرفعون شعاره، وهي أنّ تضحية الإمام الحسين (عليه السلام) هل إنها تمثل المظلومية التي واجهها (عليه السلام) في عصره، والتي نعرف الكثير من جوانبها وخصوصياتها من خلال ما يتفضل به الخطباء وما يتحدث عنه المؤرخون والعلماء، أو أنّ هناك جوانب أُخرى خفيت علينا ولم يتحدث عنها التاريخ؟

هل إنّ قضية الحسين (عليه السلام) تعني أنه كان أشرف إنسان على وجه الأرض في عصره، ثم تعرّض للظلم، وفي نفس الوقت للغدر والخيانة من قبل الشعب الذي كان يعيش بين ظهراني الحسين (عليه السلام) أم أنها أكبر من ذلك؟

في تصوري أنّ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) أكبر من ذلك، فهي تمثل تصميماً ربانياً للرسالة الخاتمة.

إنّ الله سبحانه وتعالى كما اختار محمداً (صلى الله عليه وآله) خاتماً للأنبياء في تاريخهم، وكما اختار الحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف) ليقوم بمهمة في تاريخ الإنسانية، وهي مهمة إقامة حكومة العدل الإلهي التي تشمل جميع نواحي الحياة، فقد اختار أيضاً سبحانه وتعالى في تصميمه لمسيرة البشرية حادثة الحسين (عليه السلام) كي تمثل السنن الطبيعية التاريخية التي تتحكم في مسيرة التاريخ الإنساني.

فمن جانب إنّ الحسين (عليه السلام) يمثل خط الأنبياء (عليهم السلام)، فهو الوريث لآدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (على نبينا وآله وعليهم السلام)، ويتحمل مسؤوليات هذا الخط في مقطع زمني من أهمّ مقاطع حياة المسلمين وهو الصدر الأول.

ومن جانب آخر إنّ الأُمة الإسلامية التي هي خير أُمة أُخرجت للناس واجهت هذا الإنسان الوريث لكل الرسالات ولكل القيم والمثل بمثل هذه المواجهة وبموجب سنن تاريخية تتحكم بمسيرة الإنسان وتاريخه.

ومن هنا لابد لنا دائماً أن ننظر إلى تضحية الحسين (عليه السلام) من هذا المنظور. فليست هي مجرد شخص أراد الخير لقومه فخذله قومه وغدروا به وقتلوه، وإنما تمثل حركة في تاريخ الإنسانية باعتبار وراثته للأنبياء والمواجهة التي واجهها.

وهذه الحركة لابد من انعكاسها دائماً على مسيرة الإنسان في كل مقاطع التاريخ حتى ظهور الإمام المهدي (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).

فمن خلال هذا المنظور يمكننا بحث نهضة الإمام الحسين (عليه السلام).

وهذه النهضة - في الواقع - يمكن أن تكون موضوعاً لأبحاث كثيرة جداً تستغرق أوقاتاً واسعة وتملأ كتباً كثيرة، فلا يمكن تناولها بهذه العجالة من كلّ جوانبها.

وإنما أردت بهذه العجالة أن أتناول جانباً منها وأتحدث فيه للإخوة الأعزة، وأحاول أن أُقارن بين قضية الحسين (عليه السلام) في عصره، وقضيته في عصرنا الحاضر لنستخلص العبرة من ذلك، فمن خلال هذه المقارنة كأننا نشهد حركة الحسين (عليه السلام) ونهضته ومواجهته في هذا المقطع الزمني من تاريخنا.


نتيجة ثورة الإمام الحسين(عليه السلام)

إنّ هناك سؤالا يثار دائماً حول حركة الحسين (عليه السلام) وهو جدير أيضاً بالبحث والتدقيق، وهو:

لماذا انتهت حركة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى هذه المأساة مع أنّ الواقع السياسي والاجتماعي الذي كان يعيشه المسلمون في ذلك العصر كان مهيئاً لأن يكون إلى حدّ كبير في نصرة الحسين (عليه السلام)، فهناك مجموعة من الشواهد التاريخية تؤكد أنّ الأُمة الإسلامية في ذلك الوقت كانت تتعاطف مع حركة الحسين (عليه السلام).

ومن هذه الشواهد الرسائل التي أرسلها أهل الكوفة، وكذلك موقف أهل البصرة زعماء وجماهير، وموقف أهل اليمن والمدينة ومكة، فهذه المواقف وإن لم تظهر على سطح الأحداث مرّة واحدة، إلاّ أنّ العالم الإسلامي شهدها متسلسلة ومتأثرة بموقف الحسين (عليه السلام) في فترة لا تتجاوز الخمس سنوات، إذ إننا شاهدنا أحداثاً كبيرة جداً في كلّ هذه المناطق.

ومن جانب آخر إنّ القائد الذي دعا الأُمة إلى الثورة ومواجهة الظلم هو الإمام الحسين (عليه السلام) بخصائصه ومميزاته الشخصية والاجتماعية والتاريخية الفريدة التي لم تجتمع في غيره.

ومن جانب ثالث إنّ رأس الحكم كان نذلا أرعن، بالإضافة إلى أنه لم تكن لديه تجربة في الحكم، فمن الواضح أنّ شخصية يزيد لم تكن قوية كشخصية معاوية ذات التجربة الطويلة، الذي تمكن من إرادة الأُمور من خلال المعرفة والدهاء الذي كان يتمتع به.

فهل النتيجة التي انتهت إليها ثورة الحسين (عليه السلام) وهي الفاجعة المؤلمة كانت غير منسجمة مع مثل هذه الخصوصيات في الجوانب الثلاثة التي ذكرتها؟ إنّ هذا السؤال عندما يطرح على الناس بشكل عام يكون الجواب أنّ أهل الكوفة كانوا منافقين دعوا الحسين (عليه السلام) إلى الثورة ثم غدروا به وانتهى الأمر إلى هذه الفاجعة.

لكنّ الجواب في تصوري لا ينبغي أن يكون بهذه البساطة باعتبار تجربة الإمام الحسين (عليه السلام) الطويلة وخصائصه، فليس من الممكن أن يخدع من قبل مجموعة من الناس فيأتي إلى الكوفة ويقتل. بل إنّ القضية أعمق من ذلك، ولها أبعاد أوسع من هذه الحدود.


العوامل التي أدّت إلى نتيجة الثورة الحسينية

إنّ هناك مجموعة من العوامل - في تصوري - كانت موجودة في زمن الحسين (عليه السلام) وبارزة بشكل واضح وإن لم تكن خاصة بزمنه وإنما تبرز دائماً في مسيرة التاريخ، وهذه العوامل لها آثار طبيعية تؤدي إلى النتائج التي انتهت إليها حادثة كربلاء.

فنجد دائماً في التاريخ أنّ لهذه العوامل تأثيراً أساسيّاً ولابد أن نواجهها كما واجهها الإمام الحسين (عليه السلام)، وعند عدم هذه المواجهة ستكون النتائج ما انتهت إليها ثورة الحسين(عليه السلام).

وبهذا نفهم أنّ نهضة الحسين (عليه السلام) تمثل سنناً وقوانين تتحكم في مسيرة ومجرى التاريخ.

واختصاراً للحديث أذكر هنا أربعة من هذه العوامل:


العامل الأول:

تضليل الأُمة الإسلامية.

لقد تمكن معاوية بسياسته ودهائه ومن خلال خطط وضعها أن يقوم بعملية تضليل واسعة للأُمة الإسلامية بشكل عام، والتاريخ يحدثنا عن مجموعة من الخطط التي وضعها معاوية والتي ترتكز على منهج إعلامي، من جملتها:

أولا: تسقيط شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام) بوضع الأحاديث وما أشبهها لذلك.

والإمام علي (عليه السلام) لم يكن يمثل شخصاً في ذلك الزمان، وإنما كان يمثل خطاً ومنهجاً عبّر عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله: (علي مع الحق والحق مع علي).

فعلي (عليه السلام) كان يُميَّز به المؤمن من المنافق. كانت له هذه الخصوصيات والمواصفات...

ومعاوية عليه اللعنة حاول تسقيط هذه الشخصية ذات الخصوصيات المتميزة، فقد وضع أموالا كثيرة ووظف أشخاصاً كثيرين للقيام بعملية التسقيط لعلي(عليه السلام) في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. ومما قام به معاوية في هذه الخطة هو سبُّ علي (عليه السلام) على المنابر. فكل خطبة يخطبها إمام الجمعة يسب بها علياً (عليه السلام).

ويمكن معرفة تأثير هذا الأمر إذا عرفنا أنّ كل أُسبوع تقام فيه صلاة جمعة في كل منطقة من مناطق العالم الإسلامي، الحواضر والأرياف والقرى و.....، يسب في خطبيتيها الإمام علي (عليه السلام).

ثانياً: الدعاية لخط عثمان الذي كان يمثل خطاً ومنهجاً أيضاً في تعامل الحكم مع الرعية.

إنّ المنهج الذي اتبعه عثمان هو إعطاء الإمكانات والقدرات التي تملكها الدولة الإسلامية بيد أشخاص معدودين يمثلون أزلام الخليفة ويلتفون حوله، مما يعني إيجاد طبقة بيدها كل الإمكانات والقدرات التي يملكها العالم الإسلامي، سواء على المستوى المادي أو مستوى السلطة أو مستوى الجاه والعلاقات الاجتماعية.

وهذا المنهج يختلف عن منهج الرسول (صلى الله عليه وآله) تماماً، وحتى الخلفاء بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يلتزموا هذا المنهج.

فمعاوية كان يدعو إلى تعريف عثمان وخط عثمان الذي ثار عليه المسلمون ـ كما تعرفون ـ وقتلوا عثمان نتيجة لرفضهم منهجه هذا. أمّا معاوية فتمكن من خلال خطته أن يجعل منهج عثمان هو المنهج الرسمي وكأنه هو المنهج الإسلامي الذي يلتزم به المسلمون ويؤمنون به.

ثالثاً: التعريف بالصحابة الذين كانوا يرتبطون بجهاز الحكم وبالخلافة ارتباطاً عضوياً، وكأنهم أنصار لهذا الخليفة ولهذا الحكم، وبتعبير آخر: التعريف بهذه الطبقة منبعه تسقيط علي (عليه السلام) ومنهجه، والتعريف بخط عثمان كمفهوم وأفكار، قام معاوية بتعريف الطبقة التي أوجدها عثمان للتسلط على العالم الإسلامي وكأنها هي النخبة الصالحة الوارثة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وللإسلام، والمسلّمة بأحكام الإسلام، والعارفة به وبكل خصوصياته.

وهذا المفهوم الذي خلقه معاوية تؤمن به الكثير من عقليات المسلمين حتى الآن.

فقد دعم معاوية خطته هذه بأُسلوبين:

الأول: وضع الروايات على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله) تدعو المسلمين للخضوع والتسليم للحاكم مهما كان ظالماً وجائراً.

الثاني: إيجاد علماء السوء لإصدار الفتاوى حسبما يشتهي الحاكم ويريد.

وبهذا الشكل تمكن معاوية من القيام بعملية تضليل واسعة في العالم الإسلامي. وخطة التضليل هذه هي ما نواجهها في مختلف مراحل التاريخ.


العامل الثاني:

هو ما واجهته الأُمة من القمع، فمن يرفض السلطة أو يقوم بعمل مضاد لها ستواجهه بالقتل والتعذيب والسجن، وغيرها من الأساليب التي كان يستخدمها الطغاة والجبابرة.

فهذا المنهج هو من المناهج التي ابتدعها معاوية، فأنتم تلاحظون أنّ عثمان في زمنه مع المفاهيم التي خلقها إلاّ أنّ القمع لم يكن موجوداً إلاّ على مستوى نفس الأشخاص المعارضين للسلطة، كما حدث بالنسبة إلى أبي ذر الغفاري - مثلا - وإلى بعض الصحابة.

أما القتل والسجن وأخذ العائلة والأهل بجريرة المعارضين فلم يكن موجوداً إلاّ من خلال المنهج الذي وضعه معاوية، والذي أخذ يتفاقم ويبلغ القمة في زمن يزيد بن معاوية.

وهذا الأمر هو ما نراه جلياً في رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى معاوية التي يردُّ فيها على رسالة معاوية المعروفة التي يحذّره فيها من الثورة والنهوض ضدّه. فقد أجاب الإمام الحسين (عليه السلام) على رسالة معاوية وأكّد على ظاهرة التقتيل والقمع عندما ذكر حجر بن عدي وأصحابه، وعمرو بن الحمق الخزاعي ومطاردته.

فقال فيها الحسين (عليه السلام): إني أستغفر الله سبحانه وتعالى على عدم الثورة والنهوض في وجه معاوية بعد مشاهدة الجرائم التي يرتكبها في حق المسلمين.

ومنهج القمع هذا نشاهده أيضاً عند دخول عبيد الله بن زياد إلى الكوفة، فقد قام بأعمال قمعية لإيجاد حالة من الرعب والخوف في نفوس الناس.

وأبرز مظاهر القمع التي مارسها عبيد الله بن زياد هي:

- قتله لهانئ بن عروة وجرّه بالحبال في الأسواق مع أن هانئاً كان يتمتع بشخصية كبيرة.

وما قام به أيضاً تجاه مسلم بن عقيل (عليه السلام).

- كذلك القرار الذي عمَّمه - أو الحكم - على كلّ السلطات والأجهزة البوليسية التي كان يملكها، فمن يقرأ هذا القرار يتذكر القرارات التي تتخذها بعض السلطات في عصرنا الحاضر.

يقول النص التاريخي: « وأخذ عبيد الله بن زياد العرفاء بالناس أخذاً شديداً - وطبيعي أنّ التقسيمات البوليسية في ذلك الوقت كانت بهذا الشكل. أنه يوجد على كل محلة من المحلات شخص يسمى عريفاً، ودوره شبيه بدور المختار في أيامنا هذه - فقال: اكتبوا إلى العرفاء ومن فيهم من طلبة أمير المؤمنين ومن فيهم من أهل الحرورية - والمقصود من الحرورية الخوارج الذين يخرجون على السلطات، فكل من يخرج على السلطات كان يسمى حرورياً، وإن لم يكن من الخوارج - وأهل الري الذين شأنهم النفاق والشقاق، أنّ من يأتي لنا بمن يخالفنا فهو بريء لا يؤاخذ بشيء، ومن لم يكتب لنا فليضمن لنا من في حراسته أن لا يخالفنا منهم مخالف ولا يبغي علينا باغ.

ومن لم يفعل برئت منه الذمة، وحلال لنا دمه وماله. فأيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين ولم يرفعه إلينا، صلب على باب داره وأُلغيت العرافة كلّها من العطاء».

يعني تلغى العرافة بالنسبة إلى مجموع المحلّة، واتخذت مثل هذه الإجراءات في البصرة وفي مكة والمدينة أيضاً.

فهذا ما كانت تعتمده السلطة، وكان يمثل ظاهرة واضحة جداً في قضية الحسين (عليه السلام).


العامل الثالث:

هو شراء الضمائر بالمناصب والأموال: إنّ يزيد بن معاوية في أول يوم استلم فيه السلطة وتحدث عن برنامج عمله، لم يتحدث عن الإصلاحات والأعمال التي سوف يقوم بها في المجتمع الإسلامي، وإنما طرح في خطابه الرسمي الأول أنه سوف يوفر العطاء لهم ويعطيهم الكثير من المال.

فكان يقول: « لقد كان معاوية يغزوكم في البحر ولست حاملا أحداً من المسلمين في البحر، وكان بأرض الروم ولست حاملاً أحداً بأرض الروم، وكان يخرج عطاءكم وأنا أجمعه لكم كله ».

وفي أول خطبة لابن زياد في الكوفة طرح فيها نفس هذا المضمون، حيث يقول: «...... وهذا ابنه يزيد يكرم العباد ويغنيهم بالأموال، وقد زادكم في أرزاقكم مئة مئة، وأمرني أن أوفرها عليكم وأُخرجكم إلى حرب عدوه الحسين، فاسمعوا له وأطيعوه ».

فكان ابن زياد يركّز في حديثه على خطة بذل الأموال. ونحن نعرف قصة قائد الجيش الذي خرج لقتال الحسين (عليه السلام) أنه كان يقاتل ليعطى ولاية ملك الري، هذه المنطقة التي نعيش فيها الآن.

إنّ أبرز القضايا التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته، شراء الضمائر بالأموال والمناصب وإعطاء الوجاهات للناس الذين كانت مواقفهم تتغير في لحظات.

ومن القصص العجيبة التي نمرّ عليها عابرين أحياناً، أما عندما نتأمل بها نجدها من الظواهر الموجودة دائماً في تاريخ الإنسان، وهي قصة هانئ بن عروة.

فعمرو بن الحجاج الذي كان يعتبر أحد القادة الكبار لجيش عبيد الله بن زياد، وله دور قيادة الخيالة كلّها في حرب الحسين (عليه السلام) كان صهراً لهانئ.

وعندما قبض على هانئ بن عروة، وبلغ مذحج خبر قتله، جاء عمرو بن الحجاج بمذحج، وطوّق قصر الإمارة، وهدد عبيد الله بن زياد بقتله وتقويض قصر الإمارة، وقتل كلِّ من فيه.

هذا كان دور عمر بن الحجاج في ذلك.

وخرج شريح القاضي ـ كما تعرفون ـ وطمأن الجماعة بأنّ هانئ بن عروة حي يرزق.

وبعد أيام قليلة لا تتجاوز شهراً ـ لأنّ المدة من حين مقتل مسلم بن عقيل إلى خروج الجيش لقتال الحسين (عليه السلام) كانت أقل من شهر - يتحول من قائد جيش لقتال عبيد الله بن زياد، إلى قائد جيش مع عبيد الله بن زياد لقتال الحسين (عليه السلام).

فهذه الحالة - في الواقع - ليست حادثة عادية، فلو لم تكن هناك أوضاع اجتماعية عامة، لما كان من الممكن أن يتحول إنسان كهذا في مدة قصيرة لم تتغير فيها الأحداث إلى قائد في جيش عبيد الله بن زياد.


العامل الرابع:

هو إحساس الأُمّة بالضعف والعجز أمام القوى الكبرى العظمى.

وأحد أمثلة ذلك هو خوف أهل الكوفة - بشكل عام - من جيش أهل الشام.

إنّ تاريخ أهل الكوفة فيه مجموعة من الأحداث تدلل على أنهم دائماً كانوا يشعرون بالخوف والهيبة من قوة عظمى، وهي جيش الشام، باعتبار تجربة أهل الكوفة مع أهل الشام في صفين وما بعدها، واحتلال جيش الشام للكوفة وإذلال أهلها.

وهذا ما ظهر واضحاً في قضية الحسين (عليه السلام)، فعندما قتل هانئ بن عروة وخرج مسلم بن عقيل لتطويق قصر ابن زياد، كان التهديد الذي واجهه أهل الكوفة في تلك الليلة وأدّى إلى تفرقهم عن مسلم (عليه السلام) هو أنّ جيش الشام سوف يأتيهم وليس باستطاعتهم مقاومته، فالحديث يقول: إنّ شخصاً اطلع على أهل الكوفة من وراء جدار القصر وقال لهم: إنّ جيش الشام سوف يأتيكم، فما كان إلاّ أن يأتي الأخ إلى أخيه والزوجة إلى زوجها يدعوهم للانصراف خوفاً من جيش الشام.

ويتكرر ذلك أيضاً في زمن الحجاج بن يوسف في حركة عبد الرحمن بن الأشعث التي هددت السلطة الأُموية، حتى إنّ عبد الملك بن مروان كان يشعر بالخوف منها على قدراته وإمكاناته، إلاّ أنّ هذه الحركة قوضت عند التهديد بمجيء جيش أهل الشام. فالإحساس بالضعف وبأنّ هناك قوة عظمى لا يمكن أن تقاوم وتغلب كان أحد القضايا التي واجهها الحسين (عليه السلام) وكان لها تأثير سلبي كبير جداً في حركته.

وهذه العوامل الأربعة التي أشرت إليها عندما ندخل في تحليل هذا الموضوع نجدها تظهر في عدة مقاطع من تاريخ المسلمين، منها أيام الحجاج بن يوسف الثقفي، وأبي العباس السفاح أول خليفة لبني العباس وبعده المنصور الدوانيقي.

ونجد هذه الظاهرة أيضاً واضحة في زمن المعتصم العباسي، وبعد ذلك في زمن المتوكل العباسي.

فهذه الظاهرة كانت موجودة في تاريخ العراق وفي تاريخ المسلمين جميعاً.


مقارنة نتيجة الثورة الحسينية بالأوضاع الحاليّة

وعندما نريد مقارنة الظروف التي نعيشها في زمننا هذا مع ظروف الحسين (عليه السلام)، نجد أنّ لهذه العوامل الأربعة تأثيراً كبيراً، ونحن كعراقيين يمكننا معرفة وإدراك هذه الحقيقة.

فبالرغم من أنّ أهل الكوفة، بل المسلمين جميعاً كانوا يرفضون بيعة يزيد وخلافته وتحركوا للتعبير عن رفضهم، وبالرغم من أنّ هناك قيادة كقيادة الحسين(عليه السلام)، إلاّ أنّ النتائج كانت هذه النتائج التي عرفتها كربلاء نتيجة لهذه العوامل.

ونأتي هنا إلى هذه العوامل لنقارنها بأوضاعنا الحالية:


أوّلاً: شعارات حزب البعث

إنّ البعثيين عندما جاءوا إلى العراق فإنّ أول عمل قاموا به هو عملية التضليل العام والشامل لأبناء العراق، فطرحوا قضية الجواسيس، وأنّ هناك شبكات واسعة من التجسس في العراق وهم يريدون القضاء عليها.

ثم طرحوا قضية فلسطين وكأنها القضية الأولى التي يتبناها العفالقة، فلا يوجد منقذ لفسطين إلاّ هم.

وبعدها طرحوا قضية تأميم النفط وكأنها تمثل أكبر إنجاز يقوم به العفالقة في المنطقة.

بالإضافة إلى الشعارات التي كانوا يطرحونها، من قبيل الحرية والوحدة والاشتراكية، وغير ذلك من محاولات التضليل.

ولا زال المنهج الإعلامي في الكذب والتضليل وافتعال الأحداث هو منهج أساسي يرتكز عليه نظام البعث.

وهذه في الواقع من القضايا الأساسية التي يجب أن نتنبّه إليها، وهي قضية الإعلام والكذب والخداع ومحاولة حرف المسيرة وإعطاء صور مضللة ومخادعة، وهي من الخطط التي ينتهجها الاستكبار وأعداء الإسلام والطغاة لضرب أي تحرك في مقابلهم.

وقد واجه الحسين (عليه السلام) ذلك في تحركه، إذ إنّ عيالاته عندما دخلت إلى الشام كان الشاميون يعتقدون أنهم الخوارج الذين خرجوا على الخليفة، ولم يكونوا يعلمون أنها عيالات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنّ المقتول هو ابن بنته.

فجماهير أهل الشام وعامتهم لم يكونوا يعرفون مثل هذه الخفايا.

وهذا مايتكرر دائماً في التاريخ، وفي تصوري أنّ إحدى العبر التي يجب أن نعتبر بها ونلتفت إليها دائماً هي مسألة فحص الأساليب الإعلامية التي يستخدمها الأعداء لتسقيط شخصيات المتصدين للثورة ولقضايا الإسلام.


ثانياً: القمع الذي يقوم به النظام البعثي

إنّ ما شاهدناه في العراق عن كثب هو أنّ أحد المرتكزات الأساسية التي يرتكز عليها النظام ويستخدمها كاستراتيجية لدعم وجوده وقدراته هو القمع والإعدامات والمطاردات، فهذا ما لم ينج منه أي عراقي حتى أصدقاء النظام، وأنتم تعرفون أنّ الكثير من المؤمنين يترددون ويتوقفون الآن عن التصدي للنظام خوفاً من الأعمال القمعية التي يقوم بها النظام تجاههم أو تجاه عوائلهم والمرتبطين بهم.

وعندما نريد القيام بعملية إحصاء لمن يرفض النظام في هذه المرحلة، نجد أنّ الأكثرية الساحقة من أبناء الشعب العراقي يرفضون النظام. لكن لماذا لا يثور الشعب ولا يقاوم ولا يسقط النظام حتى لا يتمكن صدام من التحكم برقاب الشعب العراقي؟ فالقمع إذاً هو أحد العوامل الأساسية والمركزية التي نواجهها.


مواجهة القمع

وأودّ هنا أن أُشير إلى نقطة أعتبرها مرتبطة بسنّة من السنن التاريخية، وهي مواجهة القمع. فكيف نواجه القمع؟

هناك خياران لمواجهة القمع:

أحدهما: التسليم والرضوخ والاستسلام للقمع وعدم مواجهته، وهذا ما يختاره الضعفاء من الناس غالباً.

والثاني: هو خيار المواجهة والمقاومة والتضحية والفداء، فبعض الناس يتصورون أنه المنهج الصحيح، فبالتسليم يمكن امتصاص حالة القمع تدريجياً حتى ينتهي وتكون هناك فرصة للتحرك في مواجهة النظام الظالم المجرم.

وهذا التصور - في الواقع - عاشه الكثير من الناس في العراق عندما واجهوا القمع، وعاشه الكثير منهم في زمن الحسين (عليه السلام) وما قبله.

وحتى في زمن موسى (عليه السلام)، فالقرآن الكريم يذكر عمليات القمع التي كان يمارسها فرعون تجاه الإسرائيليين في زمن موسى(عليه السلام)، والإسرائيليون كانوا أمام خيارين أيضاً، إما التسليم وهو ما اختاره أكثرهم، أو المقاومة وهو الخيار الذي اختاره موسى (عليه السلام).

ويشير القرآن الكريم إلى القصة المعروفة بقوله تعالى: {وإذ قال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض ويذروك وآلهتك قال ستقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون}.

فقد اتخذ فرعون منهج القمع.

أما موسى فكان يقول لقومه: {قال موسى لقومه استيعنوا بالله واصبروا إنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين}.

والإسرائليون كانوا يقولون: {وقالوا أوذينا من قبل أن تأتينا وبعدما جئتنا}.

أي أنّ الأذى كان يصيبنا قبل أن تأتينا واستمر حتى بمجيئك، فنحن لا نتمكن مواصلة الطريق.

وهنا يقول موسى كما يذكر القرآن الكريم: {قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون}.

فمن خلال هذه المقارنة نعرف أنّ قضية القمع كانت دائماً مطروحة عند الطغاة على مرّ العصور.

{إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم}.


نتيجة التسليم للقمع

ومن العبر التي يقدمها لنا الحسين (عليه السلام) في مواجهة القمع أنه اختار مقاومته; لأنّ التسليم سوف لا يؤدي إلى بقاء القمع عند درجة معينة، بل سوف يزيد في درجته على ما يبدو ذلك من حديث الحسين (عليه السلام) - فاختار (عليه السلام) منهج المقاومة وقدّم تضحية كبيرة.

إنّ الحسين (عليه السلام) في خطبته يوم عاشوراء عندما يئس من أصحاب عمر بن سعد ومن أهل الكوفة بعدما وعظهم ونبههم ودعاهم إلى نصرته وتأييده، قال لهم: « إنّ الله سبحانه وتعالى سوف يبتليكم بغلام ثقيف، يسمل عيونكم ويصلب رجالكم ويفعل بكم كذا وكذا....».

وعندما سلم هؤلاء لم يتوقف القمع الذي كان يمارسه الأُمويون عند ذلك الحدّ، بل ازداد وتوسع حتى شملت عمليات القمع كلّ المجتمع الإسلامي، فإذا كان في ذلك الوقت جزء لم يتعرض للقمع فإنه قد تعرض له بعد ذلك.

وإذا أخذنا العراق كنموذج يتطابق تماماً مع الأوضاع التي عاشها الحسين (عليه السلام)، نجد أنّ عمليات القمع أول ما بدأت بالحوزة العلمية، ببعض المؤمنين الخيرين الأبرار من أبناء الإسلام، وعندما وقفت الأُمّة موقف التسليم كانت النتيجة أن طالت عمليات القمع كلّ الناس، وأصبحت حالة يعيشها كل العراق، لا يختلف فيها السني عن الشيعي، ولا العربي عن الكردي ولا أصدقاء النظام عن أعدائه، أصبحت حالة عامة وشاملة لكل أبناء الشعب.

وهذا هو قانون وسُنّة من السنن التي تتحكم في تاريخ الإنسان، فعندما نواجه حالة القمع بالتسليم فسوف لا تتراجع، وإنما سوف يزداد القمع وينمو ويكبر حتى يشمل كلّ المجتمع، وهذه القضية ليست خاصة لزمن الحسين (عليه السلام)، فالحسين (عليه السلام) يمثل أعظم مصداق لها، لكنها تتحكم في كل تاريخ البشرية.


ثالثاً: شراء الضمائر

قضية شراء الضمائر التي عانى منها الحسين (عليه السلام) نحن الآن نعيشها ووجدنا كيف يتحول الانسان من خلالها في يوم واحد إلى بضاعة، فهو يؤيد هذا الزعيم في هذا اليوم، وبعده بيوم يؤيد زعيماً آخر.

إنّ الانقلابات التي عشناها في العراق شاهدنا فيها كيف أن الكثير من كبار القادة والضباط والشخصيات يوالون هذا الزعيم في هذا اليوم، ويتحوّلون في اليوم الثاني إلى زعيم آخر.

ففي زمن البعثين تحوّل أصدقاء أحمد حسن البكر الخُلَّص إلى أزلام لصدام; لأنّ الحالة الأخلاقية التي كان يعيشها هؤلاء هي شراء الضمائر. فهؤلاء لا ضمائر لهم، وإنماهم عبارة عن بضاعة تباع وتشترى.

فالبعثيون الذين يدعون أنهم عقائديّون وأصحاب فكر وفلسفة وفهم للحياة، وأنهم حزب قائم على مبادئ معينة، لاحظوا كيف يتحولون إلى مأجورين يباعون ويشترون في سوق البضاعة الإنسانية.

فبالأمس كان سعدون شاكر وزير الداخلية وقبله كان مسؤول المخابرات العامة، وهو اليوم محجوز في بيته، ويمكن بعد عشرين يوم... شهر... يكون وزيراً من الوزراء مرة أُخرى لأنه عبارة عن بضاعة تباع وتشترى.

إنّ هذه الأخلاقية إذا كانت الأُمة تعيشها فيمكن أن تواجه حالة شبيهة بحالة الحسين (عليه السلام).

فمهما كانت الأُمة رافضة للنظام إذا كانت حالتها بيع الضمائر فيمكنها حينئذ أن تتحول في لحظة واحدة من مناصرة للحسين (عليه السلام) إلى عدوة له تقتله وتسحق أضلعه.

وهنا أود الإشارة إلى مسألة ربما تكون صغيرة جداً على النفوس، ولكني أُريد تنبيه إخواني العراقيين عليها، وهي أنّ تعاملنا مع الثورة الإسلامية في مواجهة نظام صدام إذا كان على أساس الانتفاع، على أساس أنّ هذه الجهة التي تخدمني وتعطيني الأموال، وتزودني بالكوبون (البطاقة التموينية) وتسهل لي أُموري وتجارتي وعملي هي جهة جيدة. أما التي لا تصنع ذلك فهي جهة سيئة..... هذه - في الواقع - بداية صغيرة جداً للحالة الأخلاقية التي تحدثت عنها.

فيجب أن نتعامل مع الثورة الإسلامية والعقيدة الإسلامية، ومع المواجهة لإقامة حكم الله في العراق على أساس مبدئي ومن المنطلق الذي انطلق منه أصحاب الحسين (عليه السلام) الذين كانوا لا يعرفون إلاّ الله سبحانه وتعالى والعقيدة الإسلامية، ولا يفكرون بأي نفع دنيوي من الحسين (عليه السلام) إلاّ أن يضعهم في موضع الرضا من البارئ جل وعلا.

فهذه المسألة من المسائل الأساسية التي تبدو صغيرة جداً، ثم تكبر وتكبر وتكبر حتى تصبح حالة مرضية تسوق الأُمة إلى أوضاع شبيهة بالتي واجهتها الأُمّة في عصر الحسين (عليه السلام).


رابعاً: الإحساس بالضعف أمام القوى العظمى

إنّ أهل الكوفة كان لديهم من الإمكانات والقدرات ما يمكنهم أن يهزموا به جيش الشام، وقد جرّبوا أنفسهم في صفين، فوصلوا إلى نقطة كان يمكنهم منها إلحاق الهزيمة الكاملة بجيش الشام في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكنهم إنما انهزموا أمام جيش الشام بإرادتهم واختيارهم، وبأخلاقية البيع والشراء التي كانت تحكم ضمائرهم، فتخلفوا عن طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) اعتقاداً منهم أنّ جيش الشام هو قوة عظمى.

وفي عصرنا الحاضر يوجد طرح، هو أنّ الولايات المتحدة قوة عظمى لا تقهر، وكان العرب يعتقدون أنّ إسرائيل هي قوة عظمى لا تقهر فلابد أن ينهزموا أمامها.

إنّ هذا النوع من التصور الذي يسيطر أحياناً على عقل الإنسان وقلبه ويجعله ينهزم نفسياً وروحياً قبل أن ينهزم جسدياً وخارجياً. مما يؤثر على مجرى التاريخ ويغيّر من وجهة الأحداث دائماً.

وهذا ما نعيشه نحن الآن، فهناك عند المسلمين جميعاً شعور بالاستضعاف أمام الاستكبار، كأنهم جماعة مستضعفون لا يمكنهم مقاومة القوى العظمى كأمريكا وروسيا.

وطبيعي من خلال الثورة الإسلامية ومجريات الأحداث فيها وجدنا شواهد كثيرة على إمكانية وقوف المسلمين بوجه هذه القوى العظمى ومقاومتها، بل وينتصرون عليها. والقرآن الكريم هو واضح جداً في هذا الموضوع، يقول تعالى في قصة موسى: {إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً...}.

بعدها قال جلّ شأنه: {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان منهم ما كانوا يحذرون}.

فهذه القضية يذكرها القرآن الكريم كقانون طبيعي يتحكم في تاريخ البشرية كلها.

فأي أُمّة وأي جماعة من المسلمين إذا كانت تشعر بالاستضعاف وبهيمنة القوى العظمى عليها فربما تدرك أنها ستكون منهزمة دائماً مهما كانت قيادتها.

أمّا عندما تشعر بالقوة وبأنها مرتبطة بالله سبحانه وتعالى القادر على كل شيء، والأكبر من كل شيء فحينئذ لا بد أن تنتصر مهما كانت القوة المقابلة لها.

والله سبحانه وتعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم به} فالدعوة في هذه الآية تفسر بأنها الدعوة إلى الحياة... الدعوة إلى الجهاد، فبالجهاد تحيا الجماعة وتكون قادرة على الاستمرار.

وفي ختام هذه الآيات الشريفة يذكّر الباري جلّ وعلا المسلمين بالحقيقة، فيقول: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس...}.

أي أن حال العرب قبل مجيء الإسلام هو أنهم كانوا قليلين مستضعفين يخافون من الروم ومن الفرس، ولكنهم بإيمانهم بالله وارتباطهم به وبالإسلام تمكنوا أن يقهروا الروم والفرس معاً، وهما قوتان عظميان كانتا في ذلك العصر، فهذا تعبير عن قانون وعن سنة تاريخية تتحكم في مسيرة التاريخ ويمكنها أن تتكرر دائماً.

فالرسول (صلى الله عليه وآله) انتصر، والحسين (عليه السلام) ابن رسول الله ووارثه ولديه الخبرات والإمكانات والبركات الإلهية، لكن النتائج والآثار اختلفت باعتبار تخلف السنة عنه.

فيجب أن ندرك هذه الحقائق ونأخذ العبرة منها.

وإسرائيل إذا أخذناها كنموذج بسيط جداً شهدناه في التاريخ الأخير، نجد أنّ الدول العربية بقضها وقضيضها.. بأسلحتها وإمكاناتها.. بجيوشها الكبيرة كانت تشعر بالهزيمة روحياً أمام إسرائيل، فكانت تهزم في كل معركة تخوضها معها.

ولكن هناك نخبة صالحة مؤمنة من أبناء الجنوب اللبناني شعروا بالقوة وبارتباطهم بالله تعالى، فتمكنوا أن يلحقوا الهزيمة لأول مرة بإسرائيل - ولو بشكل محدود ومقطعي - التي لم تتمكن الجيوش العربية من إلحاق الهزيمة بها.

هذه القضية أذكرها باعتبار أنها تمثل بعداً من الأبعاد التاريخية وسنة من السنن.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا بالحسين (عليه السلام) ويجعلنا ممن يسير على منهجه ويتأسى به ويأخذ بثأره.

كما أسأله تعالى أن يجمع قلوبنا ويوحّد صفوفنا، وينصرنا على أنفسنا، وأن يحقق لنا ما نصبو إليه من نصر عاجل على أعداء الإسلام، وأن يرينا ذلك اليوم الذي نجتمع فيه تحت راية الإسلام في عراقنا الجريح لنجدد ذكرى الحسين (عليه السلام) وذكريات أهل البيت (عليهم السلام)، إن شاء الله.

وفي ختام حديثي أشكر لإخواني الأعزّاء القائمين على هذه الحسينية المباركة إتاحتهم هذه الفرصة لي، كما أشكر أيضاً لإخواني الأعزّاء من السادة العلماء والمؤمنين الكرام إتاحتهم لي فرصة الحديث والاستماع.. وأسأله تعالى أن يتقبل منا ومنهم، وأن يحشرنا مع الحسين(عليه السلام) إن شاء الله، ويرزقنا شفاعته في يوم الورود.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية