رابعاً: الإحساس بالضعف أمام القوى العظمى
إنّ أهل الكوفة كان لديهم من الإمكانات والقدرات ما يمكنهم أن يهزموا به جيش الشام، وقد جرّبوا أنفسهم في صفين، فوصلوا إلى نقطة كان يمكنهم منها إلحاق الهزيمة الكاملة بجيش الشام في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكنهم إنما انهزموا أمام جيش الشام بإرادتهم واختيارهم، وبأخلاقية البيع والشراء التي كانت تحكم ضمائرهم، فتخلفوا عن طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) اعتقاداً منهم أنّ جيش الشام هو قوة عظمى.
وفي عصرنا الحاضر يوجد طرح، هو أنّ الولايات المتحدة قوة عظمى لا تقهر، وكان العرب يعتقدون أنّ إسرائيل هي قوة عظمى لا تقهر فلابد أن ينهزموا أمامها.
إنّ هذا النوع من التصور الذي يسيطر أحياناً على عقل الإنسان وقلبه ويجعله ينهزم نفسياً وروحياً قبل أن ينهزم جسدياً وخارجياً. مما يؤثر على مجرى التاريخ ويغيّر من وجهة الأحداث دائماً.
وهذا ما نعيشه نحن الآن، فهناك عند المسلمين جميعاً شعور بالاستضعاف أمام الاستكبار، كأنهم جماعة مستضعفون لا يمكنهم مقاومة القوى العظمى كأمريكا وروسيا.
وطبيعي من خلال الثورة الإسلامية ومجريات الأحداث فيها وجدنا شواهد كثيرة على إمكانية وقوف المسلمين بوجه هذه القوى العظمى ومقاومتها، بل وينتصرون عليها. والقرآن الكريم هو واضح جداً في هذا الموضوع، يقول تعالى في قصة موسى: {إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً...}.
بعدها قال جلّ شأنه: {ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان منهم ما كانوا يحذرون}.
فهذه القضية يذكرها القرآن الكريم كقانون طبيعي يتحكم في تاريخ البشرية كلها.
فأي أُمّة وأي جماعة من المسلمين إذا كانت تشعر بالاستضعاف وبهيمنة القوى العظمى عليها فربما تدرك أنها ستكون منهزمة دائماً مهما كانت قيادتها.
أمّا عندما تشعر بالقوة وبأنها مرتبطة بالله سبحانه وتعالى القادر على كل شيء، والأكبر من كل شيء فحينئذ لا بد أن تنتصر مهما كانت القوة المقابلة لها.
والله سبحانه وتعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم به} فالدعوة في هذه الآية تفسر بأنها الدعوة إلى الحياة... الدعوة إلى الجهاد، فبالجهاد تحيا الجماعة وتكون قادرة على الاستمرار.
وفي ختام هذه الآيات الشريفة يذكّر الباري جلّ وعلا المسلمين بالحقيقة، فيقول: {واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس...}.
أي أن حال العرب قبل مجيء الإسلام هو أنهم كانوا قليلين مستضعفين يخافون من الروم ومن الفرس، ولكنهم بإيمانهم بالله وارتباطهم به وبالإسلام تمكنوا أن يقهروا الروم والفرس معاً، وهما قوتان عظميان كانتا في ذلك العصر، فهذا تعبير عن قانون وعن سنة تاريخية تتحكم في مسيرة التاريخ ويمكنها أن تتكرر دائماً.
فالرسول (صلى الله عليه وآله) انتصر، والحسين (عليه السلام) ابن رسول الله ووارثه ولديه الخبرات والإمكانات والبركات الإلهية، لكن النتائج والآثار اختلفت باعتبار تخلف السنة عنه.
فيجب أن ندرك هذه الحقائق ونأخذ العبرة منها.
وإسرائيل إذا أخذناها كنموذج بسيط جداً شهدناه في التاريخ الأخير، نجد أنّ الدول العربية بقضها وقضيضها.. بأسلحتها وإمكاناتها.. بجيوشها الكبيرة كانت تشعر بالهزيمة روحياً أمام إسرائيل، فكانت تهزم في كل معركة تخوضها معها.
ولكن هناك نخبة صالحة مؤمنة من أبناء الجنوب اللبناني شعروا بالقوة وبارتباطهم بالله تعالى، فتمكنوا أن يلحقوا الهزيمة لأول مرة بإسرائيل - ولو بشكل محدود ومقطعي - التي لم تتمكن الجيوش العربية من إلحاق الهزيمة بها.
هذه القضية أذكرها باعتبار أنها تمثل بعداً من الأبعاد التاريخية وسنة من السنن.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا بالحسين (عليه السلام) ويجعلنا ممن يسير على منهجه ويتأسى به ويأخذ بثأره.
كما أسأله تعالى أن يجمع قلوبنا ويوحّد صفوفنا، وينصرنا على أنفسنا، وأن يحقق لنا ما نصبو إليه من نصر عاجل على أعداء الإسلام، وأن يرينا ذلك اليوم الذي نجتمع فيه تحت راية الإسلام في عراقنا الجريح لنجدد ذكرى الحسين (عليه السلام) وذكريات أهل البيت (عليهم السلام)، إن شاء الله.
وفي ختام حديثي أشكر لإخواني الأعزّاء القائمين على هذه الحسينية المباركة إتاحتهم هذه الفرصة لي، كما أشكر أيضاً لإخواني الأعزّاء من السادة العلماء والمؤمنين الكرام إتاحتهم لي فرصة الحديث والاستماع.. وأسأله تعالى أن يتقبل منا ومنهم، وأن يحشرنا مع الحسين(عليه السلام) إن شاء الله، ويرزقنا شفاعته في يوم الورود.