المقدمة | ما هو الشيء الذي استجدّ في قضية الحسين (عليه السلام)؟ | التهديد الحقيقي لبيضة الإسلام | القمع اليزيدي | التحرك الشعبي العام في الأُمَّة الإسلامية | تخلخل الوضع السياسي | الظروف التي نعيشها في العراق  
 

 
 

محاضرة ألقاها سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه)
يوم السبت 6/10/1984 م، المصادف 10/1/1405 هـ.ق 14/7/1363 هـ. ش.


الحالة التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء وسيد المرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك وأناخت برحلك، عليك منّي سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتكم، السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين (عليه السلام).

السلام عليك يا سيّدنا ومولانا يا صاحب العصر والزمان ياحجّة الله في أرضه، الحجة بن الحسين (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، والسلام على إمام الأُمَّة وأمل المستضعفين آية الله العظمى السيد الخميني (قدّس سرّه)، السلام عليكم أيُّها الإخوة، يا أبناء الحسين (عليه السلام) وشيعته ورحمة الله وبركاته.


المقدمة

في الواقع إن الحسينيات عندما تنفق من أجل الأئمَّة(عليهم السلام) فهي تمثّل الانتساب إلى كل موالى هؤلاء الأئمَّة، وبالرغم من أن القائمين على إدارة هذه الحسينية (حسينية الإمام الكاظم(عليه السلام)) هم بالأصل من مدينة الناصرية، إلاّ أنّي أقول - بالإذن من الإخوة أهالي الكاظمية -: إن هذه الحسينية تنتسب إلى كل موال لأبي إبراهيم الإمام الكاظم (عليه السلام) وبالتالي فكل هؤلاء الجالسين سواء أكانوا من أبناء مدينة مدينة الناصرية أم غيرهم - هم أولياء الإمام الكاظم (عليه السلام).

كما أنهم في نفس الوقت أولاد الإمام الحسين (عليه السلام) وأولاد الإمام الحسن (عليه السلام)، وأولاد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذا في الواقع من القواسم المشتركة، فهؤلاء الأئمَّة يجتمعون بمحبّتهم ونهجهم وولائهم وخطبهم، كل أُولئِك الذين يسيرون على هذا المنهج والخط.

وعندما تقرأ سيرة الإمام الحسين (عليه السلام) في التأريخ، نجد أن كلمة الشيعة كانت تستعمل في شيعة آل علي وآل أبي سفيان، حتى إنَّه ورد هذا التعبير (شيعتي) في كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد، فهذه الكلمة - أي التشيُّع - هي عبارة عن هذه الحالة من الانتماء والولاء لأهل البيت (عليهم السلام).

وهذا لا يختص بجماعة معيّنة، وإنما هو يمثّل خطاً في المسلمين، وحتى في أُولئِك الذين لا يؤمنون بإمامة أهل البيت (عليهم السلام)، فالكثير منهم يوالون أهل البيت (عليه السلام) ويرتبطون معهم بقلوبهم، وما أسهل استجابتهم لمذهب أهل البيت (عليه السلام) عندما يجدون الفرصة مفتوحة لهم.

وعندما نتحدّث عن الإمام الحسين (عليه السلام) فلابدّ أن نأخذ موضوع الإمام الحسين (عليه السلام) كقضية إسلامية; لأنّ الإمام الحسين (عليه السلام) عندما طرح نفسه بين المسلمين، وقام بهذه الثورة لم يقم بها منتمياً إلى جماعة من الناس أو مذهب معيّن، وإنما كان يرى في نفسه - وهذه الرؤية هي الحقّ، لأنَّها رؤية الإسلام - أنه امام لكل المسلمين الذين كانوا يرون هذه الرؤية، أي أنّ هذا الإنسان بمواصفاته هو أحقّ الناس بالخلافة والإمامة والولاية.

كما تعرفون أنّ زهير بن القين كان عثمانياً في توجّهاته وميوله، ولكن في لحظة واحدة - عندما كشف له الإمام الحسين (عليه السلام) الحقيقة - تحوَّل من العثمانية إلى الولاء لأهل البيت (عليه السلام)، وإلى الاعتقاد بالامام الحسين (عليه السلام)، وقاتل بين يدي الإمام الحسين (عليه السلام) حتى قتل، وكان من أبرز أصحابه.

إنّ هذه الحقيقة لابدّ أن نضعها أمام أعيننا، وبالتالي فسوف نستفيد من ثورة الحسين (عليه السلام) في كل عصر وزمان، في الدعوة إلى الخط الأصيل للإسلام، وهو خطّ أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا هو الشيء الذي أراده منّا أهل البيت (عليهم السلام) وكذلك يمكن أن نهدي غير المسلمين من خلال طرح مذهب أهل البيت (عليهم السلام) وطرح مثلهم وقيمهم ومفاهيمهم.


ما هو الشيء الذي استجدّ في قضية الحسين (عليه السلام)؟

في هذه الليلة، ليلة العاشر من المحرّم، أودُّ أن أُعالج سؤالاً قد يكون موجوداً في أذهان الكثير من الإخوة الموالين; لأنّ أهل البيت (عليهم السلام) - كما تعرفون - يمثلمون خطاً متكاملاً، وهذا الخط يمثّله علي والحسن والحسين وزين العابدين (عليه السلام)، فهؤلاء كلّهم يمثلون حقيقة واحدة وقضية واحدة ومسألة واحدة، ومن هنا يطرح هذا السؤال: ما هو الشيء الذي استجد في قضية الحسين (عليه السلام)، بحيث أدّى إلى أن يقوم بثورته ويشهر السلاح؟ فما هي المستجدات التي وضعت أمام الحسين (عليه السلام) في سنة 59 للهجرة، بحيث نجد أنّ الإمام الحسين (عليه السلام) يعلن ثورته ويتحرّك ويشهر السلاح، ويعلن ما نسمّيه في عصرنا هذا بالكفاح المسلح ضد السلطة، ويقوم بهذه الثورة وتقع هذه المأساة التي لا زالت تعيش في ضمير الأُمَّة الإسلامية جمعاء؟

هناك مجموعة من الحقائق التي لابدّ أن نعرفها بشكل كامل، بحيث نفترض أنها هي المستجدات، وهذه الحقائق هي:


الحقيقة الأُولى:

إنّ الحسين وأهل البيت (عليهم السلام) - بشكل عامّ - يدركون أنّ حكم معاوية بن أبي سفيان وحكم الأمويين كان حكماً ظالماً منحرفاً، يمثل الطغيان والاستهتار بالإسلام، ويمثل العدوان على الناس، وعلى أموالهم وعزّتهم وشرفهم وكرامتهم، وهذه الحقيقة من الحقائق التي كانت موجودة وثابتة، وهي كما كانت موجودة في سنة 59هـ، كانت موجودة قبل ذلك، منذ أن تولى معاوية الخلافة، وهذا الحكم حكم ظالم في نظر أهل البيت (عليهم السلام)، وقد غيّر الإمام الحسين (عليه السلام) عن هذه الحقيقة في رسالة كتبتها إلى معاوية بعد وفاة الإمام الحسن (عليه السلام)، وقال فيها لمعاوية: لا زلت تحكم بالجور والظلم، وتفرض على المسلمين ألوان الظلم والإرهاب.

إذن فلا يوجد شيء جديد يمكن أن نسمّيه أنه حكم منحرف، أي أنّ هذا الحكم المنحرف كان قائماً قبل سنة 59هـ.


الحقيقة الثانية:

إنّ الحسين (عليه السلام) كان موجوداً قبل سنة 59هـ، بمعنى أنه كان إنساناً معروفاً بين الناس، وموقفه كموقف الإمام الحسن (عليه السلام) تماماً، بحيث لا يمكن أن نقول: إن موقف الإمام الحسين (عليه السلام) كان مختلفاً عن موقف الإمام الحسن (عليه السلام)، وفي زمن الإمام الحسن (عليه السلام) كان الإمام الحسين (عليه السلام) يراعي وجهة نظر الإمام الحسن (عليه السلام)، ثم بعد وفاة الإمام الحسن (عليه السلام) وإلى سنة 59هـ. أي حوالي ثمان سنوات - كان الإمام الحسين متفرداً بالإمامة، ولا يمكن أن نقول: إن الشيء المستجدّ هو أن الإمام الحسين (عليه السلام)تحمّل في سنة 59هـ مسؤوليات جديدة لم يكن قد تحمّلها في السابق.

فلو كان الإمام الحسين (عليه السلام) قد قام بالنهضة عند وفاة الإمام الحسن (عليه السلام) لكان من الممكن أن يقال: إنّ الموقف قد اختلف، فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن يتحمّل المسؤوليات في زمن الإمام الحسن (عليه السلام)، ولكن بعد وفاته تحمّل المسؤوليات بشكل مباشر وبالتالي تصدّى لهذه القضية، ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) كان موجوداً، وكان يرى وجهة نظر الإمام الحسن (عليه السلام).

طبعاً هناك مجموعة من النصوص التأريخية تذكر أن الإمام الحسين (عليه السلام) طُلِبَ منه القيام بالثورة، ولكنه قال: أنا لا أثور في هذه الفترة وفي عنقي بيعة لمعاوية، ولا أُريد أن أرفضها، وأنه يجب الانتظار حتى يموت معاوية، هكذا ورد في بعض الرسائل التي كتبها إلى أهل الكوفة.

إذن فمسألة أن الإمام الحسين (عليه السلام) قد تحمّل مسؤوليات أو له نظرة جديدة أو موقف جديد يختلف عن موقف الإمام الحسن (عليه السلام)، لا يمكن أن يكون هو الشيء المطلوب; لأنّ هذه الحقيقة كانت ثابتة وموجودة قبل سنة 59هـ.


الحقيقة الثالثة:

إن التحرك في الكوفة لم يكن شيئاً جديداً، وإنما كان موجوداً في زمن معاوية، بل وحتى في زمن الإمام الحسن (عليه السلام)، وقد راسل الكثير من الكوفيين، وكذلك جاء هؤلاء إلى المدينة واتصلوا بالامام الحسن (عليه السلام)، وبعد موته اتصلوا بالإمام الحسين (عليه السلام) وتحدّثوا معه في قضية الثورة ومواجهة النظام الحاكم في ذلك الوقت. والإمام الحسن(عليه السلام) في وقته - وكذلك الإمام الحسين (عليه السلام) - رفضا هذا القيام.

إذن فمسألة التحرّك في الكوفة ليست هي الشيء الجديد المطروح الذي واجهه الإمام الحسين (عليه السلام)، وإنما لابدّ أن نفترض أن هناك حالة مستجدّة حدثت، واجهها الإمام الحسين (عليه السلام)، وأدّت به إلى أن يقوم بهذا التحرّك.

طبعاً تشخيص هذه الحالة مسألة مهمة، ولكن ليس في معرفة موقف الإمام الحسين (عليه السلام); لأنَّه (عليه السلام) معصوم ونحن لا نحتاج إلى تبرير موقفه، وكل مواقفه صحيحة، وإنما نحتاج إلى تفسير مواقفه حتى يمكن أن نستفيد منها في سلوكنا وعملنا ومواقفنا، فنحن إذا شخّصنا الحالة التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام)، فيمكن حينئذ في كل عالم مشابه، تجتمع فيه نفس الشروط والخصائص والمواصفات، بل في كل حالة مشابهة ومن هذا القبيل، يمكن أن نتّخذ نفس الموقف الذي اتّخذه الإمام الحسين (عليه السلام)، فما هي هذه الشروط والمواصفات والحالة التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام)؟


الحالة التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام)
التهديد الحقيقي لبيضة الإسلام

هناك أربع نقاط مهمة عندما تجتمع ويتّحد بعضها مع البعض الآخر فسوف تمثل هذه الحالة التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام) والتي فرضت عليه أن يقف هذا الموقف، أي موقف الثورة المسلّحة التي قام بها (عليه السلام)، وهذه النقاط هي:


النقطة الأُولى:

وهي ما يعبّر عنه الفقهاء بالتهديد الحقيقي لبيضة الإسلام، ففي بحث الجهاد قال الفقهاء: إذا تعرّضت بيضة الإسلام وتعرّضت العقيدة الإسلامية إلى تهديد حقيقي، بحيث يُخاف عليها أن تُمحى من الوجود، ففي مثل هذه الحالة يكون الجهاد واجباً على كل شخص قادر على التحرّك، ويصنّفون الجهاد إلى جهاد دفاعي، وجهاد هجومي من أجل نشر الإسلام، والجهاد الدفاعي هو الجهاد الذي يتعرّض فيه المسلمون إلى مثل هذه الحالة.

وعندما أفتى علماء الإسلام في النجف الأشرف بالجهاد إلى جانب الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأُولى كان السبب والملاك هو هذه الحالة، فكانوا يعتقدون أن دخول الإنجليز إلى العراق سوف يهدد العقيدة الإسلامية، وبالتالي فلابدّ أن يواجهوا هذه الحالة بالجهاد والقتال، فرفعوا راية القتال وقاتلوا الإنجليز على هذا الأساس، وهذه الحالة تفرض مثل هذا المواقف.

ولقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) يشعر أنّ العقيدة الإسلامية أصبحت مهددة تهديداً حقيقياً.

صحيح أن معاوية حاكم جائر منحرف يخطط من أجل تكثيف مود؟؟؟ قيصري أو مود؟؟؟ كسروي على المسلمين، ولكنه لم يتحرّش بالقضايا الإسلامية والشعائر الإسلامية وبالعقيدة الإسلامية بشكل علني ومفضوح، ولم يقف معاوية بوجه أُولئِك الذين يعملون من أجل الإسلام، فقد كان هؤلاء يتحرّكون في المجتمع، وبالتالي فالخطر على الدين وعلى العقيدة والنظام لم يكن موجوداً في زمن معاوية، كما كان في زمن يزيد.

ومن هنا نجد أن الإمام الحسين (عليه السلام) يعبّر عن يزيد، فلا يقول: إنَّه يشرب الخمر فقط، فكثير من الملوك والخلفاء المسلمين في العصور المختلفة كانوا يشربون الخمر، ويرتكبون الكثير من المعاصي، لكن كان يقول عن يزيد: إنه معلن بالفجور، يعني قضية الإعلان بالفجور وبشرب الخمر، ومعرفة الناس في كل الأقطار أن يزيد كان إنساناً يتعاطى هذه الأعمال الشريرة والمنحرفة والإجرامية، وكان يلعب بالكلاب ويشرب الخمر بشكل علني، ويستهزىء بالصلاة والإسلام والشعائر الإسلامية بشكل علني أيضاً، وهذا الإنسان يراد له أن يكون خليفة المسلمين، ويتصرّف في كل شؤون المسلمين، وهذه قضية من القضايا التي واجهت الإمام الحسين (عليه السلام).

ونجد هناك نصوصاً في أحاديث الإمام الحسين (عليه السلام)، عندما يرفض البيعة، يمكن أن تراجعوها، ولابدّ أنكم سمعتموها من الخطباء، وهناك نص يدلّ على هذه الحقيقة، في خطبة يزيد بن مسعود النهشلي عندما تحدّث إلى بني تميم ودعاهم إلى أن يكونوا إلى جانب الإمام الحسين (عليه السلام)حيث تحدّث عن حقيقة يزيد وواقعه.

وهناك نص نجده في خطبة سليمان بن صرد الخزاعي عندما تحدّث إلى أهل الكوفة ودعاهم إلى نصرة الحسين (عليه السلام)، وقد تحدّث عن المحرمات التي يرتكبها يزيد.

ومثل هذه النصوص تدل على أن هناك شعوراً لدى المسلمين في أنَّ يزيد يمثّل حالة جديدة - من الناحية الدينية والإسلامية - تختلف تماماً عن الحالة التي كان يعيشها المسلمون في زمن معاوية.


القمع اليزيدي

النقطة الثانية:

هي قضية درجة القمع التي كان يزيد على استعداد أن يمارسها تجاه المسلمين، درجة الاستهتار بحريات المسلمين وكراماتهم، وهذه القضية من القضايا ذات الأهمية.

فالنظام الحاكم المنحرف تارة يكون نظاماً قمعياً يقتل على الظنة والتهمة، ويستهتر بكل الكرامات والقيم والمثل، ويمارس أعمال الإجرام والإرهاب والقمع بدرجة عالية، بحيث لا يمكن لأي واحد من الناس أن يتنفّس.

وأُخرى يكون النظام منحرفاً ولكنه يعطي شيئاً من الحرية للناس، بحيث يكونون قادرين على التحرّك وممارسة بعض الأعمال، ويدعون إلى الله سبحانه وتعالى في ظل ذلك الحكم، ولو بشكل من الأشكال، ونجد أن نظام يزيد - كما تدل على ذلك مواقفه، وتقييم المسلمين لمواقفه، وحتى معاوية كان يتنبّأ بذلك - كان يمثل درجة عالية من القمع، لا تسمح بأي لون من ألوان التحرك السياسي الآخر غير حمل السلاح ومواجهة النظام الطاغوتي، الذي يكم الأنفاس ولا يترك أي فرصة للتحرك.

ويمكن أن نعرف ذلك من خلال السنوات الثلاث التي حكم فيها يزيد، ففي السنة الأُولى قتل الحسين (عليه السلام) في تلك الواقعة الرهيبة، والأعمال التي قام بها في الكوفة من القمع والقتل، وفي السنة الثانية أباح المدينة أي هيمن على المدينة وأباح الأعراض واستهتر بأهل المدينة، الذين يمثّلون الصحابة والتابعين، وأخذ منهم صك العبودية، وأخذ من كل واحد منهم توقيعاً على أنه عبد ليزيد، واستثنى منهم علي بن الحسين (عليه السلام) وأهل بيته، وأما الباقون فكلّهم عبيدٌ له.

وفي السنة الثالثة هاجم يزيد مكة المكرّمة وهدم الكعبة، ولكنه مات قبل أن يستولي مسلم بن عقبة على الكعبة ومكة المكرّمة.

فيزيد كان يمارس هذه الدرجة العالية من القمع، التي لا تسمح بأي لون من ألوان التحرّك السياسي الآخر، الذي يمكن لأي قائد أن يمارسه في الأُمَّة، ففي رسالة يزيد إلى الوليد بن عتبة الذي كان والياً على المدينة يقول: خذ البيعة من عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر وعبد الله بن الزبير، والحسين بن علي أخذاً شديداً، ومن أبى فاضرب عنقه وابعث برأسه إليَّ، فكان يتعامل مع هؤلاء الأصحاب بهذا الشكل، ومن خلال الوصية التي أوصاه بها معاوية، كما يذكر التاريخ.

حيث ورد في التاريخ أنّ معاوية عندما حضرته الوفاة استدعى يزيد وأوصاه بوصيّته، وكان فيها: أن لا يتعامل مع الحسين بالشدّة، وإنما يأخذه بالرأفة حتى لو ثار عليه.


التحرك الشعبي العام في الأُمَّة الإسلامية

النقطة الثالثة:

هي التحرك الشعبي العام في الأُمَّة بعد موت معاوية، حيث حصل تحرك جماهيري حول الحكم الإسلامي والقيادة الشرعية، ويقيم على القيادة الحجة أمام الله سبحانه وتعالى، حتى لو فرضنا أن القيادة تدرك أن هذا التحرك لا يمكن أن يصل إلى أهدافه المعلنة، إلاّ أنّ هذا التحرك سوف يترك مخلّفات وآثاراً على مجرى التأريخ، بخلاف ما لو أهملت هذه القيادة هذا التحرك الشعبي، وبالتالي فسوف يصاب هذا التحرك بالإحباط، ليس فقط على مستوى الأخلاق والسلوك، وإنما على مستوى المبادئ والمثل، وبالتالي يتغير منظور الناس حول الحكم الإسلامي والخلافة.

أنا قلت: هناك نصوص كثيرة أنا كتبتها ولكن لا أجد المجال لذكرها، فمثلاً على نحو التحرك الشعبي نجد أن أهل الكوفة يتحرّكون ويعقدون اجتماعات جماهيرة واسعة، ويخطب فيهم سليمان من صرد وآخرون، ويتحدّثون بشكل جماهيري وشعبي ويأخذون العهود على أن يقفوا مع الحسين (عليه السلام)، ثم يكتبون الرسائل للحسين (عليه السلام). والرسائل التي كتبت للحسين (عليه السلام) - على ما في بعض الروايات - كانت (40 ألف) رسالة.

وكذلك نجد نفس هذا التحرّك في البصرة - كما تذكر بعض النصوص -، وحتى في أوساط غير الشيعة، فالنصّ الذي يتحدّث عن خطبة يزيد بن مسعود يقول: جمع بني تميم، وكانوا ثلاثة أفخاذ رئيسية، أحدهم فخذ بني سعد، وهذا الفخذ كان قد خذل الإمام علي (عليه السلام) في معركة الجمل، حيث إن رئيسهم قيس بن ضمر طلب منهم أن لا يشتركوا في الحرب وأن يقفوا جانباً، وهذا يتفق مع أفخاذ تميم، ومع بني سعد بالخصوص، ويقول لهم: إنكم وقفتم ذلك الموقف من أمير المؤمنين (عليه السلام) فاغسلوا موقفكم ذلك بالوقوف إلى جانب الحسين (عليه السلام). ويستجيب بنو سعد الذين لم يستجيبوا لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكن يزيد بن مسعود لم يسعفه الوقت حتى ينصر الحسين (عليه السلام).

إنّ الاستجابة الشعبية والوعي الشعبي للثورة ضد النظام والحكم أخذت تتطوّر.

وهكذا النصوص التي تتحدّث عن الحسين (عليه السلام) عندما كان في مكّة المكرّمة، ودخول الناس عليه، سواء من مكة أم من أُولئِك الذين جاءوا للاعتمار في شهري رجب وشعبان، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن مكة تعتبر من المدن التي لم تكن توالي أمير المؤمنين (عليه السلام)، والسبب واضح; لأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قتل الكثير من شخصيات المشركين في المعارك الأُولى في صدر الإسلام وفي زمن النبي (صلى الله عليه وآله)، فكانت لهذا انعكاسات نفسية وروحية على أهل مكّة.

وكان لأهل مكة دور كبير جداً في معركة الجمل ضد أمير المؤمنين (عليه السلام) ومع ذلك نجد أن المكّيين يتحرّكون بشكل جماهيري لتأييد الحسين (عليه السلام)، ويتحرّك من يأتي لمكّة من المعتمرين.

وكان موقف أهل المدينة إلى جانب الحسين (عليه السلام)، وأفضل شاهد على ذلك هو ثورة المدينة في السنة الثانية لحكم يزيد، فقد ثارت المدينة وتعرّضت للإباحة كما ذكرت.

كل هذه القضايا تشير إلى أنه يوجد تحرّك جماهيري واسع لدى المسلمين، وهناك رفض واسع لخلافة يزيد بن معاوية، وهذا الرفض الواسع والوعي يفرض مسؤولية على القيادة، ويقيم الحجّة عليها أمام الله سبحانه وتعالى، بحيث لا يمكن للقيادة أن تهمل كل هذه العواطف والأحاسيس والتوجّهات وتقف موقفاً سلبياً منها، الأمر الذي يؤدي إلى السكوت والإحباط.


تخلخل الوضع السياسي

النقطة الرابعة:

وهو ما أشار إليه الحسين (عليه السلام) في الكثير من رسائله أيام معاوية وبعده، وما هو ما أعبر عنه بحالة تخلخل الوضع السياسي، الذي كان يتمثّل بموت الطاغية معاوية، فمن خلال الأساليب التي اتّبعها معاوية في زمانه، ومن خلال حكمه في الدولة الإسلامية مدة عشرين سنة، حيث حكم البلاد الإسلامية حكماً مطلقاً، وكان داهيةً في حكمه يستعمل مختلف أساليب القمع وشراء الضمائر، والإعلام الذي استعمل كل المؤسسات من أجل تثبيت دعائم حكمه، فكان يشتري أولئك المأجورين ممن يسمُّون أنفسهم بالصحابة، ولم يكونوا من الصحابة، يستأجر هؤلاء من أجل أن يتحدّثوا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويمدحوا معاوية وتوجّهاته ونظامه.

وكان معاوية يستخدم كل الأساليب من أجل تثبيت نظامه، بحيث أصبح نظاماً رهيباً فرض وجوده على العالم الإسلامي، وعندما مات معاوية حدث تخلخل كبير جداً في الوضع السياسي للنظام; لأنّ المسلمين جميعاً كانوا يدركون أن خليفة معاوية إنسان تافه طائش، ليست لديه خبرة في الحكم، وأن معاوية فرضه فرضاً، وكل هذه الحقائق كانت معروفة عند المسلمين.

وأنا أُشير إلى بعض الأمثلة لحالة التخلخل السياسي التي حصلت عند موت معاوية، والتي كان ينتظرها الإمام الحسين (عليه السلام)، الذي كان يقول لأهل الكوفة قبل موت معاوية: إنه في ذمّتنا بيعة لمعاوية، لكن إذا مات معاوية نظرنا وتنظرون.

لاحظوا موقف الوليد بن عتبة بن أبي سفيان - ابن أخي معاوية، وهو شخص يمثّل البيت الأموي - وكيف كان يتعامل مع الحسين (عليه السلام)؟ لقد تعامل معه تعامل الشخص المترّدد الذي لا يدري ماذا يصنع؟

فقد ورد في بعض الروايات أن الوليد قال: إني لا أُريد أن أقدم على الله تعالى وفي رقبتي دم الحسين (عليه السلام) وأكون خفيف الميزان، لقد كان يتحدّث لمروان بمثل هذا الحديث.

وعندما فهم الوليد أن الحسين (عليه السلام) قد خرج من المدينة شعر بحالة من الارتياح والاستقرار، لأنَّه تخلّص من ورطة الدخول مع الحسين (عليه السلام) في معركة، مع أن الحسين (عليه السلام) خرج من المدينة متوجّهاً إلى القيام بثورة، ولم يخرج من أجل أن يسكن في بلد آخر.

ونفس الموقف نجده من والي مكة عمر بن سعيد بن العاص، الذي كان من البيت الأُموي، ومرسل بشكل خاص من يزيد من أجل التعامل مع قضية الحج، ويعرف بأن الحسين (عليه السلام) موجود في مكة، ونجد أن عمر يبعث بشخص إلى الحسين (عليه السلام) - وهذا الشخص هو أبوه - ويطلب منه أن يرجع أو يبقى في مكة ولا يذهب إلى العراق، وهو مستعد أن يؤمن له كل الحاجات.

ولقد كان الحسين (عليه السلام) موجوداً في مكّة، وتحت قبضة عمر بن سعيد، وكان من الممكن أن يقوم بالقبض على الحسين (عليه السلام)، ويتخلّص منه بأي طريقة، ولكنهم كانوا يشعرون أنهم ضعفاء، وأن الناس ليسوا معهم، ويشعرون بحالة التخلخل السياسي آنذاك.

ونفس الموقف نجده من والي الكوفة الذي كان أمويّاً، وكان لا يريد الدخول في معركة مع الحسين (عليه السلام) ولا مع مسلم بن عقيل، والقصة التي يرويها المؤرّخون في مجيء عبيد الله بن زياد، وتصوّر أهل الكوفة بأنه الحسين (عليه السلام) واستقبالهم له، حتى جاء إلى قصر الإمارة، وكيف أخذ هذا الوالي يرتجف عندما جاء عبيد الله بن زياد وظنّه الحسين (عليه السلام)؟ وكيف كان يتوسّل به ليرجع، وكان يقول: اذهب لحال سبيلك، فنحن لا نريد أن ندخل معك في قتال. فأخذ عبيد الله يسبّه ويشتمه، ويقول له: افتح لا فتح الله عليك، أنا فلان وليس الحسين.

لاحظوا هذا الموقف من هؤلاء الولاة الذين يمثّلون نماذج لكل الولاة في العالم الإسلامي، ويمثّلون حالة التخلخل التي كانت قائمة وموجودة في ذلك الوقت.

وحالة التخلخل تمثل فرصة ذهبية مع توفر الشروط السابقة التي أشرنا إليها، لكي تتحرّك القيادة في مواجهة النظام الحاكم، فتمكّن الحسين (عليه السلام)- نتيجة للتخلخل الموجود - أن يؤثر بشكل فعّال على نظام آل أبي سفيان، ونجد أن هذا النظام ينتهي، ونجد أن مروان بن الحكم يذهب بعد موت يزيد ويبايع عبيد الله بن الزبير، نتيجة للشعور بأنّ هذا النظام نظام متهاو.

ونحن إذا اخذنا هذه الشروط الأربعة نجد أن الحسين (عليه السلام) كان يواجه حالة تفرض عليه من الناحية الإسلامية والدينية، باعتباره إماماً وقائداً ومسؤولاً أمام الله سبحانه وتعالى، أن يثور في وجه هذا الحكم ويتحرَّك.


الظروف التي نعيشها في العراق

وعندما نقارن هذه الظروف بظروفنا التي نعيشها في العراق في هذا العصر، نجد أنّ هذه الشروط الأربعة الأساسية تتواجد في العراق وفي هذا العصر، وحتى إنّي أتذكر أنّ السيد الشهيد (قدّس سرّه) كان يتحدّث في قضية الثورة ضد النظام الحاكم في بغداد، ويشير إلى بعض هذه الشروط، حيث نجد أنّ الحالة التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام) هي نفس الحالة التي نواجهها في هذا العصر، وأنّ السيد الشهيد عندما أعلن الثورة الإسلامية في العراق - وثار على نهجه الثوار الإسلاميون في العراق - لم يكن عمله عملاً انتحارياً ولا ارتجالياً، بل كانت هناك حالة تشابه الحالة التي واجهها الإمام الحسين (عليه السلام).

أنتم تعلمون بالإجراءات التي اتخذها نظام البعث في تحويل شخصية الإنسان المسلم إلى غير شخصيته، ومس الشخصية الإسلامية، وأنّ نظام البعث يقوم على مادية التاريخ، ويفسّر التأريخ تفسيراً مادّياً، وأنّ الرسالة المحمّدية ليست من السماء، بل هي عمل شخصي لهذا الإنسان الذي انبثق من الجزيرة العربية.

وهذا التفسير أُريدَ أن يعيشه الإنسان العراقي، وهذا الفساد والاستهتار بالكرامات والقيم والمثل، وهذه المسألة يعرفها كل أبناء العراق، ويعرفون درجات القمع التي مارسها النظام. والكثير من الناس يعرفون الأنظمة التي تواترت على العراق، وهي أنظمة منحرفة تتعامل مع الاستعمار والاستكبار العالمي.

لكن لم يشهد العراق - بحسب ما نعرف نحن من تاريخ الأنظمة درجة القمع والاستهتار بالكرامات والقيم كما شهده في فترة البعثيين، وحتى الأنظمة المجاورة للعراق لا يمكن أن تقاس بأي وجه من الوجوه بالنظام البعثي. هذه هي النقطة الثانية.

النقطة الثالثة: هي قضية الوعي الشعبي.

كان لنجاح الثورة الإسلامية في إيران، وللأُمَّة في العراق دور كبير في إيجاد وعي إسلامي شعبي عام في المجتمع العراقي، وهذا الوعي ليس خاصاً في إيران، بل نجده في لبنان وفي غرب أفريقيا، وفي مختلف مناطق العالم الإسلامي، وفي كل يوم توجد نهضة وحركة وثورة في العالم الإسلامي.

وهذا الوعي الإسلامي الشعبي العامّ يجعل في عنق القيادة الإسلامية مسؤولية، وهذه المسؤولية وضعت في عنق الشهيد الصدر (قدّس سرّه) في تلك الفترة، عندما جاءت جماهير شعبية كبيرة إلى النجف الأشرف، وأعلنت بيعتها للسيد الشهيد (قدّس سرّه) معبّرة عن هذا الوعي.

النقطة الرابعة الأساسية: هي التخلخل السياسي، فالحدث الذي حصل في المنطقة، وهي انتصار الثورة الإسلامية في إيران، وتبين قدرة الشعب على التأثير في الوضع السياسي، وحتى في العراق حصل تبدل في الوضع السياسي نتيجة انتصار الثورة في إيران، فأُزيل أحمد حسن البكر وجعل صدام حسين، من أجل هذا التخلخل في المنطقة هذه القضايا الأربع التي حدثت في العراق هي التي فرضت على القيادة الإسلامية في العراق أن تعلن عن قيام الثورة المسلّحة، تأسّياً بالحسين (عليه السلام)، ونجد أنّ مشهد الإمام الحسين (عليه السلام) يتكرّر في العراق، حيث استشهد السيد الصدر وأصحابه، ووقعت المأساة في العراق، ويشهد العراق الآن مآسي تذكرنا بمأساة كربلاء.

ونحن عندما نتكلّم عن قضية الحسين (عليه السلام) وندرسها، ونشبه أوضاعنا بالأوضاع التي عاشها الحسين (عليه السلام) نتحمّل مسؤولية شبيهة بمسؤولية أهل الكوفة آنذاك. نحن نتكلّم عن الحسين (عليه السلام) وننتقد زيداً وعمراً وخالداً، الذين وقفوا إلى جانب عمر بن سعد، أو الذين تخاذلوا عن الحسين (عليه السلام)، وعندما يواجه الحسين (عليه السلام) عبد الله بن الحر فيقول له عبد الله: إنّي إذا ما قاتلت أُقتَل! وهذه فرسي إذا ركبتها لم يلحق بك أحد، والحسين (عليه السلام) يرفض ذلك، ويقول له: اذهب إلى مكان بعيد ولا تسمع ندائي وصيحتي.

ونحن نتأثّر عندما نسمع بهذه القضية، ونتعجّب من الذين خذلوا الإمام، ونتعجّب من أهل الكوفة الذين غدروا بمسلم بن عقيل وغيرهم، ونحن الآن - كما قلت - نعيش حالة تشبه إلى حدٍّ كبير الحالة التي واجهها الحسين (عليه السلام)، فهناك شهداء ودماء ومعتقلون، كما أنّ هناك معتقلين في زمن الحسين (عليه السلام) أكثر من ثلاثة آلاف معتقل من خيرة أبناء الكوفة والعراق في سجن عبيد الله بن زياد، غير المشرّدين والمهجّرين الذين شردوا من الكوفة.

هناك أشياء نواجهها كما واجهها الحسين (عليه السلام)، وعلينا أن نطرح هذا السؤال: فهل نكون مع أُولئك الذين كانوا مع الحسين (عليه السلام)، ولبّوا نداءه واستشهد منهم من استشهد، وثار منهم بعد ذلك من ثار، كثورة التوّابين في المدينة، والثورات الأُخرى التي قضت على حكم آل أبي سفيان، وثبت الخطّ الأصيل للإسلام، أو نكون مع أُولئِك الذين كانوا مع آل أبي سفيان - والعياذ بالله - وعبيد الله بن زياد وغيرهم من الظلمة؟.

وهذا الشيء لابدّ أن نعرفه - أيُّها الإخوة - ولاشكّ أننا نكون مع الحسين (عليه السلام) ومع خطّه وننصره، ومع أُولئِك الذين استشهدوا معه (عليه السلام).

أيُّها الإخوة، نحن مدعوون للجهاد ولحمل السلاح وللثورة، ولتكن حسينياتنا بمثابة التعبئة، وليكن لدينا فوج باسم الإمام الكاظم (عليه السلام) وباقي الأئمَّة، أسأل الله أن يرزقنا الشهادة على طريق الحسين (عليه السلام)، وأن يمنّ علينا بالفرج العاجل، والحمد لله رب العالمين.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية