المقدمة | محورية حب أهل البيت (عليهم السلام) | الخصوصيات التي يفترق بها الشيعة عن باقي محبي أهل البيت (عليهم السلام) | صلح الإمام الحسن (عليه السلام) | الإمام الحسن (عليه السلام) يقاتل في عدة جبهات | الأوضاع العراقية  
 
 
 

محاضرة ألقاها سماحة السيد الحكيم (قدّس سرّه) في الحسينية النجفية
وذلك يوم الجمعةالمصادف 14/9/1417 هـ. ق الموافق 24/1/1997 م


ولادة الإمام الحسن(عليه السلام)
بداية لامتداد نسل الرسول(صلى الله عليه وآله)


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا أبي محمد الحسن بن علي، الولي الزكي الناصح الأمين سيد شباب أهل الجنة والسبط المجتبى.

والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا بقية الله في أرضه الحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف)، والسلام على شهداء الإسلام منذ الصدر الأول للإسلام وحتى شهداء هذا العصر، والسلام على سادتي العلماء وإخواني وأعزائي المؤمنين الكرام ورحمة الله وبركاته.


المقدمة

في البداية أتقدم بالتهنئة والتبريك لكل السادة الأفاضل والإخوة الأعزاء بمناسبة هذا الشهر الشريف، شهر رمضان المبارك، وكذلك بمناسبة مولد سيدنا ومولانا الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، وأسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يجعل هذه الأيام الشريفة أيام خير وبركة ورحمة ومغفرة لكم ولجميع المسلمين، وأنْ يبارك لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) ومحبيهم من المسلمين جميعاً هذا المولد الشريف.


محورية حب أهل البيت(عليهم السلام)

وبهذه المناسبة أُشير إلى عدة نقاط، وهي كالتالي:


النقطة الأولى:

وهي نقطة المحور في هذه المجالس الشريفة وهذه الإحياءات التي يقوم بها أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، فلا شك أنّ هذه المجالس الشريفة تنطلق من قضية محورية، وهي حب أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا الحب ناشئ من حب الله سبحانه وتعالى لهم، ومن حب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم.

وهو حب فرضه الله سبحانه وتعالى على عباده، وتمسّك به شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، وقد برز هذا الحب بشكل واضح في يوم مولد الإمام المجتبى (عليهم السلام) حيث دخل السرور على قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقلب علي وفاطمة الزهراء (عليهما السلام). فقد بدت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ثمار ذلك الوعد الإلهي الذي وعده الله به في سورة الكوثر، حيث قال تعالى: {إنّا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إنّ شانئك هو الأبتر}(1).

فالكوثر هي الزهراء (عليها السلام)، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتطلع إلى ذريتها (عليها السلام)، وكانت بداية هذا الكوثر ولادة الحسن المجتبى (عليه السلام) والذرية الصالحة لهذا الإمام العظيم.

وإذا أردنا أنْ ننظر إلى عمود التأريخ نجد أنّ في ذرية الإمام المجتبى كبار العلماء والمفسرين والفقهاء والفلاسفة والأُصوليين، وكان لهذه الذرية انتشار في مختلف أنحاء الأرض، حيث أقاموا العدل في الكثير من البلدان.

وفي عهدنا الأخير كان هناك مراجع عظام عرفهم عالَم التشيع، كلهم من هذه الذرية الصالحة، كآل بحر العلوم، وجميع من تفرع عنهم، وهكذا آل السيد البروجردي الذي كان في زماننا هذا، وأدركناه مرجعاً عاماً لشيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وكذلك كان آباؤه من العلماء العظام.

وهكذا الإمام الحكيم (قدّس سرّه) الذي كان من ذرية هذا الإمام، وكذلك آية الله العظمى السيد حسين القمي الطباطبائي (قدّس سرّه) الذي أصبح مرجعاً للشيعة بعد وفاة السيد الأصفهاني (قدّس سرّه).

إذن، فهذه الذرية هي ذرية عظيمة جداً، ومبدأ هذا الكوثر وهذا الخير الكثير من بداية ولادة هذا الإمام (عليه السلام).

والإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) يعتبر شخصاً عظيما ً، وعنصراً طاهراً مهماً في هذه الذرية، لأنّه أحد الخمسة أهل الكساء، والسبط الأوّل لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبداية ولادة هذا البيت الشريف من الزهراء وعلي (عليهما السلام)، ونحن نحبهم ونتمسك بهم، ونعتبر أنّ هذا الحب والولاء شيء مهم جداً في حياتنا.

لقد تحمل أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في سبيل هذا الحب والولاء، وفي سبيل هذه العلاقة والرابطة ما تحملوا من آلام ومعاناة على مرّ التأريخ. فقد كانوا يتحملون مختلف ألوان الأذى والمطاردة والتشريد والقتل، والمحاصرة والضغوط النفسية المختلفة، كل ذلك من أجل حبهم لأهل البيت (عليهم السلام)، وحتى يومنا الحاضر.

فأينما ننظر في بلاد المسلمين نجد هذه المطاردة موجودة، من أجل هذا الحب، ففي العراق كانت قضية حب أهل البيت(عليهم السلام) أحد الأسباب، بل يمكن أنْ أقول: السبب الرئيسي لكل ما جرى من قمع ومطاردة وأذى لأبناء الشعب العراقي.

وما يجري الآن في هذه الدولة المباركة ـ الجمهورية الإسلامية ـ إنّما هو باعتبار هذا التمسك والارتباط وهذه العلاقة بأهل البيت (عليهم السلام)، فالتآمر الأمريكي والأوربي والصهيوني، وتآمر الأتباع والأذناب الموجودين في المنطقة، إنّما هو باعتبار قضية الارتباط بأهل البيت (عليهم السلام).

أيّها الأُخوة الأعزاء، إنّ هذا الحب ـ الذي يتحمل أتباع أهل البيت (عليهم السلام) من أجله كل هذا الألم والعناء ـ لا بد أنْ نقف عنده قليلا، من أجل أنْ نفهم معناه، فنحن أتباع أهل البيت (عليهم السلام) ونلتزم بمنهجهم، ونشارك بقية المسلمين في حبهم (عليهم السلام)، فلا تجد مسلماً في شرق الأرض وغربها لا يحب أهل البيت (عليهم السلام)، إلاّ أولئك النواصب الذين طبع الله على قلوبهم، وأعمى أبصارهم وأصم آذانهم، فقد تجد فيهم من ينكر هذا الحب.

ومن هنا يبقى السؤال مطروحاً، وهو:

لماذا يتعرض أتباع أهل البيت (عليهم السلام) إلى هذا الأذى، ولا يتعرض أتباع بقية المذاهب الذين يحبون أهل البيت (عليهم السلام) له؟ فإذا كان بقية المسلمين يشتركون معنا في هذا الحب، فلماذا هذا الاختصاص في الأذى والألم لأتباع أهل البيت (عليهم السلام)؟

معلوم أنّ علياً (عليه السلام) وعد من أحبه بالبلاء، فقد قال (عليه السلام): (من أحبنا أهل البيت غته البلاء غتاً) أي من يحبنا يشمله البلاء ويستوعبه ويحيط به من كل جانب ومكان، فما هي الخصوصية إذن؟


الخصوصيات التي يفترق بها الشيعة عن باقي محبي أهل البيت (عليهم السلام)

ومن هنا يجب أنْ نقف على هذه الخصوصيات التي تتمثل في عدة قضايا مهمة جداً في قضية حب أهل البيت(عليهم السلام)، ونحن إنْ شاء الله نحيي هذه الذكريات، ونلتزم بهذا الحب، ونبقى عليه.

والخصوصيات التي نفترق بها عن بقية محبي أهل البيت (عليهم السلام) هي كالتالي:


الأولى:

إننا نرى أنّ حب أهل البيت (عليهم السلام) دين لنا، وميثاق وعهد نلتزم به أمام الله سبحانه وتعالى، وهذه من القضايا المهمة، ولذلك كان يوم الغدير، والذي أعلن فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذا الحب كشعار وحقيقة وضّحها للمسلمين وثبتها بينهم، وذلك عندما قال: (مَنِ كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، وأخذل من خذله)(2).

لقد أراد النبي (صلى الله عليه وآله) أنْ يُعطي لهذا الحب مقوّماً سياسياً خاصاً بين المسلمين، حيث نجد أنّ يوم الغدير يسمّى بيوم العهد والميثاق، باعتبار وجود هذا الارتباط والعهد والميثاق لنا مع أهل البيت (عليهم السلام)، ونحن نفهم أنّ هذا الحب هو ركن من أركان الإسلام، حيث ورد الحديث الصحيح عن أهل البيت (عليهم السلام) وقال: بُني الإسلام على خمسة أركان. ثم يذكر أن أحد هذه الأركان هو حب أهل البيت (عليهم السلام)، بل يقول: إن هذه الدعامة هي مفتاحهن وأفضلهن.

إذن، فنحن نفهم حب أهل البيت (عليهم السلام) بهذه الخصوصية، وبهذا العهد والميثاق، ونحن مسؤولون عن ذلك غداً يوم القيامة، عندما يوقفنا الله سبحانه وتعالى ويسألنا عن هذا الحب والعهد والميثاق.

فهذا الحب ليس مجرد عاطفة، وإنْ كان هو عاطفة وشعور وإحساس عميق في نفوسنا، ورابطة قوية مع أهل البيت (عليهم السلام)، ولكن القضية ليست هذا فقط، وإنّما هو عهد وميثاق بيننا وبين الله سبحانه وتعالى.


الثانية:

هي قضية الطاعة لأهل البيت(عليهم السلام)، فنحن نرى أنّ الله فرض علينا طاعة أهل البيت (عليهم السلام)، فطاعتهم مفروضة وكلامهم بالنسبة لنا يُلزم، لأنّهم يمثلون الكتاب الناطق، الذي هو عِدْل القرآن الكريم، ويمثلون الثقل الآخر، كما عبر عن ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأهل البيت (عليهم السلام) لهم هذا الموقع والمقام.

وأمّا بقية المسلمين فهم يحبون أهل البيت (عليهم السلام) ولكنهم لا يلتزمون بطاعتهم ومتابعتهم، وهذا عنصر مهم وأساسي في قضية أهل البيت (عليهم السلام).

ونحن نتحدث عن الإمام الحسن الذي كانت ولادته المباركة بداية هذا البيت الشريف، ولذلك عندما نتحدث عن هذا الموضوع يجب أنْ نعرف أننا عندما نحب أهل البيت (عليهم السلام) ونرتبط بهم ونعبر بعواطفنا عن هذا الحب والولاء والاستعداد للصمود والثبات والاستمرار على هذا الحب، يجب أنْ نضع أمامنا:

أوّلا: العهد والميثاق مع الله سبحانه وتعالى في هذا الحب.

وثانياً: المتابعة والطاعة والالتزام والتأسي بأهل البيت (عليهم السلام)، والأخذ بأخلاقهم وأحكامهم وأوامرهم وتوجيهاتهم وسياساتهم، وهذه قضية مهمة جداً.

وهذه القضية من القضايا التي طرحها الإمام الحسن (عليه السلام) على شيعته، عندما قال له أبو سعيد: لِم صالحت معاوية، فقال (عليه السلام): (ألستُ الذي قال رسول الله لي ولأخي، الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا؟، قلت: بلى، فقال: فأنا إذن إمام لو قمت، وأنا إمام إذا قعدت)(3).

إذن، فقضية الطاعة والالتزام والمتابعة قضية أساسية ومركزية في حبنا لأهل البيت (عليهم السلام)، ولا بد أنْ نربي إخواننا وأهلنا وأولادنا ومن يتأثر بنا على ذلك، ونعرف أنّ هذه القضية من القضايا المهمة التي تميّزنا عن بقية المسلمين، وإلاّ إذا كان هذا الحب هو مجرد إحساسات ـ وهي إحساسات نبيلة ـ فما هو الفرق بيننا وبين بقية المسلمين الذين يحبون أهل البيت (عليهم السلام)، فالبقية أيضاً لديهم هذا النوع من الإحساسات والعواطف والمشاعر، وقد ذكرت في بعض المجالس أنّه إذا وفقتم لزيارة مرقد السيدة زينب (سلام الله عليها) في مصر، أو مقام رأس الإمام الحسين (عليه السلام) في مصر، فسوف تجدون من الزوار اللهفة والإقبال والتمسك بأهل البيت (عليهم السلام)، ما تجدونه في العتبات والمراقد الموجودة في بلادنا، فهم أيضاً يعبرون عن حبهم وارتباطهم وتمسكهم وزيارتهم وأخذهم بأهل البيت (عليهم السلام)، ولكن هذا الأخذ والتمسك والحب يقف عند الإحساسات والمشاعر ولا يتعداها، وأمّا نحن فنتميّز عليهم بذلك.

ولذلك أدعو نفسي وكل الإخوة الأعزاء أنْ يعبروا عن حبهم لأهل البيت (عليهم السلام) بالالتزام بمنهجهم وطريقهم من ناحية، والوفاء بالعهد والعقد مع الله سبحانه وتعالى من ناحية ثانية.


صلح الإمام الحسن(عليه السلام)


النقطة الثانية:

إنّ الإمام الحسن (عليه السلام) هو السبط الأكب ر، وأول مولود في هذا البيت الشريف من علي وفاطمة (عليهما السلام)، ويمثل الأمل بالنسبة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخير الكثير، والوعد الإلهي الذي وعده الله سبحانه وتعالى في سورة الكوثر.

وهناك جوانب كثيرة في شخصية الإمام الحسن (عليه السلام)، ولكن عندما يُطرح موضوع الإمام الحسن (عليه السلام) تبرز فيه قضية الصلح مع معاوية، وتصبح هذه القضية هي القضية الأولى والعنوان الأكبر.

وهكذا الحال في قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، مع أنّ شخصيته (عليه السلام) فيها كثير من الجوانب إلاّ أنّه عندما تُطرح قضية الحسين (عليه السلام) أول ما تبرز قضية كربلاء، وما جرى في هذه المصيبة العظمى، باعتبارها القضية الكبرى والظاهرة والبارزة في هذه الشخصية، وغالباً نجد أنّ الناس يغفلون عن القضايا الأُخرى باعتبار الاهتمام بهذه القضايا.

وفي هذا البحث أودّ أنْ أُشير إلى نقطة مهمة جداً في شخصية الإمام الحسن (عليه السلام)، قد يُغفل عنها ولا يتم التأكيد عليها، مع أنّها بارزة، وهي: دور هذه الشخصية، والخصوصية التي تميزت بها عن بقية أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

طبعاً كما تعرفون أنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لهم عند الله مقام عظيم، وقد يتساوون في هذه المقامات، ولكن كل واحد منهم قام بدور متميز قد يختلف عن الدور الذي قام به الآخر، فالإمام علي (عليه السلام) كانت له أدوار، والإمام الحسين (عليه السلام) كان له دور والإمام الصادق (عليه السلام) له دور، والإمام زين العابدين (عليه السلام) له دور، وهكذا نجد أنّ بعض الأدوار يتميّز فيها هذا الإمام عن ذاك، ففي قضية التضحية تميّز الإمام الحسين(عليه السلام)عن جميع أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

والإمام الحسن (عليه السلام) كانت له تميّز عن بقية أئمة أهل البيت (عليهم السلام) في القضية(4) والحادثة، وهي نقطة تستحق الدراسة الكاملة.

وهذا الموضوع له جانبان، لكني أعبر عنه كموضوع واحد وهو: الموقف والإدارة السياسية للإمام الحسن (عليه السلام) والتي لا نظير لها في تأريخ أهل البيت (عليهم السلام)، وفي تأريخ الإسلام كله، فالإمام الحسن (عليه السلام) تميّز عن بقية أهل البيت (عليهم السلام) في أنّه كان حاكماً، وكان إماماً مفترض الطاعة من الله سبحانه وتعالى، وفي نفس الوقت كان إماماً مسبوط اليد بين المسلمين عندما استشهد أبوه الإمام علي (عليه السلام)، فهو الخليفة الذي جاء بعد أبيه، وبذلك خضعت له (عليه السلام) كل المناطق التي كانت تخضع للإمام علي (عليه السلام).

إذن، فهو خليفة مبسوط اليد، وله هذا المقام، إلاّ أنّ الظروف السياسية اختلفت وتغيرت بحيث اضطر هذا الخليفة إلى أنْ يداهن شخصاً آخر، ويصبح ذلك الشخص هو المسلط على رقاب المسلمين، وهو معاوية. وهذا الشيء لم يحصل لأي إمام من أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

صحيح أنّ أئمة أهل البيت (عليهم السلام) هم أئمة مفروضو الطاعة، وهم أحق بالحكم من غيرهم، ولكن لم تبسط لهم يد إلاّ الإمام علي (عليه السلام)، وعندما استُشهد كان مبسوط اليد، وعندما أُزيح عن الخلافة لم يكن في موقع الخلافة وبسط اليد ثم أُزيح عنها، وإنّما كان منذ البداية خارج السلطة، باعتبار أنّ السلطة كانت بيد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبعده (صلى الله عليه وآله) استلمها الآخرون، وأمّا الإمام الحسن (عليه السلام) فكانت فيه هذه الخصوصية. وهذا شيء مهم جداً يحتاج إلى دراسة كاملة للسياسة التي اتبعها الإمام الحسن (عليه السلام) في هذا الموضوع.

وأنا أعتقد أنّ موقف الإمام الحسن (عليه السلام) كان من أعظم المواقف التي يمكن أنْ نفترضها لإنسان في العمل السياسي، وأمّا تفاصيله فتحتاج إلى حديث طويل، ولكن خلاصته هي: أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) كانت بيده جماجم العرب ـ كما ورد هذا التعبير في بعض الروايات عنه (عليه السلام) عندما تحداه معاوية ـ وكانت تحت يده جيوش، وبعضها كان على استعداد أنْ يقاتل، كما هو الحال في جيش قيس بن سعد بن عبادة، ولكن الإمام الحسن(عليه السلام) ـ وبسبب الظروف السياسية التي وجدت منذ زمن الإمام علي (عليه السلام) ـ فضّل أنْ يقدم المصالح الكبرى للمسلمين على مصالحه الخاصة.

فالإمام الحسن (عليه السلام) انتُقد بصراحة على هذا الموقف، وبعضهم جاء بشكل وقح وفيه سوء آدب وتحدث مع الإمام الحسن (عليه السلام)، باعتبار أنّ بعضهم قد احترق قلبه، بل تمزق ولم يطق هذه التضحية وهذا الفداء والبذل، فجاء يحتج على الإمام الحسن (عليه السلام) وكان بعضهم يقول له: (السلام عليك يا مذل المؤمنين)(5).

إلاّ أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) تحدث لهولاء وبيّن لهم أنّ ما صنعته من عمل كان فيه مصالح كبيرة وعظيمة، وبيّن بعض هذه المصالح، وسكت عن بيان البعض الآخر.

وهذه المصالح نحتاج أنْ نفتش عنها في كلمات الإمام الحسن (عليه السلام)، ونفتش عنها في التأريخ الإسلامي، وفي حركة الإمام الحسن (عليه السلام) وفي النتائج التي ترتبت على هذه الحركة، وكيف تمكن (عليه السلام) أنْ يحقق هذه المصالح.

طبعاً من جملة المصالح التي كان يصرح بها الإمام الحسن (عليه السلام) هي هذا الوجود الشريف الذي نراه في كل مكان من العالم الإسلامي، فلولا موقف الإمام (عليه السلام) ـ كما كان يقول ـ لما بقي لشيعة أهل البيت (عليهم السلام) أثر ووجود. فهذا الوجود الشريف لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) ـ والذي نراه في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، والذي يقود الحالة والنهضة الإسلامية، ويقود المقاومة ضد الطغيان والكفر العالمي في هذا العصر وفي العصور السابقة ـ هو ثمرة من ثمرات موقف الإمام الحسن (عليه السلام)، وقد قال هذا الكلام في ذلك العصر، هذا جانب.


الإمام الحسن(عليه السلام) يقاتل في عدة جبهات

وهناك جانب آخر في موقفه السياسي، فبعد الهدنة كان على الإمام الحسن (عليه السلام) أنْ يقاتل في عدة جبهات، وهي كالتالي:


الأُولى:

هي جبهة معاوية، ومعاوية داهية وبيده الأموال والسلطة والقدرة، ووراءه الأُسرة الأموية بكل خبراتها وتجاربها السياسية القديمة، التي كانت تعيشها أيام الجاهلية وبعدها. ووراء معاوية زعماء القبائل الذين استهوتهم الأموال الطائلة التي انفتحت على المسلمين، ووراءه كل أولئك الذين كانوا على استعداد أنْ يبيعوا ضمائرهم وخبراتهم وإمكانياتهم وعلومهم في سبيل الحصول على الأموال والجاه والمواقع، وهم موجودون في كل عصر وزمان.

ووراء معاوية النفاق المستحكم العريق الموجود في نفوس كثير من المسلمين، الذين ملكتهم الأحقاد على أهل البيت (عليهم السلام) وعلى علي(عليه السلام) وعلى أولئك الذين جاهدوا وقاتلوا من أجل الإسلام.

وكان الإمام الحسن (عليه السلام) يقاتل بعد الهدنة في جبهة معاوية، وقد تمكّن الإمام الحسن (عليه السلام) أنْ يحقق انتصاراً عظيماً جداً على معاوية، لأنّ معاوية كان يريد أنْ يعرف نفسه ـ بعد الإمام علي (عليه السلام) ـ بأنّه أمير المؤمنين، إلاّ أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) تمكّن أنْ يفشل هذه الخطة، وأنْ يحقق الانتصار على معاوية عندما سجل منذ اليوم الأوّل شرطاً على معاوية بأنْ لا يخاطبه بإمرة المؤمنين، وبقي معاوية حتى يومنا الحاضر غير قادر على أنْ يسجل هذه النقطة.

ولذلك وجدتم أنّ قضية ما يسمونها بالخلافة الراشدة ـ في العرف السياسي العام لدى المسلمين ـ تنقطع عند علي (عليه السلام)، فلماذا لم تستمر هذه الخلافة الراشدة في معاوية، مع أنّه كان يتظاهر بالإسلام، وبإقامة الشعائر الإسلامية، كما كان يتظاهر بذلك بقية الخلفاء؟

وبذلك تمكّن الإمام الحسن (عليه السلام) أنْ يوجد هذا الفاصل بين معاوية وبين هذا الهدف ـ الاسم ـ الذي كان يريد أنْ يحققه لنفسه، وبقي هذا الفاصل قائماً وموجوداً.


الثانية:

هي جبهة الأنصار والأصحاب القريبين منه، وهم أولئك الذين احترقت قلوبهم من هذه الهدنة، ولم يفهموها، فكانوا يأتون إلى الإمام الحسن (عليه السلام) وينتقدونه، ويتحدثون ويلزمون ويهمسون باستمرار مع الإمام الحسن (عليه السلام)، أو من ورائه.

طبعاً كان هؤلاء يتحدثون بهذا عن حرص، وحب للإمام الحسن (عليه السلام)، وعن إخلاص للقضية، ولكنهم لم يكونوا قادرين على استيعاب هذه القضية، وهذا ما نراه في كثير من الأحيان.

فكان على الإمام الحسن (عليه السلام) أنْ يقنع هؤلاء ويوضّح القضية لهم، ويكسبهم وينظمهم بحيث يهيئهم لأنْ يكونوا الجماعة الصالحة القادرة على مواصلة هذا الطريق، والاستمرار في هذا المنهج إلى يومنا الحاضر، فكان لهذه الجماعة دور عظيم جداً في نهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وفي الثورات والنهضات التي جاءت بعده (عليه السلام)، وإلى يومنا الحاضر، وذلك باعتبار ما حفظ الإمام الحسن (عليه السلام).


الثالثة:

هي جبهة الخوارج، فكما تعرفون أنّه بالأمس القريب كان الإمام علي (عليه السلام) قد قتل من الخوارج من قتل في النهروان، وبالأمس القريب كانوا قد تآمروا على الإمام علي (عليه السلام) وقتلوه في مثل هذا الشهر الشريف، وكان قد تآمروا على الإمام الحسن (عليه السلام) وأرادوا أنْ يقتلوه في منطقة المدائن. فالإمام الحسن (عليه السلام) كان يعيش مع هذه الجبهة.

وقد حاول معاوية أنْ يغري الإمام الحسن (عليه السلام) في أنْ يدخل في حرب مع الخوارج، وهؤلاء لم تقف حركتهم ولم تقعد، وإنّما بقوا مستمرين إلى مدى طويل في التأريخ، فكان الإمام الحسن (عليه السلام) مستهدفاً من قبلهم، وكان عليه أنْ يوازن في العمل السياسي في هذه الجبهة.


الرابعة:

هي جبهة المسلمين كلهم، فمعاوية حاول أنْ يذل الإمام الحسن (عليه السلام) ويعزله ويقطع صِلاته مع المجتمع الإسلامي بمختلف الوسائل التي كان يتبعها، بينما نجد أن الناس قد اجتمعوا حول الإمام الحسن (عليه السلام)، فوصل الحد بمعاوية إلى أنْ يقلق ويتصور أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) يريد أنْ يقوم بحركة واسعة ضده، من خلال اجتماع الناس حوله، ولذلك كتب الإمام الحسن (عليه السلام) إلى معاوية عندما بعث له بعض الجواسيس وبعض الأشخاص الذين يثيرونه في هذا المجال، فقال: (إنني لو كنت أريد أن انقض العهود لفعلت هذا منذ البداية عندما كانت جماجم العرب بيدي، وكان الجيش والسلطة تحت يدي).

هكذا تمكّن الإمام الحسن (عليه السلام) من الصمود والاستمرار والبقاء، ولذلك بقي (عليه السلام) محبوباً لدى جميع المسلمين، ومن يرجع إلى التأريخ يجد ذلك، كما في تأريخ ابن عساكر عندما يتحدث عن تأريخ دمشق فهو يتحدث عن الإمام الحسن (عليه السلام)، ويذكر روايات في شأنه وعظمته وحب الناس له بدرجة حتى أنّ الوالي الأموي كان يوالي الإمام الحسن (عليه السلام) رغم أنفه.

وهذا شيء عظيم جداً في العملية السياسية، وهو أنْ يدير الإمام (عليه السلام) عملية سياسية فيها جبهات متناقضة، لأنّ كل جبهة تنقض على الأُخرى، فأصحابه جبهة مناقضة لجبهة معاوية، وجبهة الخوارج مناقضة تماماً لجبهة الحالة الإسلامية العامة، فالخوارج كانوا دائماً في حالة رفض وقتال وثورة، والذي نعبر عنه الآن بحالة التطرف والإرهاب، في مقابل الحالة الإسلامية التي تريد حالة الأمن والاستقرار.

فكانت هناك جبهات متناقضة ومتعارضة وكان على الإمام الحسن (عليه السلام) أنْ يدير هذه العملية بشكل دقيق، ثم يخرج منها بنجاح ونص ر، فيسقط أُطروحة معاوية من ناحية، ويجمع أصحابه ويؤلف بين قلوب المسلمين، ويبقى يعيش معهم ويؤثر فيهم دون أنْ يدخل في صراع مباشر مع الخوارج(6) من ناحية أخرى.

ومن الطريف أنّ معاوية عندما طلب من الإمام الحسن (عليه السلام) أنْ يقاتل الخوارج كتب إليه الإمام (عليه السلام) نفس هذا الكلام، فقال: (أفأقاتل الخوارج، لأن من طلب الحق فأخطأه ليس كمن طلب الباطل فأصابه) يعني بذلك معاوية، فقال له: أنت تطلب الباطل فأصبته، وأنت أولى بالقتال من الخوارج، فإن أردت أنْ أُقاتل الخوارج فلابد أنْ أقاتلك أولا، لأنّ هؤلاء طلاب حق مخطئون، وأمّا أنت فطالب باطل ووصلت إليه، فأنت باطل كامل، وهؤلاء باطلهم أنّهم أخطأوا في طلب الحق.

وبهذا تمكّن الإمام الحسن (عليه السلام) أنْ يحفظ هذا التوازن، وأنْ يحقق الانتصار، وهذا هو الذي جعل خط أهل البيت (عليهم السلام) يسير وينمو ويتكامل على مرّ الزمن، ويصبح خطاً قوياً في مضمونه الروحي والعقائدي والسياسي، وكل هذه العوامل وضع الإمام الحسن (عليه السلام) خطها السياسي بعد الإمام علي (عليه السلام)، وكان له هذا الموقف والمنهج العظيم.


الأوضاع العراقية


النقطة الثالثة:

هي الأوضاع التي نعيشها في العراق، فالإخوة الأعزاء قد يحتاجون أنْ نتحدث معهم في هذا الموضوع، ولكن باعتبار الوقت أُشير إشارة فقط لهذا الوضع.

ففي يوم الأربعاء الماضي كان عندنا اجتماع في المجلس الأعلى للثورة الإسلامية من أجل تحليل الأوضاع السياسية بشكل حقيقي وواقعي، لا من أجل الشعارات والإعلام، وقد وصلنا في هذا التحليل إلى أنّ النظام يعيش الآن أدنى حالات الضعف في ظروفه الحالية، وخصوصاً بعد التراجعات الأخيرة في المواقف الداخلية، فقد عرفتم ما حصل لـ (عدي)، وما حصل لوزير الأوقاف السابق، والذي كان مستشاراً مهماً من مستشاري صدام، وعضواً في القيادة القطرية وفي مجلس قيادة الثورة، حيث تعرض لمحاولة اغتيال وقتل في منطقة حساسة من بغداد، لكن النظام حاول أنْ يعتم على القضية، ويظهرها بعنوان حادث سيارة مؤسف ـ حسب تعبيرهم ـ لكن كل العالم فهم أنّها قضية قتل لهذا الشخص.

ولأوّل مرّة يواجه النظام ضربات في داخل جسمه وبهذا الشكل والمستوى، فمنذ أنْ جاء صدام والبعثيون إلى الحكم في العراق وإلى يومنا الحاضر لم توجّه ضربة لهم، كما وجّهت مثل هذه الضربات، ولذلك فالنظام بدأ بهذا الموقف الشرس ضد الحوزة العلمية، فحاول أنْ يقتل آية الله العظمى السيد السيستاني، وعندما لم يتمكن جلاوزة النظام من الاجتماع بالسيد السيستاني حاولوا أنْ يقتلوا ولده، وعندما عجزوا عن ذلك قتلوا العاملين في مكتبه.

وأخيراً حاول النظام أنْ يقتل أحد كبار العلماء في حوزة النجف وهو آية الله الشيخ مرتضى البروجردي (حفظه الله)، وهذا حسب المعلومات التي توفرت لدينا، ونحتاج إلى التأكد من هذا الخبر، ولكن هذا الخبر وصلني أخيراً وفيه كثير من علامات الصحة، وهذه هي المحاولة الثانية وقبلها حاولوا قتله.

والنظام الآن يحرض أزلامه والأشخاص الذين يتعاملون معه ـ ومع الأسف بعضهم من عوائل علمية معروفة ـ على القيام بأعمال ضد الحوزة العلمية، لأنّه يشعر بالخطر.

وهكذا موقفه الآخر الشرس في المناطق الجنوبية من العراق، فمنذ شهر تقريباً وحتى الآن والنظام يشن حملات واسعة، وهناك تواجد واسع من الدبابات والمدرعات في المناطق الجنوبية، ولكنّ النظام ـ ولأوّل مرّة ـ يواجه هذا الصمود والتحرك من المجاهدين بهذا المستوى، ففي الوقت الذي كان يقوم به النظام بهجوم كان المجاهدون يصدون الهجمات، ولا يكتفون بصدها، بل يقومون بهجوم مقابل.

فقبل يومين قام المجاهدون بعمليتين مهمتين جداً:

الأولى: هي قصف وتدمير المقر العام للفيلق الثالث، بحيث أشعلوا فيه الحرائق.

والثانية: وجهوا فيها ضربة إلى مديرية أمن القرنة.

والنظام الآن يعيش حالة من الرعب والخوف، خصوصاً في مثل هذه الظروف الجديدة، حيث جاءت هيئة عن الأُمم المتحدة من أجل أنْ تفحص ما يسمّى بـ (النهر الثالث)، وهو ما يسميه النظام بـ (نهر صدام)، وغير ذلك من الأُمور التي يواجهها النظام، هذه هي المشكلة الداخلية.

وأمّا المشكلة الخارجية فنرى تراجعاً في الموقف الفرنسي، ففرنسا التي كانت تركض وراء العلاقات مع النظام نراها ترفض استقبال عدي، وتقول: إنّا لا نستقبله لا اليوم ولا فيما يأتي، مع أنّ فرنسا بالأمس القريب استقبلت (روكان عبد الغفور) مراقب صدام وهو من المجرمين، ولكنهم قالوا: إنها قضية إنسانية. ولكن الوضع السياسي يفرض عليها الآن أنْ تقف مثل هذا الموقف الرافض بشكل كامل.

ومن ناحية أُخرى يُطرح الآن موضوع محاكمة صدام بشكل علني، وقد اجتمعت جمعيات من مختلف أنحاء العالم من أجل أنْ تطرح هذا الموضوع.

ومن جانب آخر، فتركيا التي كانت تطمح سابقاً لأنْ تكون علاقاتها مع النظام جيدة، وفي المقابل كشف النظام صِلاته مع تركيا من أجل أن يسحبها، إلاّ أننا نجد تركيا الآن تقف موقفاً معادياً للنظام، وغير ذلك من المواقف.

وقد توترت علاقة النظام مع سوريا، فهو يوجه هذه الطعنة الخبيثة، وهي ضربة خنجر من الخلف، فقد هاجم النظام في سوريا بشكل علني في حديثه يوم السادس من كانون، وقارنها بإسرائيل، فقد اعتبر دخول إسرائيل إلى جنوب لبنان، كدخول سوريا إلى لبنان، مع أنّ سوريا الآن تواجه مشكلة حقيقية مع الصهاينة في المنطقة، إلاّ أنّ النظام يأتي ويطعنها من الخلف، وفي نفس الوقت يشير إلى وجود توتر حقيقي في العلاقات بين النظام وبين سوريا.

وهكذا ما حدث في الأيام الأخيرة من توتر العلاقات بينه وبين الجمهورية الإسلامية، طبعاً علاقات الجمهورية معه محدودة، ولكن مع ذلك أصبحت الآن هذه العلاقة المحدودة تمثل مشكلة، خصوصاً بعد ضربة الصواريخ التي وُجّهت لمقر المنافقين في أهم منطقة حساسة في بغداد، فالملحقون العسكريون الموجودون في بغداد والنظام يفهمون ما هو معنى هذه الضربة، لأنّها حدثت في منطقة في ساحة الأندلس، وكان من الممكن أنْ تصيب القصر الجمهوري نفسه، فالنظام يشعر أنّ القصر الجمهوري أصبح غير آمن، ويمكن أنْ يضرب بالصواريخ، والمهم أنّه لا يمكن أنْ يمسك أولئك الذين قاموا بهذه العمليات، وهذا يعبر عن عجز النظام، وفيه دلالة كبيرة جداً في تحليل الأوضاع الداخلية.

ونحن ـ بحمد الله ـ وجدنا أنّ أبناء الشعب العراقي يعبرون عن الكثير من الصمود والاستعداد للتضحية، والاستمرار في هذا الطريق وذلك عن طريق تعبيرهم عن ولائهم لأهل البيت (عليهم السلام)، وهذا شيء يبشر بخير.

ففي كل ليلة جمعة من الجمع العادية ـ وليس في المناسبات ـ يحضر إلى كربلاء حوالي ربع مليون عراقي، من أولئك الذين يعيشون في ظروف مالية صعبة، فالدينار له قيمة عند هذا الإنسان العراقي، ولكنهم مع ذلك يبذلون من أجل أنْ يصلوا إلى الحسين (عليه السلام)، ويعبروا عن ولائهم وميثاقهم وعهدهم معه (عليه السلام). وهذا له مداليل عظيمة جداً.

وقد ذكر أحد الأشخاص ـ وكان أُستاذاً أصله عراقي ولكن عنده جنسية أمريكية، وجاء للتدريس في العراق ـ فقال: درّست صفاً على مستوى الدراسات العليا في الكلية الطبية، وكان في هذا الصف خمس وعشرون فتاة ـ ويوجد رجال أيضاً ـ، وكان من بينهم عشرون فتاة محجبة.

إذن، فالوضع الديني والإقبال على الدين والإسلام كله على خلاف رأي النظام، وعلى خلاف مواقفه، وهذا فيه دلالات ومعان، وهذا ما نفهمه من قضية حب أهل البيت (عليهم السلام)، وهو ما نقيمه في هذه المجالس المباركة.

أسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يتقبل منكم ذلك، وأنْ يكتب ذلك في صفحات حسناتكم إنْ شاء الله، وأنْ يجعلها في سجل هذا الشهر الشريف، وخصوصاً في سجل ليلة القدر، وإنْ شاء الله ترون في هذا المجالس شفاعة أهل البيت (عليهم السلام)، وترونها في مواقف حرجة على الحوض وعلى الصراط وعند دخول الجنة إنْ شاء الله.

فهذا الحب لأهل البيت (عليهم السلام) له هذا الأثر، وسوف تبقى له هذه الآثار، وتبقون إنْ شاء الله على الحب والعهد والميثاق، ونبقى على الطاعة والمتابعة لأهل البيت (عليهم السلام).

نسأل الله أنْ يتقبل منّا ذلك بأحسن قبول، كما نسأله أنْ يتغمد الماضين الذين ربّونا على هذا الحب، والذين لهم حقوق علينا، وهم آباؤنا وأمهاتنا وإخواننا، وعلماؤنا الصالحون، الذين لهم حقوق علينا في هذا الشهر، فلا بد أنْ نذكرهم في هذا الشهر بالعمل الصالح، فلهم علينا حقوق عظيمة.

أسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يتغمدهم برحمته الواسعة، وأنْ يتغمد شهداءنا الأبرار برحمته الواسعة، وأنْ يتغمد مراجعنا العظام، وبالخصوص شهيدنا الصدر الذي ضحى في هذا الطريق، وأنْ يتغمد إمام الأُمّة برحمته الواسعة.

كما نسأله سبحانه وتعالى أنْ يحفظ هذه الدولة المباركة، وأنْ يثبّت دعائمها وينصرها على أعدائها، وأنْ يسدد ولي أمر المسلمين آية الله العظمى السيد الخامنئي بتأييده وتسديده، وأنْ يحفظكم ويرعاكم، وإلى أرواح الشهداء جميعاً وإلى أرواح سلفنا الصالح وسلفكم وسلف المؤمنين رحم الله من قرأ الفاتحة قبلها الصلاة على محمد وآل محمد.

____________

1- الكوثر: 1 ـ 3.

2- بحار الأنوار 23: 102.

3- بحار الأنوار 44: 1.

4- إشارة إلى قضية الصلح.

5- بحار الأنوار 44: 23.

6- لأنّ الإمام علياً (عليه السلام) قال: (لا تقاتلوا الخوارج بعدي، فليس مَن طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه)، شرح نهج البلاغة 5: 78.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية