محاضرة شهيد المحراب (قدّس سرّه) بمناسبة ذكرى شهادة الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)،
وذلك في مكتب سماحته بمدينة قم المقدسة، بتاريخ: 28 / جمادي الأولى / 1418 هـ ق الموافق 1 / 10 / 1997 م.
دور الزهراء (عليها السلام) في إثبات الولاية
(القسم الثاني)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا سيد الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد، وعلى آلهِ الطيبين الطاهرين.
والصلاة والسلام على سيدتنا ومولاتنا سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء.
والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا - بقية الله في أرضه - الحجة بن الحسن (عَجَّلََ الله تعالى فَرَجَهُ الشريف).
والسلام على شهداء الإسلام في كل مكان، منذ الصدر الأول للإسلام وحتى هذا العصر، والسلام على سادتي العلماء وإخواني المؤمنين الكرام ورحمة الله وبركاته.
إثارات وتساؤلات
في هذه الأيام الشريفة نعيش ذكرى شهادة سيدة نساء العالمين، وفي الأسبوع الماضي كانت هناك إثارة حول القضايا والأحداث التي تعرضت لها سيدة النساء بعد وفاة أبيها، حيث طُرح سؤال: هل أن هذه الأحداث مجرد قضايا وحوادث توالى بعضها خلف بعض،لأسباب مختلفة ومتعددة قد يكون وراءها نوايا ومقاصد نفسية، وخلفيات تاريخية؟
أو أنها أحداث كانت تعبر عن هدف أدى إلى وجود هذا الوضع الخاص لسيدة نساء العالمين (عليها السلام)؟
أو أن هذه الأحداث تعبر عن قضية واحدة، وموضوع واحد، وهو الصراع على الحكم والخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، حيث صدر الأمر الإلهي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يكون علي (عليه السلام)خليفة وحاكماً بعد رسول الله بلا فاصل؟ بمعنى أن يكون علي قائد التجربة الإسلامية بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الحكم، حتى تستمر هذه التجربة لعدة قرون، فتقوم حكومة العدل المطلق التي وعد الله بها عباده الصالحين.
وفي مقابل هذا التخطيط الإلهي كان هناك تخطيط آخر، وهو أن يتسلط على الحكم أشخاص آخرون، ويكونون هم الذين يديرون أوضاع المسلمين، ويقودون تجربة الحكم الإسلامي، كما حصل في واقع التأريخ الإسلامي.
وإن ما جرى على الزهراء (عليها السلام) هل هو مرتبط بهذا الصراع، أو أنها أحداث وقضايا تعبر عن مختلف الاحتمالات؟ ومنها ما يشير إليه أحياناً بعض الشعراء والأُدباء في تصوير مظلومية الزهراء (عليها السلام)، من وجود خلفيات نفسية وتاريخية لمواقف الأشخاص تجاه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبني هاشم، وعلي بالذات، فأراد هؤلاء أن يعبروا عن الانتقام من النبي (صلى الله عليه وآله) فوجدوا هذه الفرصة في الانتقام من الزهراء (عليها السلام) بعد ارتحال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ربه.
هذه من القضايا المهمة التي يمكن أن نفهم من خلالها هذه الأحداث، وإلاَّ قد تبدو بعض هذه الأحداث غريبة وبعيدة عن التصور الطبيعي لمجرى القضايا، وأحياناً قد تبدو بعيدة عن التصور العادي لما يمكن أن يكون من أحداث ووقائع بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما يشير بعض الناس إلى مثل هذه التساؤلات وهذا الاستغراب.
تساؤلات: وقفة مع الباب
إن حادثة الباب التي يتحدث عنها التأريخ الإسلامي، ويشير إليها الخطباء والمتحدثون عن قضية الزهراء (عليها السلام) قد تبدو غريبة، فعندما حصل الهجوم على الدار كما نص التأريخ الإسلامي على ذلك - أو كان هناك طَرْقٌ على الباب، أو كما يحاول البعض أن يهوِّن الأمر - ليستدعوا علياً (عليه السلام) للبيعة لأبي بكر، فلماذا تخرج الزهراء (عليها السلام) لفتح الباب؟ ولماذا لا يخرج الإمام علي (عليه السلام) وهو رجل البيت؟ أو يخرج من كان معه كما تنص بعض الروايات التأريخية على ذلك، من قبيل الزبير وسلمان وعمار والمقداد وغيرهم ممن كان مع علي (عليه السلام)؟
لماذا لا يقوم أحد هؤلاء بفتح الباب؟ سواء أكان هذا الأمر هجوماً، فالرجال أولى بمواجهته، أم كان استدعاءً فالأولى أن يقوم واحد من هؤلاء الرجال للتفاهم مع القوم، فلماذا تبادر الزهراء (عليها السلام) لفتح الباب ويقع عليها ما وقع؟ مع أن البيوت في ذلك الزمان كانت صغيرة جداً، ولم تكن كبيرة بحيث إننا نفترض أن الباب طُرقت وهؤلاء الرجال كانوا في آخر البيت، فلم يسمعوا شيئاً من هذا الطرق.
فإذا كان علي (عليه السلام) مأموراً بالتسليم لهذا الأمر الواقع كما تذكر ذلك بعض النصوص والقبول به، والصبر على ما جرى في سقيفة بني ساعدة، فلماذا تخرج الزهراء (عليها السلام) بعد ذلك وتتبع علياً وتلح في طلبه، إلى حدٍّ تتعرض فيه إلى أقسى ألوان الانتهاك للحرمة، والإذلال والإهانة - كما تذكر النصوص - وإلى ضربها على وجهها، أو ضربها بالسوط؟ فقد يثار هذا السؤال بشكل استغرابي على أولئك الذين يفترضون أن هناك أمراً مسلماً بالسكوت المطلق، سواء لعلي (عليه السلام) أم لأهل البيت (عليهم السلام). لكن الزهراء بعد طرق الباب تخرج وتتابع القضية إلى المسجد، وتصر على هذا الموقف، مع أن المأمور به هو التسليم للأمر الواقع.
حادثة فدك
وهكذا الحال مع كل واحدة من الحوادث كحادثة فدك، فلماذا هذه المطالبة من الزهراء (عليها السلام)؟ ولماذا هذا الإصرار والإلحاح والمطالبة الجادة للإعلان عن هذه المطالبة بهذه الطريقة، التي يذكرها التأريخ في قضية فدك؟ مع أن علياً (عليه السلام) بعد ثلاثين عاماً تقريباً في رسالته المعروفة إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف، يقول: «بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء... وما أصنع بفدك وغير فدك، والنفس مظانُّها في غد جدث...»(1).
هذا هو موقف الإمام علي (عليه السلام) من فدك، فهو يذكر اسمها والموقف منها بقوله: «فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس قوم آخرين»(2)، فهو يذكر عدم الاهتمام بفدك، وما يصنع بفدك؟! وفاطمة (عليها السلام) لا تختلف عن علي (عليه السلام) في هذا الموقف; لأنها بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد تربّت في أحضان الرسالة، ولا يمكن أن نتصور أن فاطمة (عليها السلام) يكون لها هذا الاهتمام بفدك، وعلي (عليه السلام) لا يهتم بها. فأهل البيت (عليهم السلام) لم تكن الدنيا في أعينهم أي شيء من الحلاوة والأهمية; لأنهم أعرضوا عنها وقصدوا الله سبحانه وتعالى. فلماذا هذا الإلحاح على الحصول على فدك؟ هذا قد يثير الاستغراب في شخصية الزهراء (عليها السلام).
ومن جانب آخر هناك ما يثير الاستغراب أيضاً، وهو: لماذا هذا الإصرار والإلحاح من الخليفة على منع فاطمة فدكاً؟ مع أنها ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وجاءت تطالب وتبكي وتستصرخ؟! والخليفة لديه صلاحيات واسعة، ويمكن أن يستخدم صلاحيته، كما استخدمها الخلفاء من بعده، فيقول لها: هذه فدك، وإن كانت للمسلمين، إلا أنني أُعطيها لك، وأمرها بيدك، فأنت ابنة رسول الله، فخذيها واصنعي بها ما تشائين، كما كان يصنع الخليفة عمر عندما كان يحاسب ولاته الذين كانوا يجمعون الأموال الطائلة، ثم يقاسمهم، فيقول نصف لنا ونصف لكم، فإذا كان هذا المال للمسلمين فلماذا يدفع للعامل النصف؟ وإن كان المال للعامل، فلماذا يأخذ منه النصف؟
ولكنهم يقولون أن الخليفة كانت لديه هذه الصلاحيات، كان يعطيهم النصف ويقول هذا قبال عملكم وخدماتكم.
وقد أعطى الخليفة الثالث خمس خراج أفريقيا - الذي يعتبر أهم دخل للمسلمين في ذلك العصر - لمروان بن الحكم الطريد ابن الطريد، ولم يقل أحد من المسلمين لماذا تصرّف الخليفة بهذا المال كيفما شاء؟ أفلا يمكن لأبي بكر أن يصنع مثل هذا مع الزهراء في قضية فدك، عندما يرى فاطمة تطالب بها فيعطيها فدكاً ويحل المشكلة بهذه الطريقة؟
حول بكاء الزهراء
وهكذا في ما يتعلق ببكائها، فسيدة نساء العالمين (عليها السلام) بكت على أبيها ليلاً ونهاراً، فقد يثار سؤال: إنه كيف يمكن لمثل هذه السيدة الجليلة أن تبكي ليل مع نهار ولا تصبر - كما أثار ذلك بعض المتحدثين والمتحذلقين في الكلام - والصبر من شيمة أهل البيت (عليهم السلام) وصفاتهم في النوائب، وقد أمر القرآن الكريم بذلك حيث قال: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (3)
فهذا الخُلق، هو خُلق القرآن والإسلام، فلماذا يُبدي هؤلاء البكاء المستمر الذي يعبر عن الجزع، إذا نظرنا إليه كحالة عادية؟
فإذا افترضنا أن سيدة النساء (عليها السلام) أخذتها حالة البكاء، ولا تتمكن أن تملك نفسها، فلماذا يمنع القوم امرأة مصابة بمثل هذه المصيبة العظيمة، من البكاء؟ ولماذا يدخلون في هذا الصراع معها، بسبب البكاء؟
الشيخان يسترضيان فاطمة
وهكذا الحال مع موقف الشيخين ودخولهما عليها، وطلب رضاها والاعتذار منها مما ألحقاه بها من أذى وضرر، فقد طلبا ذلك إلى علي (عليه السلام)، فوافق وأدخلهما على سيدة النساء (عليها السلام) بعد أن أخذ الإذن منها، وهناك أعلنت بشكل واضح عن عدم رضاها، وقالت كلامها المعروف: «هل سمعتما رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخطها من سخطي؟»، (وتكلمت بهذا الكلام بعد أن استشهدتهما على هذه الحقيقة فشهدا)، ثم قالت: «أُشهد الله وملائكته أنكما قد أسخطتماني»(4).
فلماذا هذا الموقف؟ مع أن القرآن الكريم سنّ خُلُقاً للمؤمن، وهو أن يعفو عن أخيه ويصفح، والصفح والعفو من الصفات الطيبة والأخلاق العالية، فكيف إذا جاءا قاصدَين البيت معتذرَين عما بدر منهما، فلماذا لا تقبل الزهراء (عليها السلام) منهما؟ هذا ما يثير الاستغراب. هذا من ناحية.
ومن ناحية أُخرى لماذا يهتم القوم باسترضاء فاطمة (عليها السلام)، بعد ذلك العدوان والتجاوز، بحيث وصل الحد إلى أنهم يريدون أن يحرقوا بيتها، ثم يأتون ويصرون على علي (عليه السلام) ويتوسلون به أن ترضى عنهم فاطمة (عليها السلام)؟ فلماذا هذا الإصرار والإلحاح والتنازل من قبلهم بعد ذلك العمل؟ هذا في نفسه يثير الاستغراب. إلى غير ذلك من الأحداث، كقضية الوصية بالدفن سراً.
هذه الأسئلة مهمة جداً، وقد تثار هنا وهناك، كما أُثيرت بالفعل، وقد 0تخطر على بال الإنسان العادي عندما يسمع هذه الأحداث، فيستغربها في نفسه، غاية الأمر أنه قد لا يجرؤ على أن يطرحها، ويدور في ذهنه بأن هناك شيئاً لا يعرفه.
تحليل الأحداث التي جرت على الزهراء (عليها السلام)
نحن لا بد أن نحلل التأريخ ونعرف واقع ما جرى في هذه القضية، وإذا أردنا أن نرجع إلى الوراء قليلاً، ونتحدث عما جرى قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهذا يحتاج إلى حديث طويل، ولكني أُبين النتائج وخلاصتها:
إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل وفاته بذل جهداً كبيراً، واستخدم كل الوسائل الممكنة والمتيسرة في ذلك الوقت من أجل أن ينصب علياً (عليه السلام) خليفة في الواقع، لا مجرد أن ينصبه من جهة الحكم التشريعي القائم بين المسلمين، كما يبين الأحكام، وإلاَّ فهذا الأمر بيَّنه منذ أن التقى بعشيرته ودعاهم إلى الإسلام، فقال في علي (عليه السلام): «أنت وصيّي وخليفتي من بعدي وأنت وزيري»(5).
وقد بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) هذه المطالب في مقامات كثيرة، ولكنه في الأيام الأخيرة من حياته، ولعله البداية لهذه المرحلة الجديدة، كانت معركة تبوك، حيث اتخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) موقفاً جديداً، وقرر أن يجعل خلافة علي (عليه السلام) قضية خارجية واقعية، وليست قراراً وتشريعاً سنّه الله سبحانه وتعالى، وكلف به رسوله فحسب، وإنما يجعله قضية خارجية تأخذ موقعها ومجراها في الواقع الخارجي، فخلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) على المدينة.
ثم أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتخذ خطوة بعد خطوة لبيان هذا الأمر، فكانت قضية الغدير وتنصيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام)، وأخذ البيعة من المسلمين ليجعل هذه القضية أكثر إلزاماً، وكان ذلك بأمر إلهي: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن}(6).
ثم محاولة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يجعل علياً يقيم الصلاة في مقامه عند مرضه، وبعدها محاولة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يكتب كتاباً لن يضلوا بعده، يبين فيه هذه الحقيقة، وكذلك إخراج كبار الصحابة والشخصيات المهمة من المدينة في جيش أُسامة.
كل هذه الخطوات اتخذها رسول الله (صلى الله عليه وآله)، من أجل أن يجعل الظرف السياسي مُهيَّأً لهذه القضية، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) خطَّط لهذه القضية، إلاَّ أنه لم يستخدم أسلوباً واحداً، وهو أن يلقي القبض على أُولئك المتهمين بمحاولات أُخرى، ويقوم بعملية ما تجاههم، كأن يسجنهم أو يقتلهم أو ينفيهم، فهذا الإجراء المادي الخارجي لم يتخذه، أما بقية الإجراءات فقد توسل بها.
علي (عليه السلام) وسقيفة بني ساعدة
وكانت النتيجة أن القوم اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة، واتخذوا القرار في أن يكون الخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)شخصاً آخر، وجعلوا علياً أمام الأمر الواقع، فأصبحت القضية بهذا الشكل، وهنا استجدت لأهل البيت (عليهم السلام) عدة خيارات:
الخيار الأول: أن يدخلوا في صراع مسلح مع هذه الجماعة التي استلمت الحكم بطريقة استخدام القوة والعنف، وكان من الممكن أن يجمع علي (عليه السلام) أنصاره ويخطط لاستلام الحكم.
الخيار الثاني: التسليم، كما نشاهد ذلك من علي (عليه السلام) في خلافة عمر عندما نصبه أبو بكر، وكما نلاحظ ذلك في خلافة عثمان عندما عيَّن عمر الستة للشورى، وأمرهم أن يختاروا واحداً، فقبل علي (عليه السلام) ذلك، واشترك معهم في الاجتماع، وكانت نتائج هذا الاجتماع معروفة.
وحتى في تصدي علي (عليه السلام) للخلافة بعد عثمان، عندما جاءه المسلمون واجتمعوا عليه وتوسلوا به وضغطوا عليه لكي يقبل الخلافة، فسلّم إلى الأمر الواقع وقبلها.
الخيار الثالث: وهو الذي اختارته الزهراء (عليها السلام)، ولا شك أنه كان بموافقة علي (عليه السلام)، وبالتعاون معه، فاختارت هذا الخيار وتحملت مسؤوليته وخططت له.
أما عن الخيار الأول، فقد قال المؤرخون: إن علياً (عليه السلام) إنما لم يختر هذا الخيار لأنه لم يجد أنصاراً يقوم بهم في مقابل هذه الجماعة، ولا يبعد أن يكون الأمر كذلك، ولكن هناك احتمال آخر، وهو أنه (عليه السلام) كان من الممكن أن يجد أنصاراً لو اتبع الأساليب السياسية المعروفة في جمع الأنصار وجذبهم بتقسيم المنافع والمصالح والمواقع... بإعطاء هذا موقعاً، وذاك موقعاً، فكان يمكنه بهذا أن يجد أنصاراً يصل بهم إلى الحكم، وبعدما يصل إلى الحكم يبدأ بعمليات تصفية جسدية، كما نشاهد في هذا العصر.
فقد جاء أبو سفيان لعلي (عليه السلام) وعرض عليه إمكانياته وقدراته، وكان لأبي سفيان موقع مهم، وكان بنو هاشم مع علي (عليه السلام)، وكان من الممكن لعلي (عليه السلام) - لو كان يتبنى هذا النوع من التعامل - أن يكسب الكثير من الأعراب الذين دخلوا في الإسلام حديثاً، وكانوا يلهثون وراء المنافع والمواقع، فكان يمكنه أن يحقق هذا الأمر.
لكن علياً (عليه السلام) وجد أنه لو أراد أن يتبع هذا الطريق، فقد يؤدي هذا الأمر إلى انتكاسة للإسلام تقضي عليه، أو تجعله ضعيفاً، بحيث لا يمكنه أن يحقق أهدافه كرسالة خاتمة تعم الدنيا وتستمر إلى يومنا الحاضر، فيتحول إلى حالة شبيهة بالحالة التي تحولت لها اليهودية، ويصبح محدوداً بجماعة معينة من الناس، والباقي يبقون على الوثنية والكفر.
ومع غض النظر عن تفسير الاحتمال الأول والثاني، فأنا أميل للاحتمال الثاني، والمؤرخون يذكرون الأول، وقد يكون صحيحاً، لكن علياً (عليه السلام) لأحد هذين الاحتمالين، أو لهما معاً، لم يختر الخيار الأول ويدخل في مواجهة مسلحة مع هذا الوضع الجديد.
والخيار الثاني لم يكن صحيحاً أيضاً; لأن قضية الخلافة والولاية ليست قضية عادية كما يحاول البعض أن يصورها، فنصوص أهل البيت (عليهم السلام) من ناحية، والنص القرآني في تنصيب علي (عليه السلام) في بيعة الغدير: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}(7) من ناحية أُخرى، يدلان على أن الخلافة أمر مهم; لأنه لو لم يبلغ الرسول (صلى الله عليه وآله) هذا الأمر ويترتب بحسب الواقع، فعندئذ لم يبلغ الرسالة بأكملها، فالخلافة إذن لها هذه الدرجة من الأهمية.
وفي النص المروي عن الإمام الباقر (عليه السلام) بيان لهذه الأهمية، فقد قال (عليه السلام): «... ولم ينادَ بشيء كما نودي بالولاية»(8)، وفي رواية أُخرى، بعد أن بيّن (عليه السلام) الأركان التي قام عليها الإسلام من قبيل الصلاة والزكاة.. قال: «... الولاية أفضل؛ لأنها مفتاحهن والوالي هو الدليل عليهن...»(9).
فالولاية لها هذه الأهمية الخاصة، ولا يمكن في مقابل تعرضها لهذا النوع من الضرر أن يسلّم علي (عليه السلام) للأمر الواقع، ويقبله كقضية خارجية.
نعم، لو كانت الولاية شأناً من الشؤون الأخرى كفدك - مثلاً - لكان من الممكن أن يسمو عن هذا المال، كما قال (عليه السلام): «بلى كانت في أيدينا فدك.. فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين.. وما أصنع بفدك وغير فدك...»(10)، لكن الولاية حق لا يمكن له أن يسمو عنه، ويغض النظر ويتنازل.
فليس أمام علي (عليه السلام) إلاَّ الخيار الثالث، وهو خيار المقاومة، وتثبيت هذه القضية أمام المسلمين كحق يبقى قائماً بين الناس، إلى أن يظهر ذلك الإنسان العظيم، الذي أعده الله سبحانه وتعالى ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً.
وإذا أراد علي (عليه السلام) أن يتصدى بنفسه لهذا الأمر، فلا يجد أمامه إلا الخيار الأول؛ لأنه إذا أراد أن يتصدى فلا خيار له إلا أن يقاتل، كما صنع الإمام الحسين (عليه السلام) فيقتل حينئذ، أو يتحقق ذلك الخطر الكبير، وهو خطر تفكك المجتمع الإسلامي، وضعف الدولة الإسلامية أمام الوثنية.
ومن هنا يمكن أن نفهم هذه الحوادث واحدة بعد الأُخرى، فلم يكن أمام علي (عليه السلام) ولا سلمان ولا المقداد أو عمار أو الزبير، ولا أي واحد ممن اجتمعوا في بيت علي (عليه السلام) وتعاهدوا معه، لم يكن لهم أن يتصدَّوا لهذه القضية؛ لأن معنى التصدي حمل السلاح والقتال، فالعملية ليست سلمية أو سياسية أو عملية انتخابات، وإنما كانت استخدام القوة، وقد فرض هذا الموضوع بالقوة.
دور الزهراء في بيان الحق
لقد خطبت الزهراء (عليها السلام) في المسجد النبوي في قضية فدك، وعلي (عليه السلام) بإمكانه أن يقف في المسجد النبوي ويتحدث حديثاً إذا لم يكن أفضل من حديث الزهراء (عليها السلام) فليس بأقل منه، وهو الخطيب الذي لا يباريه خطيب، وهو صاحب نهج البلاغة، فلماذا تحدثت الزهراء (عليها السلام) ولم يتحدث علي (عليه السلام)؟
لقد أُريد للقضية أن يكون فيها تصدٍّ ومقاومة، ولكن دون استخدام السلاح والقتال، وهذا الأمر لم يكن يتحقق إلاّ بحركة الزهراء (عليها السلام).
ومن هنا يمكن أن نفهم سبب خروج الزهراء (عليها السلام) لفتح الباب، وعدم خروج علي (عليه السلام)، وكيف يمكن للزهراء (عليها السلام) أن تتعرض لمثل هذا الأذى البدني من كسر الضلع، وسقوط الجنين، وهذه الحادثة تجعل الإنسان غير قادر على الحركة، لكن الزهراء (عليها السلام) تتصبر على نفسها وتخرج من البيت وتحرض المسلمين، وتستمر في المقاومة، رغم تعرضها للضرب على الخد والمتن بالأساليب الوحشية، التي استخدمها القوم ضدها، لكنها تقف صامدة، تواصل هذا الطريق، ولا تتوانى.
وكان من الممكن أن تتراجع، لكنها أرادت أن تثبت هذا الموقف، وهو أن لا يبايع علي (عليه السلام)، ولذلك نجد أنّ مؤرخي العامة عندما يريدون أن يبرروا عدم بيعة علي (عليه السلام)، فإنهم يقولون: إنه لم يبايع لأنه كان يريد أن يرضي الزهراء (عليه السلام)، وبعد أن توفيت بايع مجاملة وإرضاء لموقف الزهراء (عليها السلام).
فالزهراء (عليها السلام) كانت تريد أن تقاتل حتى الموت من أجل تثبيت هذا الموقف، وهو أن لا يبايع علي (عليه السلام)، وكان القوم يرون أنه إذا لم يبايع علي (عليه السلام)، فسوف تبقى هذه القضية أساساً مبدئياً، وهو أن هذا الحكم غير حقيقي، وليس متطابقاً مع الشريعة، وإلاَّ لماذا الإصرار منهم على أن يبايع علي (عليه السلام)، فهم قد تسلطوا على الحكم، وعلي جالس في بيته مع ستة أو سبعة أو ثمانية، لكنهم كانوا يعرفون أنه إذا لم يبايع علي (عليه السلام)، فهذا الحكم لا شرعية له.
ولذلك لم يجرأ أي واحد من أصحاب تلك المدرسة على أن يقول: إن حكمهم كان منصوصاً عليه في الإسلام، وإنما قالوا: إن النبي (صلى الله عليه وآله)ترك هذا الأمر، ولم ينص على شيء، والمسلمون هم الذين يدبرون الأمر من بعده.
فلو كان علي (عليه السلام) قد بايع، لوجدتم الكتب التي توارثها المسلمون جيلاً بعد جيل، مليئة بالأحاديث من أُولئك الذين أنذرهم النبي (صلى الله عليه وآله)بقوله: «لقد كثرت عليّ الكذابة وستكثر، فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار»(11). لوجدتم تلك الكتب مملوءة بنصوص تقول: إن النبي (صلى الله عليه وآله) نصَّ على خلافة فلان، وأن القرآن الكريم يقول في الآية الفلانية أن فلاناً هو الخليفة.
لكن موقف علي (عليه السلام) أثبت أن هذا الحكم ليس حكماً إلهياً مرتبطاً بالشريعة، وكانت الزهراء (عليها السلام) تريد أن تبين هذا الأمر.
الهدف من المطالبة بفدك
ومن هنا يمكن أن نفهم الغرض من المطالبة بفدك، وكذلك يمكن أن نفهم سبب حرمانها (عليها السلام) منها، وذلك للأسباب التالية:
أولاً: إن فدكاً كانت تمثل قدرة وقوة مالية مهمة.
ثانياً: إنها تريد تثبيتها لهذه الأسرة، وهذا البيت والآل، وهو حق يختلف عن حقوق الآخرين، فأراد القوم أن ينسخوا هذا الحق، كما نسخوه في الخُمس.
فالزهراء (عليها السلام) وقفت وتحدثت وتكلمت بذلك الكلام العظيم، لتثبت هذه الحقيقة، فبقيت هذه الحقيقة تداولها الأجيال إلى يومنا الحاضر.
وعندما جاء عمر بن عبد العزيز إلى الحكم، أراد أن يداري الشعور العام للمسلمين، ويظهر جانباً من العدل في حكمه، فأول عمل قام به، هو أنه أرجع فدكاً إلى بني هاشم.
وفدك التي أخذها الخليفة الأول أبو بكر، وبعده عمر، ثم أخذها عثمان، أعادها عمر بن عبد العزيز لأهل البيت (عليهم السلام) ليبين أن حكمه فيه جانب من العدل.
فهذا الأمر من الأمور القائمة بين المسلمين إلى يومنا الحاضر، وسوف تبقى قائمة كحقيقة من الحقائق. ولذلك كانت الزهراء (عليها السلام) تطالب بفدك، باعتبار وجود هذا الموضوع.
الهدف من البكاء
وهكذا في موضوع البكاء، فالزهراء (عليها السلام) كانت تريد أن تذكّر المسلمين وتنبههم لوجود هذه الحقيقة، وهذا الظلم والمحنة والتجاوز على الحقوق، فالقضية ليست مجرد بكاء وألم، وإن كان هذا الألم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) موجوداً في نفس الزهراء (عليها السلام)، وهذا النوع من الاستمرار بالبكاء ليل نهار يشبهه موقف الإمام زين العابدين (عليه السلام)، الذي ما قدم له طعام إلا وبكى، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «... وأما علي بن الحسين (عليهما السلام)فبكى على الحسين (عليه السلام)عشرين سنة، أو أربعين سنة - والترديد من الراوي - وما وُضع بين يديه طعام إلاَّ بكى، حتى قال له مولى له: جُعلت فداك يا ابن رسول الله، إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين، قال: إنَّما أشكو بثّي وحُزني إلى الله، وأعلم من الله ما لا تعلمون، إنّي لم أذكر مصرع بني فاطمة إلاَّ خنقتني لذلك عَبْرة»(12)، وهذا الموقف يشبه موقف الزهراء (عليها السلام) في بكائها على رسول الله (صلى الله عليه وآله).
أساليب الزهراء في إثبات حقها
لاحظوا الخطة التي وضعتها الزهراء (عليها السلام)، ففي مواقف متعددة نراها تدور على بيوت المهاجرين والأنصار، الزهراء العزيزة، ابنة رسول الله، الذي كان لا يذهب في سفر ولا يرجع منه إلاَّ ويأتي ويطرق بابها ويقول: «السلام عليكم أهل البيت»(13)، لكننا نراها تدور على بيوت المهاجرين والأنصار، تطرق بيوتهم، تستنجد وتستغيث بهم. فلماذا تحولت إلى هذا الموقف؟ إن هناك قضية تريد أن تطالب بها.
وهكذا عندما تقف في إعلان عدم رضاها، فعلي (عليه السلام) يقول للقوم: تفضلوا واعتذروا، فلا مانع عندي، لأن موقفه كان معروفاً، والزهراء (عليها السلام) تقبل مجيئهم; لأنها تريد أن تحقق قضية، فهؤلاء لو بقوا في أماكنهم، لا يأتون للزهراء، لم يكن من الممكن إثبات الظلم الذي وقع عليها.
والبخاري الذي ينتقي الأحاديث، ويدقق فيها، ويجتهد في إخفاء ما من شأنه إظهار حق أهل البيت (عليهم السلام) ومظلوميتهم. لا يمكنه أن يتجاوز هذه الحقيقة، وهي أن القوم أغضبوا الزهراء (عليها السلام)(14)، ويروي في موضوع غضب الزهراء (عليها السلام)، أن من أغضبها أغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله)(15)، وهذا الموقف من البخاري يدلل على أن هذه القضية ثابتة تأريخياً، ولا يمكنه تجاوزها.
هذه هي خطة علي (عليه السلام)، - فالزهراء من ناحية تصنع ذلك الجو في المدينة - التي يضغط على القوم ويحاصرهم ويجعلهم غير قادرين على أن يتحركوا، ومن ناحية أُخرى يأتي هؤلاء القوم ليسترضوا الزهراء (عليها السلام)، والإمام علي (عليه السلام)يسهل لهم الطريق، والزهراء توافق وتقول: الأمر بيدك، أنت صاحب البيت تصنع به ما تشاء، ثم بعد ذلك تعلن ذلك الإعلان، وتثبت تلك الحقيقة بين الناس.
وهكذا في موضوع دفنها، وفي كل الخطوات التي قامت بها، إذا أردنا أن نحسب حسابها، فإننا نجد أنّ وراءها هدفاً واحداً واضحاً، وهو تثبيت حقيقة الولاية، وهي جزء من الرسالة، وهذه القضية لا يمكن السكوت عنها.
لكن كما نعرف عن أهل البيت (عليهم السلام) عندما يقولون: لا يمكن السكوت، فليس معنى ذلك أن يفرطوا بكل المصالح الإسلامية، فهم لا يسكتون على الظلم والباطل، وفي الوقت نفسه ينظرون بالعين الأُخرى إلى المصالح الإسلامية الكبرى، ويحافظون على مصلحة الكيان الإسلامي.
هذه هي ميزة أهل البيت (عليهم السلام)، فهم على استعداد للتضحية والفداء والبذل، وتحمل كل النتائج المترتبة على ذلك، من أجل أن يحافظوا على المصالح الكبرى للإسلام، التي تقتضيها مصلحة الرسالة الإسلامية والوجود الإسلامي.
شهادة المحسن
وإذا أردنا أن نحسب أول شهيد بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، فهو المحسن أخو الحسن والحسين (عليهما السلام)، ثم كانت بعده الزهراء (عليها السلام)، وهذه الحقيقة هي التي تفسر لنا كل هذه المواقف، وتعطينا جواب هذه الأسئلة والاستغرابات التي تثار، فإذا كانت القضية عادية، فقد يكون هناك استغراب، وأما إذا عرفنا أن هناك مسؤولية تصدت لها الزهراء (عليها السلام)، وتحملتها في وقت لم يكن لأي أحد من الرجال أن يتصدى له بكامله، فلا غرابة بعد ذلك.
قد يتصدى علي (عليه السلام) لكلام أو موقف، لكن أن يتصدى لهذه القضية تصدياً استشهادياً تضحوياً، ويتحمل كل النتائج، لم يكن من الممكن أن يحصل ذلك منه; لأنه يحتاج إلى قتال، والقتال وراءه تلك النتائج، فكانت الزهراء (عليها السلام) هي المتصدية لذلك.
ونحن نعتقد أن هذه النعمة العظيمة التي تفضل بها الله علينا، وعلى كل المسلمين: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا}(16)، إنما تحققت لنا من الناحية الواقعية، لا من ناحية التشريع الإلهي فقط فالتشريع الإلهي موجود في النص القرآني، هذه النعمة التي بقيت جارية وسارية في هذا الوجود الإسلامي، حتى يظهر ولي الأمر، هذه النعمة كانت بفضل الله سبحانه وتعالى، وبفضل تضحية الزهراء (عليها السلام) وشهادتها، فالزهراء (عليها السلام) لها هذا الدور والمقام والموقع.
خاتمة
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من السائرين على نهجها، والتابعين لها في كل خطواتها وأعمالها، ونسأل الله أن يحشرنا معها يوم القيامة، وأن يعرفنا وجهها ووجه أبيها وبعلها وبنيها، وأن يشفعها فينا إن شاء الله.
كما نسأله سبحانه وتعالى أن يسدد ويؤيد علماء الدين الربانيين في مشارق الأرض ومغاربها، وأن يأخذ بأيديهم لما هو خير وصلاح المسلمين، وأن يحقق النصر للمسلمين في جميع مواقعهم، خصوصاً في عراقنا الجريح.
كما نسأله سبحانه وتعالى أن ينتقم من الطاغية صدام، انتقاماً عاجلاً، وأن يأخذه أخذ عزيز مقتدر، وأن يحقق النصر لإخواني المجاهدين، وأن يفرّج عن السجناء والمعتقلين، وأن يوفقنا لزيارة العتبات المقدسة تحت راية الإسلام، وأن يجمعنا معكم دائماً في مستقر رحمته، وأن يحفظكم ويرعاكم.
وإلى شهدائنا الأبرار، وخصوصاً سيد شهداء العراق الشهيد الصدر (رضوان الله عليه)، وإلى أرواح مراجعنا وعلمائنا، وإلى أرواح السلف الصالح للمؤمنين ولإخواننا الحاضرين، رحم الله من قرأ الفاتحة قبلها الصلاة على محمد وآلِ محمد.
____________
1- نهج البلاغة: 417.
2- المصدر السابق.
3- البقرة: 156 ـ 157.
4- الصراط المستقيم للبياضي العاملي: ج 2، 293.
5- روى حديث الدار جملة من المحدثين والمؤرخين، منهم الإربلي في كشف الغمة:ج 1، 62. وكذلك ورد عن ابن عبّاس، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: «لما نزلت هـذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين}، دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال لي: يا علي إنَّ الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أني متى أباديهم بهـذا الأمر أرى منهم ما أكره، فصمَتُّ عليه حتّى جاءني جبرائيل (عليه السلام) فقال: يا محّمد إنّك إلاَّ تفعل ما تؤمر به يُعذبك ربك!. فاصنع لنا صاعاً من طعام واجعل عليه رجل (أو رجل) شاة، واملأ لنا عُسَّاً من لبن، ثمَّ إجمع لي بني عبد المطلب حتّى أكلمهم وأبلغهم ما أُمرت به، ففعلت ما أمرني به، ثمَّ دعوتهم له وهم يومئذ أربعون رجلاً يزيدون أو ينقصون، فيهم أعمامه أبو طالب وحمزة والعباس وأبو لهب، فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) حذية من اللحم فشقها بأسنانه، ثمَّ ألقاها في نواحي الصفحة، ثمَّ قال: خذوا باسم الله، فأكل القوم حتّى ما لهم بشيء حاجة، وما أرى إلاّ موضع أيديهم، وأيم الله الذي نَفْسُ علي بيده، وإن كان الرجل الواحد منهم يأكل ما قدمت لجميعهم، ثمَّ قال: اسقِ القوم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا منه حتّى رووا منه جميعاً، وأيم الله، إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله، فلما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يكلمهم بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لقد سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال في الغد: يا علي إنَّ هـذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثمَّ اجمعهم إلي، قال: ففعلت، ثمَّ جمعتهم، ثمَّ دعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتّى ما لهم بشيء حاجة، ثم قال: إسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتّى رووا جميعاً، ثمَّ تكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطلب إنِّي والله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إنِّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيُّكم يواز رني عل هـذا الأمر على أن يكون أخي ووصي وخليفتي فيكم؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعاً، وقلت وإني لأحدثهم سناً وأر مصهم عينا وأعظمهم بطناً وأحمشهم ساقاً، أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثمَّ قال: إنَّ هـذا أخي ووصيِّي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع»، تأريخ الطبري:ج 2، 62 ـ 63. كنز العمال:ج 13، 28 1، برقم: 36408، باختلاف يسير في ألفاظها.
وفي المصدر نفسه بعد هـذه الرواية رواية أخرى، إليك نصها: «... فلم يقم إليه أحدٌ، فقمت إليه وكنت أصغر القوم، قال: فقال: إجلس، قال: ثمَّ قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه، فيقول لي: إجلس، حتى كان في الثالثة، فضرب بيده على يدي...إلخ ».
6- المائدة: 67.
7- المائدة: 67.
8- الكافي: 2، 18، حديث: 1، 3.
9- المصدر السابق:، حديث، 5. وتفسير العياشي:ج 1، 191.
10- نهج البلاغة: 417.
11- بحار الأنوار 2: 225. ومثله البخاري بلفظ: "...ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" البخاري 1: 52، باب إثم من كذب على النبي (ص). وهو حديث مشهور عند المسلمين.
12- أمالي الصدوق: 204، ح: 221، وعنه بحار الأنوار:ج 46، 109،ح: 2.
13- أمالي الطوسي: ص251.
14- البخاري 6: 2474، "... فهجرته فاطمة، فلم تكلمه حتى ماتت".
15- جاء في البخاري 3: 1360، عن المسور بن مخرمة، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني".
16- المائدة: 3.
|