الوقوف أمام الصرح الشامخ لعلي (عليه السلام) | إحدى معالم شخصية الإمام علي (عليه السلام) | علي (عليه السلام) في مواجهة الردة | تحمل المسؤولية جانب من الشجاعة | مقارنة وتأمل | واجبنا تجاه هذه الذكريات  
 
 
 

كلمة السيد الحكيم (قدّس سرّه) في ذكرى شهادة الإمام علي (عليه السلام)
في يوم الأربعاء المصادف 20 / 9 / 1401 هـ ق الموافق 22 / 7 / 1981م


الإمام علي (عليه السلام) ودروس الشجاعة


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

السلام عليكم أيها المؤمنون والمؤمنات ورحمة الله وبركاته.

السلام عليك يا مولاي يا أمير المؤمنين، السلام عليك وعلى روحك الطاهرة، وجهادك الصادق، ودمك الزكي الذي أريق في محراب الجهاد والإسلام، والسلام على شهداء الإسلام الأبرار الذين سقوا بدمائهم شجرته.


الوقوف أمام الصرح الشامخ لعلي (عليه السلام)

أيها الإخوة والأخوات، عندما يقف الإنسان أمام صرح عظيم شامخ كالإمام علي (عليه السلام)ـ وفي مثل هذه الذكرى المفجعة المؤلفة ذكرى استشهاده (عليه السلام) ـ ذلك الإنسان الذي كانت تطمح إليه أنظار المسلمين وكل المستضعفين والمحرومين في العالم، لينقلهم من الظلمات إلى النور ويحقق في مجتمعهم العدل الإلهي الذي جاء به الإسلام العظيم، ففي مثل هذا الموقف يتحيّر الإنسان في أيّ جانب من جوانب هذا الصرح العظيم يتناوله.


إحدى معالم شخصية الإمام علي (عليه السلام)

هناك نقطة بارزة في حياة الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يمكن أن نستمد منها العبرة، وتشكل لنا ذلك الضوء الهادي في طريقنا الذي نسير فيه، طريق الجهاد والكفاح والنضال من أجل الإسلام، ومن أجل تحقيق حكم الله في الأرض، وهذه النقطة هي شجاعة الإمام علي (عليه السلام)، فأنتم تعرفون أيها الإخوة أن من أبرز صفات هذا الصرح الشامخ هو شجاعته التي عندما نشير إليها يتبادر إلى الأذهان - لأول وهلة - مواقفه البطولية في ساحات الجهاد والكفاح من أجل الإسلام وموقفه في بدرهذه المعركة التي اقترنت إلى حدّ كبير بذكرى استشهاده سلام الله عليه.

ويتبادر إلى أذهاننا موقفه في أُحد والأحزاب وخيبر وحُنين وغير ذلك من معارك الإسلام التي تمكن فيها ببطولته وشجاعته من أن يرسي قواعد الحكومة والدولة الاسلامية، وبالتالي تمكن من ان يحقق تلك الدعامة التي قام عليها الاسلام، واستمر الى يومنا هذا، ولكن هناك جانب اخر من شجاعة علي (عليه السلام) يشكل عنصراً قد يكون أهم من ذلك العنصر المتمثل ببطولته في ميادين القتال والحرب.

هذا الجانب من شجاعة الإمام علي (عليه السلام) يتمثل في التزامه بخط الإسلام الصحيح والتزامه بذلك الموقف الذي يفرضه عليه بشجاعة تتدانى عندها شجاعة الأبطال والفرسان، فعلي (عليه السلام) في الوقت الذي عرفته ساحات الجهاد والقتال بطلا لا يُضاهى ولا يمكن أن يقف في وجهه أحد، وجدناه يتنازل عن ذاته ومنصبه وعن كل شيء بشجاعة فائقة، وصبر عظيم من أجل مصلحة الإسلام وحفظ بيضة الإسلام وكلمة لا إله إلاّ الله محمد رسول الله.


علي (عليه السلام) في مواجهة الردة

أنتم تعلمون أيها الإخوة أن علياً (عليه السلام) حينما واجه الردة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووقف أمام خيارين، إما أن يطالب بحقه ويتسلم أعلى منصب في الدولة وهو الخلافة - هذا الحق المشروع الذي جعله الله سبحانه وتعالى له -، وأما أن يصبر ويعيش في أحضان الدولة الإسلامية، وقد وجد أنه حينما يقف الموقف الاول قد تحصل هناك ردة بالنسبة إلى الإسلام فلا تبقى كلمة لا إله إلاّ الله ولا كلمة محمد رسول الله.

فعندما واجه هذه الحالة وقف (عليه السلام) بشجاعة وتصميم وعزم وصبر إلى جانب مصلحة الإسلام العليا وتنازل عن ذاته وكل وجوده، ومن هنا يعطينا الإمام عليّ (عليه السلام) بشجاعته هذه مثلا عظيماً رائعاً وهو أن مصلحة الإسلام وكلمته، وكلمة لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله هي أعظم من كل شيء في هذا الوجود، أعظم من كل إنسان مهما كان عظيماً كعلي (عليه السلام).


تحمل المسؤولية جانب من الشجاعة

هذا الموقف الشجاع يظهر لنا جانباً آخراً منه، فعندما تداعى الناس جميعاً على بيعة علي (عليه السلام) الذي كان يعيش بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أجل الإسلام في الظل لا في الواجهة، وهو ينظر إلى الخلافة ـ كما صرّح بذلك في مرّات عديدة ـ أنها كعفطة عنز أو كشسع نعل. فبهذه النظرة إلى المنصب وعدم كونه شيئاً يستحق في نظره أيّ بذل ما لم يقم به حقاً ويبطل به باطلا، وجد أن مسؤوليته الشرعية ـ التي يفرضها (عليه السلام) ـ تفرض عليه أن يقوم بأعباء الخلافة بعد مقتل عثمان، فتصدى لذلك أيضاً بتلك الشجاعة التي تنازل بها عن حقه، تصدّى للخلافة بشجاعة عظيمة حينما كان المجتمع الإسلامي يعج بالانحرافات والمآسي ويعج بالمظالم، تصدّى (عليه السلام) من أجل أن يرجع المجتمع الإسلامي إلى الطريق الذي رسمه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

وهذا التصدي من علي (عليه السلام) يعبّر عن هذا الجانب من الشجاعة، فإنسان مثل علي (عليه السلام) يعبر عن هذا الجانب من الشجاعة، وإنسان مثل علي (عليه السلام) ينظر إلى الخلافة بهذه النظرة ولا يوجد في ذاته ولا في نفسه أي توجه إلى مثل هذا المنصب، فعندما يتصدى لتحمل المسؤولية في تلك الظروف القاسية يحتاج إلى شجاعة عظيمة أكبر من التي يمتلكها الإنسان في ساحات القتال وميادينه، وهذا المثل ضربه لنا علي (عليه السلام) وتحمل المسؤولية في سبيل ذلك وكافح وناضل وصبر حتى استشهد في محرابه، ووجد في مثل هذه الشهادة الفوز العظيم والرضوان من الله سبحانه وتعالى.


مقارنة وتأمل

عندما ننظر إلى هذه الصورة الشجاعة من علي (عليه السلام) وننقلها إلى يومنا الحاضر، نرى أن في تصدي قادتنا العظام أمثال السيد الإمام الخميني (دام ظله) الذي تصدى لقيادة المسيرة في إيران بالرغم من كل هذه المشاكل والمعاناة والآلام التي يعيشها المسلمون في إيران وفي شتى أنحاء العالم الإسلامي، يتصدى هذا الإنسان باعتبار شعوره بالمسؤولية الشرعية والدينية أيضاً. ويتصدى كذلك بذلك الصبر والحزم والتصميم على تحمل هذه المسؤولية، حتى لو انتهى الحال به إلى الشهادة ـ لا سامح الله ـ.

هذا التصدي يعتبر أيضا تأسياً بسيرة علي (عليه السلام)، والأئمة (عليهم السلام)، ونحن في العراق وجدنا إنسانا عظيماً آخراً يتصدى للمسؤولية بهذه الروح الشجاعة وهو يشعر أن الموت منه قاب قوسين أو أدنى، يتصدى للمسؤولية وهو يشعر بأن هناك آلاماً ومشاغلا ومشاكلا، وهذا هو سيدنا وإمامنا وشهيدنا العظيم السيد الصدر (قدّس سرّه)، الذي تصدى لهذه المسؤولية أيضاً بالرغم من الظروف القاسية، وتحمل هذه المسؤولية حتى أُريق دمُه في سبيل الإسلام وقضيته وفي سبيل قضية علي والحسين (عليه السلام).

وهذا المثل الرائع الذي ضربه لنا سيدنا الشهيد الصدر (قدّس سرّه) أيضاً هو مثل هادي وضوء ينير لنا طريق الجهاد والتصميم وتحمل المسؤولية حتى النفس الأخير، وحتى بذل الدم في سبيل الإسلام؛ لأن هناك شيئاً عظيماً وأعظم من كل إنسان ألا وهو مصلحة الإسلام وكلمة لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. وهذا هو أعظم من نفس علي (عليه السلام) والأئمة (عليه السلام) والعلماء الذين استشهدوا في سبيله لأنه باعتبار شعورهم بعظمته بذلوا أنفسهم وذواتهم في سبيله ومن أجله.


واجبنا تجاه هذه الذكريات

أيها الإخوة والأخوات لابد لنا ـ عندما نحيي هذه الذكريات والشعائر الدينية ـ من أن نستلهم العبرة منها، والعبرة من شهادة الإمام علي (عليه السلام) هي أن نكون أكثر حزماً وتصميماً في مثل هذه الظروف، وأن نتحمل المسؤولية جميعاً، وعندما أقول جميعاً أقولها لأن هذا الهدف العظيم الذي نسعى من أجله وهو إقامة حكم الله في أرض العراق، وتخليص المظلومين من كل الطغاة وعلى رأسهم صدام الكافر التكريتي، نحتاج فيه إلى أن تتظافر جهودنا جميعاً في سبيله، وأن نكون يداً واحدةً وقلباً واحداً وصفاً واحداً، وأن نبذل كل غال ونفيس من أجله، حتى أبنائنا، وبذلك نتأسى بصاحب الذكرى التي نعيشها الآن وهو مولانا وسيدنا الإمام علي (عليه السلام)، الذي بذل نفسه في سبيل هذه القضية.

ونتأسى بسيدنا الشهيد الصدر (قدّس سرّه) هذا المثل الحي الذي نعيشه في عصرنا هذا، وفي قضيتنا هذه، نتأسى بمثل هؤلاء العظام من أجل قضية الإسلام، وعلينا عندما نأخذ العبرة أن نأخذها مع إرادة على السير في هذا الطريق حتى نهايته، ولو كان بذلك بذل دمائنا، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً للسير في هذا الطريق والوصول إلى تلك الاهداف النبيلة التي رسمها النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لنا ورسمها الأئمة (عليهم السلام) من بعده ومن بعدهم العلماء الصالحون القادة الذين جعلهم الأئمة (عليهم السلام) قادة لنا وموجّهين لمسيرتنا وبذلوا دماءهم من أجلها.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحقق لنا النصر الذي وعدنا به إذا كنا يداً واحدة وإذا كنا مصممين على السير في هذا الطريق باذلين كل غال ونفيس.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا بكم في الوقت القريب في حرم سيدنا ومولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) لنعيش هذه الذكرى وكل الذكريات العظيمة ذكريات الأئمة (عليهم السلام) تحت قبابهم الشريفة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 
 
info@al-hakim.com تعريف بالمؤسسة الصفحة الرئيسية